توطئة
كنت اود ، من زمان ان اتصدى بالدراسة ، لشاعرية جعفر ماجد دراسة تحليلية مستفيضة ، لاسباب شخصية وغير شخصية ، غير ان الحرقة ادركتني وجعلتني اعيش الازمة ، ازمة الوفاء ، لذاتى ، وللادب التونسى بعامة . ولقد ازدادت ازمتى تعقيدا ، عندما ضاعت منى دراسة ، اعددتها ، منذ سنتين عن الشاعر ، والقيتها فى حفل التكريم ، الذى نظمته لجنة التنسيق الحزبي بالقيروان ، احتفاء بتحصيل الشاعر على شهادة التبريز فى اللغة والاداب العربية من الصربون .
وها اناذا ، أعود اليوم للكتابة ، فى مهرجان ادباء القيروان وهو حلم طالما عملنا على تحقيقه ، ونحن اليوم بصدد انجازه.
وفي اعتقادى ، ان هذا العرض ، الذي اقدمه ، ليس الا محاولة لوضع اطار ، يمكن من دراسة شعر جعفر ماجد ، دراسة تحليلية شاملة ، انها جملة من المعلومات والملاحظات التى استوحيتها من زمالتى القديمة لجعفر ، ومن تاملات بشعره . وابدأ العرض بتقديم المحيط الذى ظهر فيه الشاعر.
البيئة العامة
كانت المدينة العريقة ، تعيش جواً نفسانياً غائماً ، يختلف بين الاصرار على مجد المدينة التليد ، وبين ما يعانيه بنوها من ظلم وإهانة ، وتظهر تلك المعانى خاصة ، لدى جيل ناشئ اضاف الى عناصر مقوماته التقليدية ، الرغبة الملحة فى حياة عصرية مزدهرة .
وكانت المدينة الى جانب ذلك ، تحمل من مظاهر التخلف الذهنى ، الشئ الكثير ، فهناك فروق بين ابنائها ، بين الذين يعيشون داخل السور ، وبين الذين يعيشون خارجه فالجماعة الاولون ، يكونون فى مجملهم ، العائلات العريقة والحياة اللينة نسبياً . فمنهم رجال العلم ، ومنهم كبار التجار والصنايعية ، والجماعة الاخرون يمثلون طبقة أخرى ، هى طبقة الرجل البلدى
الشعبى المعتد برجولته ومغامرته ، وبلغته الخاصة ، وبسلوكه ، وتوجد هذه الطبقة خاصة ، " بالربوطة " ، ومنها ربط قصراوة ، الذي نشأ به الشاعر جعفر ماجد .
فمتى كان ذلك ؟ ولد جعفر ماجد فى 27 مارس 1940 بربط قصراوة بالقيروان والده مسجوناً فى قضية سياسية ، وخرج من السجن ، ولم يعمر طويلاً ، إذ وافاه لأجل فبقى الشاعر فى كفالة أمه ، تلك الأم مع كثيرات من نساء القيروان اللواتى ضربن مثلاً رائعاً ، فى الرعاية والحنان ، والعمل الصامت . لقد كانت تتمثل فيه ، بما هى عليه من بساطة ، وقلة ذات اليد ، فتى المستقبل الذي يعوضها عن فقيدها ، ويحمى العائلة ، ولكن كل تلك المعانى ، لم تقم حائلاً بين الفتى ، وبين اهمال الاهل ، والطفولة المعذبة . فكيف اذن تلقى جعفر ماجد تعليمه.
الكتاب :
لقد سلك الفتى ، كعادة فتيان المدينة ، سبيله الى الكتاب ليتعلم القرآن ، إستجابة للنزعة الدينية المتاصلة فى النفوس وفي انتظار ، ان يكبر لكون رجلاً كالرجال ويجئ الوقت ليصبح تلميذاً ، بمدرسة الاسوار ، وهي ثانى مدرسة بالقيروان مع مدرسة الفتح القرآنية تخرج منها شباب اليوم.
