ان موضوع الغرب لا يخلو من أهمية فى الرواية العربية المعاصرة ذلك ان جل المعانى التي عالجتها الرواية العربية تطرح بشكل او بآخر قضية الغرب، فمعانى المرأة والجنس والمثقف والثورة تخضع لعدة اعتبارات لعل الغرب أهمها. فالروائى العربى المعاصر روائى حديث فى ثقافته ومفاهيمه، اتصل بالغرب اتصالا مباشرا للدراسة او لاغراض اخرى واتصالا غير مباشر عن طريق الثقافة ذاتها وقد تأكد لنا ان هذه الثقافة هى ثقافة كتب قد تربط الصلة بين الشرق والغرب (1).
ولطرح جدلية الشرق والغرب كما تتراءى لنا من خلال الادب الروائى العربى سنعتمد على مبدإ الافادة منهجا فى تحليلنا ذلك اننا سنقتصر على مجموعة من الروايات ذات الدلالات المفيدة صدرت فى عدد من الاقطار العربية منذ الثلث الثانى من هذا القرن الى بداية السبعينات وللاجابة عن القضية المطروحة لا بد من الوقوف عند بعض مراكز الاهتمام الاساسية وهى:
1) اين يبدو حضور الغرب فى الرواية العربية المعاصرة؟
2) ما هى صورة الغرب كما يرسمها الروائى العربى المعاصر؟
3) ما موقف الروائى من الغرب وكيف نفسر هذا الموقف؟
1 - حضور الغرب فى الرواية العربية المعاصرة:
اذا عدنا الى رواية ((عصفور من الشرق)) لتوفيق الحكيم (2) وهى اولى الروايات العربية التى طرحت قضية الغرب، تتجسم أوربا فى عظمة آثارها الفنية والادبية، فلا ينتبه محسن وهو صورة الروائى ذاته الا الى ابرز اعلام الفن من أدب وموسيقى ورسم من امثال ((هاندل)) و ((موزار)) و ((ميكل آنج)) و ((رفائيل)) ولا يهتم الا بالمفكرين الذين لم يتخذوا من العقل وحده عقيدة وظلوا متعلقين بالقيم الروحية فى التفكير. شأن ((باسكال)) و ((دانتى)) و ((قاليله)) فنظرة محسن الى الغرب هى اذن نظرة انتقائية تخضع اساسا الى عقيدة الكاتب وموقفه الفكرى.
اما صورة الغرب فى رواية أديب لطه حسين (3) فهى الى الشمول اقرب، فالغاية الاساسية التى الحت على بطل الرواية ودفعت به الى الهجرة تتمثل فى طلب العلم. بيد ان الغرب لا يتجسم فقط فى علمه (4) بل فى حياته كلها وان كانت متناقضة (5) وحياة الغرب هى ((هذه الفتاة ذات الوجه المشرق والثغر لمضئ والحديث الحلو والروح الخفيف)) (6) وهى ((هذه التماثيل)) و ((هذه المعاهد)) الموجودة هنا وهناك فى مدينة باريس (7) وهى ايضا هذه الحرب التى اندلعت والتى ستجعل الناس ((متأثرين بالغرائز اكثر مما يتأثرون باى شئ آخر، مهدرين لما عرفوا من قيم الاشياء اهدارا، مزدرين لما الفوا من المثل العليا)) (8).
وفي رواية ((أنا احيا)) تعى لينا فياض حضور الغرب فى كل الاطر المكانية التي تعيش فيها من البيت الى الجامعة، ففى البيت تلاحظ الهندسه التى تخصص قاعتين للجلوس احداهما عربية الاثاث والهيئة والثانية أوربية الشكل والاثاث أيضا. وفى الجامعة يتجسم الغرب فى اللغة التى تغزو العرب،ى فتجعله يؤدى التحية بغير أصواته (9) كما يتجسم ايضا فى المؤسسه التى تعمل من اجل نشر السلام المزعوم (10) وهى فى الواقع مؤسسه استعمارية.
