فى ذلك اليوم والارض تنبطح تحت السماء والمنازل البيضاء تلكز بعضها بعضا عل ناصيتى طريق منحدر ، كان هو يجرى وانحدار الطريق وتطويه الطريق عند المنعطف ويسمع وقع أقدامه من بعيد ثم يفتر الوقع .
كانت شهرزاد لا تزال تقص على الملك قصصها الطويلة الجذابة ، وكانت الزهرة الاغريقية نابتة فى منعطف الطريق ، تنتظره فى زينه من الاورق الخضر .
سألته شهرزاد : لماذا تأخرت يا جحا ؟
فارتجف جحا وأحس بأن شهرزاد تستمهل شهريار والعبد هناك يترصدهما .
رأي الزهرة الاغريقية تحتذى الارض ورأى أشعة الشمس وهى تحنو عليها . وأحس برجليه تنغرس فى التراب ولكن الشمس لم تكن تحنو عليه !
وقالت شهرزاد : لقد ترقبتك طويلا وشهريار يترقبنى .
وهبت نسمة من اعالى البناءات فرفرفت الزهرة الاغريقية وتمايلت على عودها . فتلون الفضاء المترب ، وكان جحا من محبى الالوان فتعلقت عيناه بها فلم يستمع الى صوت شهرزاد يناديه وصاحت فجأة : قد عيل صبرى يا جحا ؟
وأجاب جحا : ماذا تريدين منى ؟
وقالت شهرزاد فى نبرة خائفة : حياتى رهن يديك يا جحا .
نظر إلى لباسها الحريرى المتموج وتقلبت عيناه بين يديها المقيدتين ذهبا ونظر الى قرطيها الثمينين يقضمان أذنيها وتساءل : لا أفهم !
قالت شهرزاد : ألا تعلم أن شهريار يترقبنى ؟
قال جحا : بلى انه زوجك . وأجابت : هذا لا يكفى .
خيل اليه ان الزهرة الاغريقية تبتسم فابتسم بدوره فاغتاظت شهرزاد : أتسخر منى يا جحا ؟
تقدم نحو الزهرة وجعل يبعد الحصى عن عودها الرقيق ويرميه بعيدا فيزيدها نقاوة وجمالا . ونسى وجود شهرزاد بجانبه فنبهته مغتاظة : انى أترقبك يا جحا يجب أن تقص على قصتك ، ان شهريار ينتظرنى ولا يمكن ان أعود اليه بدون قصة .
وانتفض جحا : ليس لى قصة .
وتوسلت شهرزاد : ولكن يجب أن أقص عليه شيئا أترضى أن أموت يا جحا ؟
كان منحنيا يلتقط الحصاة ويلوح بها بعيدا وعبير الزهرة يداعب أنفه فقال فى تراخ :
- لست أسطورة يا شهرزاد . - لماذا تفعل بى هكذا يا جحا ؟ - قلت لك لست أسطورة ! - أنا اعرف أن لك أسطورة .
- لماذا تطلبين منى ان اقص عليك قصتى وانت منبع الخرافات والاساطير ؟ ما الذى يمنعك من اختلاق قصة ؟
- لانى أعرفك . لا استطيع أن أبتدع أسطورة عن الذى أعرف .
- وماذا تعرفين عنى ؟
- أعرف أن لك حمارا أشهب وأنك تمتلك مسمارا مرشوقا فى جدار سميك وقد أكله الصدأ .
- هذه الاسطورة أرفضها ، أرفض أن أدخل الاسطورة . أرفض أن أكون أسطورتك .
- لست أسطورتى ستكون أسطورة كل الناس سيعرفك الناس كلهم .
نظر إلى الزهرة الاغريقية ورأى فراشة ملونة تحوم حولها ثم شاهدها وهى تحط عليها برفق وتدفن فيها مرشفها فتمتص رحيقها .
وأتاه صوت شهرزاد يحثه من جديد :
- لماذا لا تقص على قصتك ؟
قال وهو ينظر الى الفراشة الملونه :
أساطيرك من خيال وان قصصت عليك قصتى فربما تحدثت عن أشياء أخرى حتى يطول بك الحديث ويدركك الصباح .
- أنت تماطلنى ولا تريد اعانتى .
- أنت امرأة كذوب . أكره فيك ذلك .
وسهمت شهرزاد بنظرها تذكرت أيام كانت تقص القصص الجميلة نساط تذكرت أيام كان الملك ولوعا بخرافاتها . تقدمت قليلا فهفهف الحرير حولها وانزعجت الفراشة فطارت بعيدا وعاد جحا ينظر الى الزهرة الأغريقية وكانت شيئا من قصته ، ونسى شهرزاد مرة اخرى .
روت شهرزاد قائلة : كان جحا رجلا بسيطا كان يحب النكتة والفكاهه كان ذكيا وكان يتحول عبر السوق ورائحة البخور تعبق من الدنا في المزدانة . كان له حمار أشهب وكان يمتلك مسمارا مرشوقا جدار سميك وقد أكله الصدأ . وكان يحب زهرة اغريقية قزحية الالوان كان ...
وتوقفت شهرزاد عن الكلام اذ تثاءب الملك ورأته وهو يستسلم للنوم ..
وتثاءب الديك فوق السطح وكان يحلم بدودة خضراء تلمع أمام عينية ..
فأجهشت شهرزاد بالبكاء وقالت :
- لقد أخذت منى أقاصيصى كلها ! لماذا يا جحا ؟ آه يا جحا !..

