الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

جرح .. (( ملاك ))

Share

للجرح فى الشعر الشعبى صورة خاصة تتشكل فى اطار العاطفة التى تملك على الشاعر حواسه فى غمرة احساسه بالحب الذى يستولى على قلبه فيتبادر له أنه مجروح ، وأن هذا الجرح الذى يشكو منه يتغلغل فى داخله ولا يظهر للعين لانه جرح معنوي لا حسي .

ومن خلال تفحصنا للنماذج نرى أن الشاعر الشعبى لا يحاور ولا يداور ولا يسمى الأشياء بغير مسمياتها بل ينطلق من ماهيات الاشياء وممارسته لها . ويتعامل معها كما يتعامل مع كل شئ فى حياته اليومية .

وقد رأينا من الشعراء الشعبيين من اهتم بموضوع الجرح وأفرد له القصائد الكاملة . وهى طريقة عندهم فى احلال الجزئى مكانة الكلى وليس هذا فحسب بل يبرزونها كموضوع يهتمون بجزئياته وأدق ما يكتنفه مر علاقات ومواصفات ولعل اشهر (( الجراح )) فى تاريخ الشعر الشعبى التونسى هو جرح الشاعر أحمد ملاك .

أحمد ملاك .. حياته :

هو شاعر من شعراء الساحل عاش فى صفاقس فى أواخر القرن الماضى على عهد أحمد باي الاول ومن بعده ومن المظنون أنه بقي حتى ثورة على بن غذاهم سنة 1864 اذ أن الرواة قد تناقلوا عنه شعرا قد قاله فى تلك الاحداث التى وقعت بتونس وهزت جميع أرجائها . وكان أحمد ملاك يتنقل على طريقة الشعراء الجوالين من الجنوب الى الشمال ناشرا شعره فى الاوساط الشعب متغنيا به فى أفراحهم . حتى أصبح لا يقع فرح فى الجهة الا ودعى اليه أو استشير فيمن يجيزه من المغنيين و (( الادبا )) والقوالين . وكان يحضر مجلس أحمد باي مع الصفوة من شعراء عصره كأحمد بن موسى والعلاقى وسعد

الارزق وكان مبرزا مقدما على هؤلاء جميعا لما يمتاز به من جودة صياغة وطرة للمواضيع التى يجد لها دائما منحنى يخرج به عن التقليدى والمتعارف عند سائر الشعراء . من المعروفين فى ذلك الوقت وفى ذلك يقول :

ملاك لم المعاني طرزهم           أحمد حفزهم

           أهل الأدب والسياسه قهرهم

جرح ملاك :

أما القصيدة المعروفة بجرح (( ملاك )) فهى من أجمل قصائد الشعر الشعبى التونسى لما توفر لها من صياغة فنية ، وعاطفة بعيدة عن التكلف وتصرف فى الوزن الذى استعمله لها زيادة على الجو الحضارى الذى هو أشبه ما يكون بذوق المدن وترف العيش فيها وهو الذى تتنسمه عندما تقرأ هذه القصيد وأقفالها البالغة الروعة .

ففي بداية الطالع نفاجأ بكلمة (( مجروح )) وهي كلمة تغور الى أعمق أعماق النفس وذلك حين يقول :

أنا كيف نساوي           مجروح يا ڤلة طبيب ايداوي

ناري كوايا                 من فم سماوي عجل بدواي

ثم ينتقل بعد ذلك الى الاغصان ونجد أن المدار فى جميعها هو البحث عن دواء لقلبه هذا الذى يتيقن بأنه لا يجده عند غير حبيبته .

أ - ففى الغصن الاول يقدم لنا صورة لحاله عندما ذهب يبحث عن العرافين ليسألهم عن مشكلته فيعرف أن دواءه كامن فى فم أسد وهو كناية على أن من يحبها دونها عيون راصدة وحراسة شديدة فيتصور نفسه من خلال الرؤية الشعبية للاشياء . كأنه فقير أصاب كنزا من المال فلما مد يده ليأخذ منه شيئا جاءه الموكل بذلك الكنز فمنعه منه فأصبح من حزنه وأسفه ناحل الجسم ضائع العقل كسائح يضرب فى أطراف الارض لا يعرف أين مستقره ومقامه. وهو فى كل ذلك لا ييأس بل يردد : (( تأتى الرخوة من بعد الشدة )) وفى هذه

الصور الثلاث الاسد الذى يحول بينه وبين من يحبها وصورة الفقير المحروم والسائح الهائم يمثل لنا ما يلقاه من عذاب :