وفي رواية الحى اللاتينى لسهيل ادريس (11) لئن غادر الراوى وطنه كغيره من الشبان العرب للدراسة فان فرنسا تتجسم اساسا فى المرأة. ذلك ان الراوى تعرف على ثلاث نساء هن ليليان ومارغيت وجانين مونترو. واذا تتبعنا فصول الرواية فاننا ندرك ان الراوى وهو البطل الرئيسى وكذلك بقية الشخوص لم تحركهم فى فرنسا كلها الا المرأة فكأنهم ما هاجروا الا من اجلها (12).
اما فى رواية ((أصابعنا التى تحترق)) للمؤلف نفسه (13) والتى تعتبر الجزء الاخير فى ثلاثية سهيل ادريس يتجسم الغرب فى ((الفكر)) الذى يبثه فى المجتمع العربى، والثقافة الاجنبية يراها سامى - بطل الرواية - ثقافتين هما: الثقافة الغربية والثقافة الارجوانية ولكل ثقافة فى المجتمع اللبنانى انصارها ومدافعون عنها.
وىي رواية موسم الهجرة الى الشمال (14) للكاتب السودانى ((الطيب صالح)) يشد الغرب مصطفى سعيد بعلمه ونسائه. فمنذ كان البطل طفلا ادرك ان الحضارة الغربية تساوى التمكن من الفكر الغربى وعقله، ولما انتقل الى انجلترا واستوعب فكر الحضارة الغربية لم يعد فى الحياة الجديدة الا المرأة
ايضا. وهكذا اصبحت المرأة الانجليزية هى التى تحقق ذات الغرب وعبرها سيتخذ البطل موقفه الحضارى.
وفي رواية الفلاح (15) لعبد الرحمن الرحمان الشرقاوى رغم كثافة الاحداث التى تمر بها القرية تظل أوربا حاضرة فى ذهن الراوي المثقف. فتراه يتوسل الى الشيخ طلبه الا يذكره بفرنسا وبباريس وهو يشاهد ((كرسى الميه)) من طراز لويس الخامس عشر (16) فقد عاش فى مدينة باريس وهى مدينة المتناقضات الا ان ما لفت انتباهه هو الآثار والمتاحف ولا شئ غير ذلك.
اما فى رواية ((الاشجار)) أو ((اغتيال مرزوق)) (17) فالغرب هو العلم منجز الحياة الجديدة وهو الرقص والموسيقى والانشراح وكلها مظاهر حياة تجسمها كاترين التى تعرف عليها منصور عبد السلام عندما كان طالبا فى بودابست واعضاء بعثة الآثار الذين عاشرهم عندما هاجر الى بلد عربى للعمل.
وفي النهاية يبدو الغرب فى رواية ((حبيبتى ميليشيا)) للروائى الفلسطينى توفيق فياض (18) من خلال الصحفية الانجليزية التى جاءت لتتعرف على القضية الفلسطينية.
من خلال هذه النماذج الروائية ندرك ان حضور الغرب فى الرواية المعاصرة هو حضور مادى اساسا. ويتمثل خاصة فى المؤسسات العلمية والفنية او فى المرأة. بيد اننا يجدر ان نلاحظ ان حضور المرأة ليس فى ذاته ذلك ان الروائى العربى لا يرصد قضايا المرأة الغربية ومشاكلها الموضوعية بل يتخذ منها رمز يدل على حضارتها فهى اذن أداة من أدوات الروائى العربى، يستعملها ليعبر عن موقفه الفكرى من الغرب. كما نلاحظ ايضا ان حضور الغرب لم يتغير فى نوعيته منذ نهاية الثلاثينات الى منتصف السبعينات وعملية الاكتشاف واحدة بالنسبة للبطل الروائى - فهو يكتشف الغرب اما داخل المجتمع العربى عن طريق اشخاصه ومؤسساته العلمية او داخل المجتمع الغربى بنفس الطريقة تقريبا.
2 - صورة الغرب فى الرواية العربية المعاصرة:
ورغم التشابه الذى نجده فى الرواية العربية المعاصرة فى تشخيصها للغرب فاننا نلاحظ ان صورة الغرب فيها ليست واحدة، بل هى متنوعة.
