الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

جبل القهر في التاريخ

Share

تطلق كلمة القهر على جبل معروف من سلسلة جبال السراة المتاخمة لتهامة والى جانبه جبل آخر يسمي القهر ، وثالث واسمه زهوان ويطلق عليها مجموعة جبال الريث ، وبه سميت القبيلة . وقد ذكر الهمداني بكتابه ( صفة جزيرة العرب ) ص ( ٦٧) : " ان سلسلة جبال السراة مقسمة الى سروات تعرف بأسماء القبائل النازلة فيها ، ويقال ان ريث اسم رجل وهو ريث ابن عيسى بن غطفان " . وجاء فى " سبائك الذهب " للسويدى ص ( ١١٨ ) قال : " انهم من بني البغيض وهو بغيض بن ريث بن غطفان " .

وتطلق على نفسها هذه القبيلة كلمة ال - امحطيط - وهي تعتز باللقب الأخير . .

ويقع جبل القهر على رأس الضفة الجنوبية من وادي بيش ، ولهذا فهو يقابله فى الاتجاه تماما ، وتبعد مسافته عن جازان حوالى أربع مراحل ، أى عبارة عن مائة وعشرين من الكيلوات ، ومجموعات عدد سكان هذا الجبل حوالى ثلاثة آلاف شخص وتقسم الى خمسة فخوذ ، وهم ال امشحنة ، وال امنجاد ، وال امسلمي ، وال امشيف ، وال امسعود . وتحيط القبائل المجاورة بجبل القهر احاطة السوار بالمعصم وهم قحطان وبنو

حريص والعزى والمغفرى والحقوق وغيرهم من القبائل المجاورة ، ويبلغ ارتفاع جبل القهر عن سطح البحر ستة آلاف قدم والمستوى منه من الجنوب الى الشمال اربعة عشر من الكيلوات ، ومن الغرب الى الشرق المستوى منه زهاء ثلاثة من الكيلوات ، والباقي كهوف ومغارات وعرة المسالك . .

والقهر جبل معروف فقد جاء ذكره في معلقة لبيد بن ربيعة العامري التى مطلعها : ( عفت الديار ) فى قوله :

مرية حلت بفيد وجاورت

     أهل الحجاز فاين منك مرامها ؟

بمشارق الجبلين او بمحجر

    فتضمنتها فردة فرخامها

فصوائق ان ايمنت فمظنة

    منها وحاف ( القهر ) او طلخامها

ويقال ان وحاف الصخرة السوداء وتروي صعائد بدلا عن صوائق ، وأهل تهامة يطلقون كلمة صاعد على الجهة الشرقية ولعل وحافا ايضا محرفة عن كلمة وعال وهو واد من أودية جبل القهر كثير السباع وطلخام من اسماء السباع وربما قد تحرف البيت من تناقل الرواة فاذا كان القهر يطلق عليه المؤرخون اسم موضع فاذا اجيز لي هذا التصرف البسيط

الذي يشتمل على الحقيقة والواقع فيكون البيت هكذا :

فصعائد ان ايمنت فمظنة

    منها وعال ( القهر ) او طلخامها

وجاء فى معجم البكرى ج ٣ وص ١١٠ : " انه موضع " وانشد فيه قول مزود بن ضرار :

وشت لنا ناران نار برهوة

     ونار بني عبد المدان لدى القهر

فالرهوة التى أشار اليها الشاعر هى قرية من قرى تهامه ما زالت تحتفظ بهذا الاسم حتى الآن ، واما بنو عبد المدان ونارهم المتأجة لدى حسب ما يقوله مزود بن ضرار فلا توجد الآن قبيلة بهذا الاسم فى " القهر " واخال انهم دخلوا فى القبائل المجاورة منذ أيام الشاعر جرير حينما هجا هذه القبيلة . . وقد وصف جبل القهر شاعر مواطن ، وصفا رائعا حيث يقول :