انا داي فى الجاش نفد         عدت منه حاير ونكد

مشيت نرمى عند أهل الجد   خط جدول

نلقى داي فى فم أسد          كيف نعمل

بين نابه وظفره والخد           لا ينجم يوصله حد

قلت زعمه تمرقش اليد         خفت نعطل

واذا نبطل يوقع لى الفد         كنت نعقل

مثل فقرى مقطوع اليد صاب  حزنه من ذهب وقد

كيف يرزييها وجبد             جا الموكل

أقصاه عنها والشى ابعد        راح نقل

نحل جسمه والحيل ابرد        حار فى أمره والعقل فسد

ورد روحه لابى يتردد           صار هابل

مثل سايح هوم ورقد           بين الأجبل

تأىي الرخوه من بعد الشد      كل ضد يماروه ابضد

على مرادى كاملة الفد         نا انمثل

منين سكنت فى وسط بلد     وباب يقفل

زين الصحراوي               فى وسط مدينه

فى كشك علاوي             ما اصعب مرفاي

والتبر الضاوي               حازوه اعداي

ب - أما العرف الثانى فيصور نفسه فيه (( بالملسوع )) وهو اللديغ فى حال قريبة من الموت ووديان الدموع تنساب من عينيه فكانه (( شقف )) وهو - المركب - غريق فى البحر ولم يعد هناك رجاء لانقاذه بعد أن تكسرت سواريه وتمزقت أشرعته . فأصبح ربانه فى حسرة وقد ضاع رزقه فهو مثله ممزق القلب بسكاكين مصنوعة من أجود الحديد (( الذكير )) قد صوبها اليه ساعى وهو المفرق بين الاحباب . ولكنه رغم ذلك لا يرجع فهو مصمم على الوصول الى من يحبها ، ولو قيدوه بالحديد وباعوه بيع العبيد ونصبوا له

الحراس فى كل مكان لانه ممحون ومحنته بتلك التى رفعها حبه الى أعلى مكان فصارت مثل الباشا الذى يلبس أغلى الحلل ويجلس فى وسط سراياه جلسة الابهة والكبرياء :

آه داي ماليه طلوع                صرت منه حاج مفجوع

انا جرى لى مثل الملسوع           يا للفاعى

بدا ملوح مرمى مصروع            موش واعى

من عيوني وديان دموع            على خدودى تسكب وتفوع

صرت حاير مانى فى طوع         يا نزاعى

شقف غارڤ من غير قلوع      هو رداعى

لا جوانح لا صاب طلوع       ضاع رزقه ومشى مبزوع

انا مثله قلبى مقطوع            بالرباعى

من ذكير مهند مصنوع          فى ايد ساعى

على مرادى ما عاد رجوع       لو عليها نمشى مبيوع

والحديد مفلس مطبوع          فى كراعى

لا نسيت زين المرصوع          من صباعى

لو يديروا عشه وفزوع          والعمالة وما تلم نجوع

انا مسمى ظاهر مقروع         فى ذراعى

بالمحاين قلبي مولوع             كبر داعى

ممحون وهاوي                 م اللى رافعها غرامي متڤاوي

ولفي مشكاي                 باشا بكساوى ، في وسط سرايا

ج - فى العرف الثالث نراه يتحدث عن الداء المكين أو الحب الذى لم يستطع أن يصرح به منذ سنين وهو لذلك يبحث عن الطبيب المجرب الفطن الذى يستطيع أن يبثه شكواه رغم أنه يعلم أن دواءه مستحيل . لانه ليس عند السلاطين أصحاب الصولة . ولا فى قصر حصين يمكن أن يقتحمه ولا فى بحور عميقة يستطيع الغوص وراءه ولا عند الفراعنة أهل القوة . ولا هو بين أطباق السحب فيتمكن من الوصول اليه . وليس هو من الجن حتى يتوصل الى طردهم بالرقى والتمائم ولكنه فى مكان يصعب الوصول اليه انه عند

حبيبته التى تسكن بين (( النطحة )) و (( البوطين )) وهما اسمان لنجمين بعيدين لا تلحقهما يد ولا يصل اليهما انسان مهما كان صاحب صولة :

آه داي فى الجاش مكين             صرت منه حاج ومحين

توه ليه مده وسنين                  ما نقوله

لا طبيب مجرب وفطين             تشتكونه

لو دواي عند سلاطين             نوجدوله فى الناس معين

ولو دواي فى قصر حصين         نطلعوله

ولو دواي قطع البحرين           نغطسوله

ولو دواي عند فراسين            نوجدوله فى الناس قرين

ولو دواي عند فراعين            وأهل صوله

ولو دواي عند سحابين           نوصلوله

ولو دواي عند الجنين            بالعزايم يحضر فى الحين

لكن دواي متصعب فين        جا نزوله

بين نطحه ومنزل بوطين         من يطوله

المعانى تحب التبيين             على مراد كاملة الزين

جات عند ناس مضانين       وأهل دوله

طول الليل يباتوا حيين        ينبصوله

شركهم جنفاوي              نصبوا لى الاشواك ع الريم الداوي

ولفي مشكاي                بو محزم خاوي زين القطاي

د - أما فى الغصن الرابع فنواه يتوجع : (( آه داي فى الجاش غراڤ )) فقد صار متغلغلا فى قلبه بالرغم من عدم وجود النار الحقيقية : (( بلا سوامر )) ولذلك نراه يبحث عن أهل الجد من الاطباء الماهرين ليجد عندهم دواء لدائه لقد صار الحلو فى فمه مرا عندما منعوا عنه (( قوت المشتاق )) حبيبته وحبسوها فى مدينة حصينة مغلقة الابواب تكاتف على حراستها جماعة من ألد أعدائه :