ففي رواية ((عصفور من الشرق)) ينظر توفيق الحكيم الى الغرب من الداخل ثم من الخارج والصورة التى يخرج بها قائمة اساسا على التناقض. فالغرب يقيم حياته على التناقض الذى يبدو فى العلاقات التالية التى يمكن استخراجها من الرواية ذاتها :
أوربا المادة ± أوربا عظمة الفن أوربا خفيفة انسانية ± أوربا جميلة ذكية. أوربا الرأسمالية ± أوربا الاشتراكية. أوربا الاغنياء ± أوربا الفقراء.
كما يقيم الغرب ايضا مع الشرق علاقة اساسها التناقض وسمات التناقض فى الرواية تبدو فى المعادلات الآتية :
أ - العلاقة بين محسن وأندرى :
محسن ± اندرى. خيالي ± واقعى. اخلاقى ± لا اخلاقى. مثقف مثالى ± مثقف مهتم بمشاكل العمال. لا منطقى ± منطقى.
ب - العلاقة بين الغرب والشرق :
الشرق ± الغرب. الحلم ± الواقع.
السماء ± الارض. المسيح ± المشعوذ. السيد ± العبد. الجهل ± العلم.
ان الغرب بالنسبة لتوفيق الحكيم هو الغرب الذى يعيش ازمته الداخلية، فلا النظام الراسمالى ولا النظام الاشتراكى قادران على حل هذه الازمة وتجاوزها. فالرأسمالية حولت العمال الى عبودية العصر الحديث (19) والاشتراكية التى ((امست بدعة من البدع يتبعها الناس مقلدين (20) القى صاحبها)) قنبلة المادية والبغضاء واللهفة والعجلة بين الناس يوم افهم الناس ان ليس هناك غير ((الارض)) يوم اخرج ((السماء)) من الحساب، لان علم الاقتصاد الحديث لا يعرف السماء)) (21) وهكذا ضاع الغرب ((يوم أفاق هذا الحلم ونزل الى عالم واقعه، يدب من هضابه المتحجرة ووديانه الجافة كما تدب الحشرات)) (22).
اما صورة الغرب فى رواية ((أديب)) لطه حسين فهى تختلف عن صورته فى رواية ((عصفور من الشرق)) فرغم الازمة الحضارية التى مر بها وتبلورت فى اندلاع الحرب الكونية الثانية التى ستؤثر فى قيمه تأثيرا ذا بال فانه يظل لدى طه حسين منتج حضارة خصبة حافلة ((بالنفع والامل لا لاهل باريس ولا لاهل فرنسا بل للناس جميعا ومنهم هؤلاء الاعداء الذين يقدمون على باريس ومعهم الموت يريدون ان يصبوه عليها صبا)) (23).
ويلتقى مع طه حسين فى هذه الصورة التى ترسم للغرب مجموعة من الروائيين هم سهيل ادريس وعبد الرحمان الشرقاوى وعبد الرحمن منيف.
(19) يقول والد اندرى ((نحن عبيد القرن العشرين ومتى كان للعبيد حق الاعتراض او حق الاقتراح)) عصفور من الشرق ص 36. (20) نفس المصدر ص 38. (21) نفس المصدر ص 82. (22) نفس المصدر ص 98. (23) انظر أديب ص 155.
ففي رواية ((الحى اللاتينى)) وان كانت صورة الغرب فيها باهتة لا يرى الراوي لا الثقافة الثورية التى كان يروجها وقتئذ الوجوديون فى فرنسا (24) اذا اعتبرنا قيمة المراة فى الرواية وفسرنا دلالتها تتراءى لنا اوربا فى صور ثلاث وهى:
1) اوربا الاستعمارية وتبدو لنا من خلال شخصية ليليان التى انشدت الراوى قصيدة لجاك بريفار على انها من شعرها ثم سرقت نقوده ومضت.
2) اوربا المستلبة وتبدو من خلال شخصية مارغريت التى لم تعثر على ذاتها من خلال علاقاتها الجنسية (25).
3) أوربا المأزومة التى تعيش تناقضاتها الداخلية وتبدو لنا ايضا من خلال شخصية جانين التى خدعها خطيبها واضطهدها اهلها فعاشت مرارة الحياة وقسوتها.