جبل شامخ الشموخ يرى الأرض

    بعين يزور عنها ازورارا

قام بين السماء والأرض منه

    حائط يمنع السحاب انتشارا

يتشظى على جوانبه البرق

        شواظا ونيزكا وشرارا

درجت حوله الاحاديث اطفالا

ومرت به الدهور صغارا

وقال أحد مؤرخي تهامة الشيخ عبد الله العمودى فى كتابه المسمى ( اللامع اليماني ) : ان جبل القهر مخالف لوضعه الطبعي فتراه كالدور المسقفة ، وهم يدعون انهم من قوم

صالح النبي عليه السلام ، وان الناقة عقرت فى ديارهم ، وان الفصيل دخل فى صخرة الجبل ، وعلامة ذلك ان الانسان اذا وقف تجاه الصخرة يسمع للفصيل حنينا لا سيما زمن الشتاء . ويقول المؤرخ : والدليل على دعواهم انهم من قوم صالح ان تلك الجبال مع جاراتها كالمغفرى والعزى قد نحتت كما قال الله : " وتنحتون من الجبال بيوتا " انتهى .

ولعل هذه الاسطورة من الأساطير التى تنشأ حول المواقع الهامة . وقد لعب جبل القهر ادوارا فى تاريخ تهامة فى كل زمان ومكان . واليكها مستمدة من مؤرخين عاصروا الاحداث :

غزا تهامة جيش الامام الشهيد عبد العزيز بن محمد بن سعود بجيش لجب كان قوامه عشرين الفا بقيادة عبد الوهاب بن عامر العسيرى ومازال متغلغلا حتى انتهى به الفتح الى جبل القهر فطلب من الريث الدخول فيما دخل فيه اهالى تهامة فلم تنصع المطالبه ، فضيق الجيش عليهم الحصار حتى ارغموا أخيرا على التسليم وعندما استشهد الامام ، وتولى من بعده

سعود الكبير ، طلب الشريف حمود فصل تهامة المرتبطة ارتباطا مباشرا بعسير عنها لسبب قسوة الامراء العسيريين وتعسفهم في تهامة ، وفعلا كان له ما أراد ، الا ان هذا الانفصال لم يتلقه القائد العسيرى بالارتياح ، فبدأ يفتل في الذروة والغارب عند الامام سعود حسب ما يقول صاحب ( نفح العود ) مما ادى بالامام ان يجهز جيشا من نجد والدواسر والعسيريين . فبدأ الجيش يزحف

على تهامة ، وفي تلك المدة كانت تهامة تنقسم الى قسمين : الاول ملتف حول الشريف حمود ، والقسم الثاني لا يزال على ولائه لآل سعود ، فخرج الشريف حمود لملاقاة الجيش الزاحف فالتقى الجيشان فى وادى بيش ، ودارت المعركة بينهما فانجلت بهزيمة الشريف حمود ، واستشهاد قائد السراة ، وبقى كل واحد متمسكا بقواعده : الشريف حمود في الناحية الجنوبية مهيض الجناح ، والجيش النجدى العسيرى فى وادى بيش .

وذلك ريثما يعين الامام قائدا ويقول المؤرخ : صدرت الاوامر من الدرعية بتعيين طامى بن شعيب قائدا للجيش وعززه بأمير الحجاز عثمان المضايفي العدوانى فبدأ الجيش يصفي رؤوس الوادى حتى انتهى الى جبل القهر ، ولما لم تكن قبيلة الريث صادقة فى المرة الاولى فقد اعتصمت بالقهر سادرة في العصيان ، ولكن الجيش ضيق عليهم الحصار حتى رجعت الى الطاعة مرة أخرى . .

وفي عام ١٢٤٧ غزا الأمير على بن مجثل الصهاليل ، وهى قبيلة تسكن حدود وادى بيش ثم عرج على جبل القهر فرغم انه قتل من أهالى الريث من قتل ، وأسر من أسر ، الا انه لم يتمكن من الاستيلاء على القهر . .

وفي عام ١٢٥٨ غزا الريث الأمير عايض بن مرعى فكانت المعارك بينهما أشبه ما تكون بحرب عصابات مما جعل امير السراة يضيق ذرعا بهذه الغارات التى اقضت مضجع الجيش فعاد دون أن يتم له الاستيلاء

على القهر غير انه صب جام غضبه على قبائل الجهرة والحقو .

