الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

جريمة قتل

Share

لأنه يعلم أن الاناقة سر من أسرار تأثيره فى حلقات أصدقائه ، لانه يعلم أن بدلاته الثمانية التى انتقى قماشها الانقليزى بنفسه تشكل مصدر اهتمام " أنيسه " و " لطيفة " و " ألفه" به . لانه يعلم أن دخول النزل الفخمة رهين الهندام اللائق . انتقى بدلته التاسعة ، ، وأشترى لها قميصا أزرق مزركش الصدر ، رفيع النوع ، مستوردا من فرنسا ، وأشترى أيضا الكرافات والبوشيت والحذاء الكستنائى المتشابك الجلد . هو لا يخطىء فى تقدير شؤون المجتمع وفى خبرة أمور الحياة العصرية ، يؤمن أن المظهر شىء حتمى لغزو المستقبل .

كان فى مطلع هذا المساء البارد بحث الخطى نحو النادى ، يتصور فى ذهنه ما سيقوله اجابة عن أسئلة الحاضرين والحاضرات . أعد فى خياله أجوبة راشقة . للمواضيع التى سوف يطرحها أعضاء النادى والمدعوون . قال وهو يخترق شارع السرول لنفسه :

- اذا ما ألقى على سؤال حول الدافع لكتابة دراساتى حول الاشتراكية الطوباوية فسأجيب بأنني أجد فيها عناصر توازن الحضارة بين المادة والروح . . . وهى على كل ينبوع التفكير المعاصر . واذا ما سئلت عن التزامى لقضايا الفقراء فسأقول بلهجة فيها نبوة ونخوة بأنني من عائلة كادحة . . . واذا . . واذا . . وسأقرأ على الحاضرين فقرات من مقالي السياسى حول كمبوديا وحق شعب شرقى آسيا فى الحياة وفقرات من دراستى حول سوسيولوجية التسول

كان رشاد يؤمن ايمانا عميقا بمبادئه ، وربما داعبه بعض أصدقائه فلاموه عن تناقض واضح بين تفكيره وبين سلوكه . وكان رشاد يعتقد أيضا أن القضية تتعلق بهياكل المجتمع وبتجاوزه هو كفرد .

وصل الى النادى ، ووزع ابتساماته العريضة على أصدقائه من مفكرين ومثقفين وطلبة ، وأخذ مكانه فى الصدارة أمام الاضواء وأمام الميكرو . ثبتت فيه الانظار ، حيى من الجالسين تجاهه بعض من يعرف وبعض المحبين لدراساته وبعض الطلبة الذين يعرفون ولا شك أفكاره ويقدرونها .

رحب به مقدم الندوة فقال ان النادى يستقبل هذا اليوم مفكرا اتجه ببحوثه العميقة لتحليل التيارات الاشتراكية . . وقال ان رشاد يتسم بسلامة خطه العقائدى ونظافة أعماله . كما قال أنه آبن الشعب . وصفق الحاضرون طويلا ورشاد يفتعل الاحتشام والتواضع . طالما حلم بهذه المناسبات التى تكون عرفانا لنضاله الفكرى ، وطالما عمل على تنميه شعبيته فى كل الاوساط لينال المكانة المرموقة ويستطيع أن يؤدى واجبا نحو المظلومين والبؤساء .

شارك في الندوة رجال معروفون ، أثنوا على رشاد وعلى كتابه الجديد " على طريق الحرية والعدل " قال أحدهم (ان هذا الرجل دعامة من دعامات الفلسفة الحديثة ومصدر أفتخار لابناء وطنه). ظلت الاضواء وفلاشات المصورين تبرز ملامح رشاد وأبتسامته المعبرة وحركات يديه العصبيتين ونظراته الزائغة .

كانت الندوة شبيهة بحلبة الصراع ، خرج منها رشاد بنشوة المنتصرين ، خرج بين التصفيق والهتاف وكلمات الاستحسان . . وكانت الكلمة الاخيرة التى أوصد بها باب الندوة هي " المجد للشعب الكادح . . . " كان لها تأثيرها فى أصدقائه . وانطفأت أضواء النادى وسلمه الجمهور الغفير للطريق الخالية . . فتسمع الى وقع أقدامه على برد الرصيف وكانت المدينة خلاء .

لاشئ في شوارع المدينة سوى أصوات السكارى وهم يغنون أشلاء أغنيات زائفة المعاني ، ومواء القطط الضالة ولا شئ سوى أشباح بعض النساء المتسكعات ليلا وبعض الاطفال المشردين . . رآهم رشاد كأن لم يرهم ، فزاد فى سرعة سيره ورفع ياقة معطفه لانه شعر بالبرد . وأخذ فى هدوء الشارع الاخرس يفكر في رحلته القادمة الى مدينة مونيخ حيث سيشارك فى مؤتمر حول النهضة الفكرية فى بلدان العالم الثالث تنظمه منظمة دولية . بدأ وهو فى الشارع يرسم الخطوط الكبرى لمساهمته وتدخلاته . قال بينه وبين نفسه " لا بد من الالحاح على ضرورة حرية التعبير ونزول المثقف الى مستوى الابلاغ الشعبى لكى يتم الحوار والتواجد . ." .