وفي رواية ((أصابعنا التى تحترق)) للكاتب نفسه يقدم الصورة ذاتها تقريبا فالغرب يعيش صراعا حادا. بين ثقافتين متناقضتين هما الثقافة الغربية والثقافة الارجوانية اى الشيوعية. وفى رواية ((الفلاح)) يرسم عبد الرحمان الشرقاوى صورة التناقض ذاتها، فمدينة باريس هى مدينة المتناقضات ((مدينة الافاقين والصعاليك والغجريات والمهربين والشحاذين وهى مدينه الثوار الاوائل والمناداة بالحرية والتحرير)) (26).
وفي رواية ((الاشجار او اغتيال مرزوق)) عاش منصور عبد السلام فى الغرب عندما كان طالبا واتصل به اتصالا عميقا من خلال احدى بناته ومن خلال معايشه له ادرك وضعية وطنه فكان الغرب موطن العلم والتقدم فى حين كان الشرق موطن الجهل والتخلف (27) وما وصل اليه الغرب من رقى حضارى ومله اهله ليس فى الشرق سوى امنيات عزيزة المنال (28).
ان هذه الصورة التمجيدية التى تعترف بما للغرب من تفوق حضارى عامه تناقضها صورة اخرى رسمها مجموعة من كتاب الرواية العربيه هم ليلى بعلبكى والطيب صالح وتوفيق فياض.
فالغرب فى رواية ((أنا احيا)) هو الغرب الاستعمارى فمن خلال لغته وطريقة حياته ومؤسساته الثقافية والادارية يغزو المجتمع العربى ويهدد شخصيته كذلك مصطفى سعيد بطل رواية ((موسم الهجرة الى الشمال)) ما أباحت له بيئته السودانية ان يرى فى أوربا الا استعمارا ازرق و ((دار حرب)) يجوز فيها الغزو والسبى والتدمير، الا سفاحا وشبقا مفضوحا يبادر بفحولة الذكور، أما الانسانية فى أوربا فما رآها الا فى لحظة المأساة حين تتجلى الحقيقة عارية مضرحة بالدماء (29) ولكن الراوى يرى أن هذه المعادلة غير المتكافئة التى تصر عليها أوربا على لسان أحد ابنائها فى قوله: ((كل هذا يدل على أنكم لا تستطيعون الحياة بدوننا كنتم تشكون من الاستعمار ولما خرجنا خلقتم أسطورة الاستعمار المستتر، يبدو ان وجودنا بشكل واضح او مستتر ضرورى لكم كالماء والهواء)) (30) أو فى قوله ايضا: ((تؤمن بخرافات من نوع جديد، خرافة التصنيع، خرافة التأميم، خرافة الوحدة العربية، خرافة الوحدة الافريقية)) (31) هى محاولة ستتغير بحكم الصيرورة التاريخية فالاستعمار سيتحول مع مرور الزمن الى خرافة عظمى ولذلك فهو يدعو الى حرق صورة القداسية والتعظم التى رسمها الوطن العربى بحكم عصور التفوق الحضارى فالاوربيون باستثناء فوارق ضئيلة مثل العرب تماما)) يتزوجون ويربون أولادهم حسب التقاليد والاصول ولهم اخلاق حسنة وهم عموما قوم طيبون .. فيهم مزارعون وفيهم كل شئ، منهم العامل والطبيب والمزارع والمعلم مثلنا تماما .. بينهم مستضعفون، بعضهم اعطته الحياة اكثر مما يستحق وبعضهم حرمته لحياة لكن الفروق تضيق وأغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء)) (32).
أما دهرية المثقفة الفلسطينية فى رواية ((حسين ميليشا)) من خلال الصحفية الانقليزية حين ترى الغرب مضللا لم يصل بعد الى معرفة الحقيقة نتيجة تأثير وسائل الدعاية الصهيونية المؤثرة.
هذه اذن صورة الغرب كما تتراىء لنا من خلال بعض النماذج الروائية التى حللناها وهى صورة تمجيدية حينا ونقدية حينا آخر وهى لا تخضع الى عامل الزمن، فصورة الغرب فى الرواية العربية فى النصف الاول من هذا القرن ليست صورة واحدة وكذلك الشأن بالنسبة للنصف الثانى منه ، فالصورة اذن حسب اعتقادنا مرتبطة اساسا بالمكونات الفكرية والعقائدية التى ينتمى اليها الروائى ذاته. وستبدو هذه الفكرة أوضح عند الحديث عن موقف الرواية من الغرب.