وفي عام ١٢٨٨ غزا تهامة محمد ابن عايض فحاصر جبل الريث لارغامهم على التسليم غير انه طعن من الخلف ، لان الجيش التركى كان يزحف على عسير بقيادة محمد رديف باشا فعاد لانقاذ وطنه دون الاستيلاء على القهر ، وفى هذه الفترة التى تقارب نصف قرن كانت الحروب الأهلية قائمة بين أهالى الريث وبني عمومتهم كالعزى والمغفرى والحقوي ، حتى جاء عصر السيد محمد بن على الادريسي الذي بدأ ، من عام ١٣٢٦ وانتهى بعام

١٣٤١ وقع منهم انقلابان ، فى الاول جهز عليهم السيد جيشا بقيادة الشريف عبد الرحمن بن ظافر فخيم الجيش الادريسي فى مركز مقزع ( ١ ) فدارت المعارك بين الطرفين وقتل فيها جماعة من جنود الادريسى ولكن فى الاخير تغلب الجيش الأدريسي فأسر معظم أهالى الريث ثم عفا عنهم وجلب لهم مرشدين من تهامة لتعليمهم مبادىء الدين ، وصاروا

يؤدون زكاة اموالهم ، غير أن المرشدين كانوا يلاقون بعض الصعوبات فى بادئ الامر خصوصا عند تأدية الصلاة لأن الركوع والسجود يتراءى لهم انهما ليسا من الرجولة فأخبر الامام الأدريسي عن استيائهم هذا فطلب جماعة منهم الى جازان فكانوا ضيوفا عليه يشهدون الجمع والجماعات ، وعندما اختلف عليهم المناخ وبدأت صحتهم تتداعى

شيئا فشيئا ، طلبوا السماح لهم بالتوجه إلى القهربداعي أنهم ) مداينة ( على حد قولهم أى من رجال الدين . وما هى الا أيام حتى رجعوا الى عصيانهم ، خصوصا عندما علموا أن الجيش الادريس يتغلغل في المملكة المتوكلية فجهز عليهم الادريس جيشا من رجال حاشد المعسكرة حينذاك معه بقيادة يحيى بن الهادى الذى كان مواليا له على امام اليمن فأسرمن

أهالى الريث حوالى مائة شخص وأودعهم قلعة ماغص ) ٢ ( وقد يقيت الريث منهوكة القوى نتيجة الحرب والسلب حتى جاء عصر الملك الراحل عبد العزيز رحمه الله فوقع منهم عدة اعتداءات على القبائل المجاورة فجهز عليهم الملك جيشين الاول من تهامة بقيادة امير جازان

خالد بن احمد السديرى ، والثاني من السراة بقيادة اميرها تركى بن أحمد السديرى فالتقى الجيشان المقاتلة الريث واخيرا بعد المعارك اسر منهم ما يربو على مائة شخص واخذت انعامهم غنائم فطلبوا الأمن والتسليم على يد امير جازان : خالد بن احمد

السديرى . . واذكر انه كان بين الاسرى طفل لم يتجاوز السابعة من عمره قد اعفي من الاسر ولكنه تنمر فى تلك اللحظة . ورأى انه طعن فى كرامته فقال كلمته التقليدية : " لا يمكن ادراج صبيان ال امحطيط فى امحديد ، وأظل محلول الوثاق " - أى يريد الاسر وبرغم المحاولة التى بذلت فى اعفائه

من الاسر فانه رفض رفضا باتا ذلك وكان أبوه بين الاسرى فقد سمح بادراجه في امحديد ) ٣ ( بين صبيان امحطيط كما يزعم .