آه داي فى الجاش غراڤ             بلا سوامر يكوى حراڤ

مشيت ننشد ناس الحذاڤ          بالرطابه

حين تاڤوا عن الاسفاف                      من ضبابه

الحلو ولى عني درياڤ                       منين زينوا قوت المشتاق

فى مدينه ديمه تغلاڤ                       وقفل بابه

قاطعين اليد مع الساڤ                    بالصعابه

عني تسعفوا ميعاد ارفاڤ                  بالبشاطر وسيوف أرڤاڤ

داروا عسه تقطع الاعناڤ                 على غلابه

اذا الطفله كاحل الارماڤ                 ليه تابه

سكر وحلاوى                           وانواع ظهرت للنفس شهاوى

بستان نهايه                              بلقاحه راوي وكيوس ملايا

ه - فى الغصن الخامس نراه دائما يستمد أدواته من البحر ومن التجار فى تعرضهم لمصاعب وتحملهم للمشاق : (( ناجرى مثل المصاب فى سفينه )) ذلك الرجل الذى تقاذفت به الرياح فى بحر هائج فلم يبق له منجى ولا مخرج فصار كالسكران يهذى بتلك الحبيبة التى حال الحساد بينه وبين لقائها ونصبوا له الشباك يريدون قتله . والتخلص منه :

آه داي خلف الاعطاب                    بلا سوامر يكون لهاب

انا جرى لى مثل المصاب                    فى سفينه

لا بقى لى منجى وصواب                    كبير بينه

انا جرى لى مثل المغتاب                    عدت دايخ من غير شراب

على مرادى كاحل الإهداب                سود عينه

منين صرنا لثنين احباب                     واستوينا

قداش لينا بنه وطياب                      أنا وريدى صفال الناب

حين ضجت منا الارڤاب                  وانقصينا

لا بقى لى سنده وخطاب                  شور زينه

صارت عنا غنه وجواب                   وداروا عسه تقطع الارڤاب

حلفوا لوازم وايمان صعاب                 ڤاتلينه

لو كان يحصل ما بقى يسياب             من ايدينا

يباتوا يهوموا فى مثل كلاب                     طفل صغير وشايب وشباب

الشئ من الله مقدر الاسباب                   سابڤينه

عارضين الصيد الغلاب                         عارفينه

شراي بلاوي                                   الصيد عمره ما يرجع حاوي

هايا سعفاي                                    تمش مغناوي ، يفهم مغناي

و - أما فى العرف السادس والاخير فهو يتحدث عن الحرق الملتاعة التى ذاقها فى سبيل من يحبها هذه التى حجبها عنه (( الازفات )) والعذال فلم يجد وسيلة للقائها الا بأن يستعين بالعرافين الذين أعلموه بأنها سوف تذهب الى العرس فما كان منه الا أن ذهب وراءها يسأل الحفالات عنها :

على مرادى ذقت الليعات                    فوق صهد النيران نبات

توه لى مده واوقات                            يا حزونى

درڤوها صربة الازفات                         على عيونى

قصدت عارف صاحب حكمات              كان نحلم ريت منامات

بايت نحلم يا حفالات                          سر سكونى

كان كاهن جاب ادڤازات                      شرهونى

بدا ينزل قد الرحلات                          قال عند سود الرمڤات

كانها للعرس مشات                           فى ظنونى

كل محفل فيه الفرجات                        موش دونى

هانى ننشد فى الحفالات                       على مرادى سود الهذبات

كان هي للمحفل جات                      خبرونى

وكيف نهبل بعض الساعات                  رجعونى

أصغوا الطالب جاب الابيات               ظاهر صاحب ديلات

ان كان علتش بعض الكلمات              جاوبونى

وان كان نشكر فى الخندودات             ساعدونى

شكرى متڤاوي                          على التحظ الشكر ابكل لغاوي

ريدى مشكاي                          محورها كاوى فى وسط اعضاي

ذلك هو ( جرح ملاك )الذى يبدو لنا عند مطالعته أن الشاعر أحمد (( ملاك )) الذى يمثل قمة الشعر الشعبى التونسى يحمل بين جنباته روح شاعر مجنح متمرد على الاعتبارات التقليدية وفى شعره تصورات وتخيلات مبدعة ساحرة.

اشترك في نشرتنا البريدية