اقترب من رشاد رجل شيخ ومد يده قائلا فى تضرع :

- يا كريم متاع ربي - همهم رشاد وهو يسرع : - الله ينوب يا بابا . . . الله ينوب .

وعاد لمونيخ بخياله . . فكر فى كل شىء . . . حتى فى بدلة السفر وطريقة دخوله على المؤتمرين . هذه المناسبات تمكنه ولا شك من الاصداع برأيه ، وتحقيق حمله الكبير : خدمة قضايا أمته والامم المناضلة الاخرى .

شاهد امرأة هيفاء تقف على الرصيف ، تحدق فيه باصرار . . . سمعها تكلمه . تطلب منه عود ثقاب لتشعل لفافة تبغ . هو يعرف جيدا هذا الصنف الذي يحلب المصائب وفرقة حماية الاخلاق والفضائح . يتجنبهن دائما . واصل رشاد سيره . فكر فى النساء اللواتى يميل لهن ميلا شديدا . أنسة . لطيفة . ألفة . هن من رواد النادى ، ومثقفات ، وتقدميات ، ويحلمن مثله بالمدن الفاضلة . يعشن ليلهن مثله فى المقهى الفاخر . . . المقهى الاكواريوم كما كان يسميه . هن موظفات أو طالبات أو الاثنان معا .

أحس بيد خشنة تضغط على كتفه ، فألتفت ليجد نفس الرجل الشيخ المتسول .

- حويجة لله ...

كان فى صوته هذه المرة شئ من المطالبة بالحق ومن العنف . . مما أثار رشاد الذى نزع عن كتفه اليد اليابسة المحروثة :

- قلت لك الله ينوب يا بابا .

وتأكد رشاد أن المتسول تبعه عن قصد ، وسار خلفه منذ بداية الشارع ليزعجه . قال لنفسه : (لست ملكا لاكون آخر من يأكل وآخر من ينام . . أنا أعمل وأناضل من أجل هؤلاء ويجب أن أعيش فى كفاف . هل ظن هذا الرجل الجائع أني من الذين يسرقون ماله ويحرمونه كسرة خبز . . أنا أقرب منه والصق به . . بل أنا اعيش فى سبيله وفى سبيل اسعاده .)

تحدث رشاد لنفسه بهذا الحديث وأحس بنعمة الرضى على سلامة تفكيره ورصانة منطقه . فهو طالما استعمل هذه الجدلية ليعيش خارج الصراع وعلى هامش الحلية الدامية . وطالما أحس بالفرحة حينما يتقن دور النبى المنتظر على حساب هذا وأمثاله من المعدمين .

الشارع بارد . . . لعل مونيخ أيضا شديدة البرد . . سوف أرتدى

معطفى الرمادى وأتدثر . كانت أمي تدثرنى فى شتاء قريتنا الصعب . . فى الحقيقة لم أكن أشعر بوخز البرد رغم حفاء القدمين . وقريتنا النائية . . منذ سنوات لم أزرها . أكلتني المدينة وأدمت قدمى شوارع الاسفلت وارصفه الاسمنت . وأمى التى ماتت وهى بدوية . . ماتت بكل بداوتها ولم ترني في ضجيج هذا العالم . . . لم ترنى وأنا أوقع كتب لاصدقائى بزهو وافتخار لم تشهدنى بين بنات الذوات والعائلات فى المقهى الاكواريوم ، نتحادث حول الفيتنام واتحاد الكتاب والشيلى والهيكلية .)

سمع مواء قطرة جائعة . . . وأسرع فى خطاه . . كان قد أخترق الشارع بأكمله . وصل باب بيته وأخرج المفتاح من جيبه وقبل أن يولجه فى موضعه ، أحس بنفس اليدين الفظتين الغليظتين ، توضعان على صدره الأنيق ، أراد أن يقول شيئا لهذا الرجل الشيخ . . . . لكن اليدين تسلقتا فى عنف الى العنق ... وأمتقع وجه رشاد الذى قبض بأصابعه الناعمة على يدى المتسول محاولا التخلص من المأزق . تلوث القميص وربطة العنق وصدرية البدلة بوسخ اليدين القويتين . وصلت الاصابع الحجرية الصلدة الى الحنجرة . . . وشرعت تضغط فى نقمة ، وسقط مفتاح البيت على التراب وأسرع الى مكان الجريمة عون من أعوان الشرطة . . . جاء بعد أن فات أوان الانقاذ . جاء ليكون أول شاهد على الجريمة . ووقف بين الضحية الملقاة على الارض والقاتل الشيخ الذى وقف بلا مبالاة ينفض يديه .

عبر المحاكم : متسكع يرتكب جريمة قتل ذهب ضحيتها الاستاذ رشاد .

كان ذلك فى ساعة متأخرة من مساء يوم . . . . حينما كان الاستاذ رشاد وهو من المثقفين المعروفين عائدا الى محل سكناه الواقع فى ...... واذا برجل صعلوك . . . الخ . . الخ . .الخ ...

ورقة وجدت فى جيب الهالك كتب عليها ما يلى :

لا يمكن أن يعيش أحدنا خارج الصراع الدموى ... ولو انغلق فى دوامة الزيف والزخرف . فنحن فى حلبة واحدة شئنا أم كرهنا .

اشترك في نشرتنا البريدية