وما حدث على يد عبد الوهاب بن عامر وطامع بن شعيب وعثمان المضايف العدوانى والامير عايض بن مرعى ومحمد بن عايض والحروب الاهلية التى كانت قائمة بينهم وبين بني عمومته وما حصل فى عصر السيد الادريس والملك الراحل عبد العزيز رحمهم الله جميعا حدث فى مطلع هذا العام سنة ١٣٧٥ ه في عصر مولانا طويل العمر جلالة الملك سعود بن

عبد العزيز متع الله بحياته وتأييده ، والسبب كان بسيطا بالنسبة لاهالى الريث . وهو يتلخص فى موضوع جنائي قام به أحد أفراد قبيلة آل المشحنه تطرق ذلك الحادث الى مسامع مولانا صاحب الجلالة الملك سعود فأمر أمير جازان سليمان بن جبرين بالخروج الى تلك الناحية

للتحقيق فى الحادث ومطالبة الريث بالقاتل وتسليمه الى العدالة فالتجأ بقبيلة آل امشحنة واعتصموا جميعا بجبل القهر وبرغم ما بذل المسئولون من محاولة تسليمه الى الرضوخ المطالب الحكومة العادلة والنزول على العادنه والنزول على حكم الشرع غير انها استشرت المحادثة معهم واصبح من المستحيل الوصول الى غاية ايجابية وعلى هذا العصيان خرجت الشوكات من تهامة

وعسير مطالبة جلالته بأخذ الريث قسرا ولكن مولانا حفظه الله حذر الشوكات من اجراء أى عمل يكون فيه سفك الدماء كما امر جلالته قاضى جازان الشيخ عبد العزيز بن فوزان والشيخ عبد الله القرعاوى وبعض رؤساء القبائل لاستئناف المحادثة مرة أخرى فكادت هذه الهيئة تتوصل الى نتيجة الا أن الريث لم تكن صادقة فيما تعنى او تقول ، وفي هذه الاثناء امر جلالته سمو الامير عبد الله الفيصل الفرحان بالتوجه الى الريث وقد بذل هو الآخر الشئ الكثير من جانبه لتحقيق الغاية التى يهدف اليها جلالته من اخذهم باللين والرفق.

ضاقت الشوكات المرابطة تحت جبل القهر حوالى ثلاثة اشهر وتعطلت أعمالهم حتى أن معظم المزارعين لم تلاق أراضيهم العناية الكافية ، لاسباب الحادث الذي وافق وقوعه موسم الخريف . طلبت الشوكات السماح لها بتسلق القهر وفعلا بلغت القمة دون اية مقاومة تذكر ، وما ان علم جلالته باستيلاء القبائل على القهر واخذ المقاتلة الاسرى والمواشى غنائم حتى اعاد قول تلك الكلمة الخالدة التى يردد صداها التاريخ منذ قالها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فى السنة الثانية من الهجرة لمناوئية من قريشوا " اذهبو فانتم الطلقاء " فقد اطلق جلالته الريث من

الاسر واطلق مواشيهم ولم يقف العفو عند هذه المكرمة التاريخية بل تعداه الى مكارم اخرى فقد امر لهم بالكساء وأمر لهم بالغذاء وكل ما هو خليق بجلالته من حب الخير .

ولما كان الحلم والاناة اللذان يتصف بهما جلالته يخفيان وراءهما كياسة وسياسة وتصرفات حكيمة فلم يدع الفرصة تذهب سدى ، كما ذهبت على من قبله من الحكومات السابقة فقد أقام اميرا على قمة القهر وبني قصرا ومطارا وثكنات عسكرية ومحكمة شرعية وفتح لاسلكيا ووضع هناك

طبيبين وممرضين وفتح الطريق الوعر وهو على وشك الانتهاء وامر بتعيين قاض وخمسة مرشدين ، وفتح مدرسة وامر بأن يرتب للتلاميذ رواتب تقوم بكفايتهم نحو خمسين ريالا لكل تلميذ حتى لا تتكرر ماسي الريث مرة اخرى كما تكررت من قبل ، ولن يصبح القهر بعد الآن مما ينطبق عليه قول ابن عاديا :

لنا جبل يحتله من نجيره

    منيع يرد الطرف وهو كليل

رسا اصله تحت الثرى وسما به

    الى النجم فرع لا يرام طويل

  هذه هي الريث ، وهذا هو تاريخهم

وهذا هو الملك العادل العظيم . . .

    حفظ الله سعودا للبلاد وأبقاه

ذخرا للعرب والمسلمين . ..

اشترك في نشرتنا البريدية