3 - موقف الرواية العربية من الغرب:
ان الابطال فى الرواية يعبرون بطريقة او بأخرى عن مواقف الروائيين والرواية العربية تقدم لنا ثلاثة مواقف رئيسية تجاه الغرب:
1) موقف رافض :
مما لا شك فيه ان توفيق الحكيم فى روايته ((عصفور من الشرق)) وعلى لسان بطله محسن، يدين الحضارة الغربية جملة وتفصيلا، فهو وان حاول تبرير الرأسمالية اعتقادا منه انها الواقع المحتم (33) يدين الراسماليين ادانته للاشتراكية وذلك على لسان ذلك العامل المتصوف الروسى الهارب من الاشتراكية)) (34) بيد ان الحكيم يتجاوز فى نقده النظام السياسى والاقتصادى ليهجو انجازات الحضارة الاروبية ويدين انبل ما فيها من انجازات ديمقراطية عظيمة، بما فى ذلك ديمقراطية التعليم فأصبحت ((عادة القراءة)) لدى الغربين فى اعتقاد المؤلف عادة رذيلة كعادة تدخين السجاير (35) وهكذا يصبح الشرق ذاك الفردوس المفقود الذى يجدر البحث عنه والانتماء اليه، فيظل ايفان العامل الروسى يحن وهو فى اللحظات الاخيرة من حياته الى الشرق معتقدا ان الدهماء هى الدهماء ولا اصلح لقلبها وعقلها من وسائل الشرق الطبيعية فى التهذيب (36).
ان موقف توفيق الحكيم من الغرب واضح فى روايته. فالحقيقة التى اكتشفها محسن بعد تجربته الغربية هى ان ((النور يشرق من بلاذ الشمر ليغرب فى بلاد الغرب)) (37) فالتواصل بين الحضارتين حسب الحكيم مفقود ذلك ان الشرق شرق والغرب ((غرب)) بل ان التناقض الذى يتحكم فى هذه العلاقة يجعل اللقاء مستحيلا.
ان نظرة توفيق الحكيم للغرب تخلو من كل تفكير جدلى، فهو لا ينظر اليه فى كليته وشموله وجديته بل ان نظرته قائمة على التجزئة المقصودة. فهو يعتبر الغرب نقيضا لكنه لا يحلل هذا النقيض فى شموليته باعتبار ان المجتمع الغربى هو حلقات متواصلة انتجتها ظروف موضوعية، فهو لا يرى مثلا ان الصراع الطبقى الذى نجم عن الصناعة الكبرى نتيجة حتمية للنظام الراسمالى نفسه بل يعتبره من صنع ماركس.
ولقد رأى بعضهم فى هذه الاراء ((ليست مغرقة فى الرجعية والسلفية فحسب بل ويمكن اعتبارها خيانة وتضليلا قوميا (38) وفى هذا الرأى شئ كثير من الصواب. ذلك ان توفيق الحكيم انطلاقا من نزعته السلفية لم يدرك حقيقة الغرب ادراكا موضوعيا وبالتالي لم يستطع ان يفهم كذلك العلاقة الموضوعية التى يجب ان تكون بين الشرق والغرب.
اما ليلى بعلبكى فى روايتها ((انا احيا)) فان موقفها من الغرب يتسم بدوره بالرفض لكنه رفض يقرب من التمرد الوجدانى، فلينا فى عقر دارها تحس شئ من التمزق بين الشرق والغرب وفى الجامعة تعلن عن رفضها للغة الغرب التى يستعملها الشباب العربى فى حياتهم اليوم اليومية وتندد بالشاب الذى واجهها بالتحية (39) وبعد تجربتها فى المؤسسة الثقافية تقدم استقالتها وقد اقتنعت انها مؤسسة ذات غايات خطيرة.
الا ان موقف ليلى بعلبكى خلفياته مغايرة، ذلك ان المؤلفة ترفض الغرب الاستعمارى الذى يسعى الى طمس الشخصية العربية واستلابها، ففى هذا الرفض اذن رفض لعلاقة لا متكافئة قائمة على الهيمنة الحضارية.