المدرسة الصادقية أو بداية أزمة التعليم :
اجتاز جعفر ماجد مناظرة الدخول للقسم السادس ، وهو ما نسميه اليوم : السنة الأولى من التعليم الثانوى ، فكانت نتيجته ، تسمح له بان يدرس بالمدرسة الصادقية ، حسبما جرى به العمل فى ذلك الوقت ، ولكن اليس عهجيباً أن يكون هذا الفتى " الافاقى " الفقير ، تلميذاً بالمعهد الصادقي وفيه أبناء العائلة المالكة ، وأبناء فلان وفلان أن ذلك يخالف في طبعته منطق الادارة الجائرة .
فجئ بجعفر الى حيث يجب ان يكون ، مع المغمورين ، ودفع به بالمدرسة التكميلية بالقيروان فى الشعبة العصرية وهي شعبة ذات لسان واحد فرنسي ، وفيها من العربيه ما يكفى لتعلم الحروف الهجائية وبعض التراكب ، لانها كانت خاصة بالاجانب وبمن كان فى مستواهم . وتدخل بعض اساتذته ، تدخلا نعتبره حاسما فى حياة جعفر وعملوا على نقله لشعبة التعليم الصادقي وفى سنه 1956 ، دخل مدرسة ترشيح المعلمين ، بالقسم الرابع ، وكان حريصاً وهو بمدرسة الترشيح ، على اجتياز امتحان الباكالوريا . فتحصل على الجزء الاول سنة 1959 . وعلى الثاني فى 1960 . وكانت تلك الفترة مرهقة له ذلك
انه كان بعد اعداد دروس المدرسة ، ينفرد بنفسه من التاسعة مساء الى الثالثة صباحاً ، لتحضير امتحان الباكالوريا .
وكان نجاحه فى دبلوم الترشيح والباكوريا ، سببا لازمة ثانية ذلك ان الادارة تطلبه كمعلم ، والباكالوريا تحفزه للجامعة . فدخل دار المعلمين العليا ، على وعد من القيروان الى باريس . وبعد ثلاث سنوات نجح ونال جائزة رئيس الجمهورية ، فحير النجاح فيه رغبة الالتحاق بالصربون . وكان يعتقد بذلك . وبدأ مساعيه وعرض قضيته على كل الناس ، ولكن خانه التوفيق، فوجه رسالة وقصيدا لمساعد عميد الجامعة ، كانت لها نتائج طيبة ، فقابل السيد كاتب الدولة للتربية القومية ، الذى طلب منه ، قبل الذهاب لفرنسا، ان يبرهن عن امتيازه ، وذلك باعداد دبلوم الدراسات العليا . فاعده سنة 63-1964 وهو يدرس بالعاصمة ، ولكن بعد الدبلوم ، عين أستاذاً بالقيروان ثم بسوسة واخيرا ، جاءته منحة قومية لاعداد التبريز بفرنسا ، ونجح فى سنته وكان التونسي الوحيد ، فى تلك السنة .
أن هذه السلسلة الطويلة فى المشقة والجهد ، اعطت للشاعر درساً قيماً ، فى الصبر ، وإقتحام المشاكل ، وجعلته بحق صورة لجيل الثورة :
لك يوم في الزمان مخلد
وحده فى الزمان لا يتعدد
كتب الله نوره يا بلادي
فى جباه يشع منها فتعبد
حفرته على الجباه وصايا
ألف شمس لهيبها يتوقد
فطلعنا على الحياة بوجه
أبت النار أن يخر ويسجد
تلك هى تجربة الثقة بالنفس ، وتجربة الكفاح المصطبغ بالحاجة وتجربة الرجولة والمصير الافضل واذا اردنا ان نتحدث عن جعفر ماجد كشاعر، فما هى عناصر تكوينه ؟
جعفر ماجد الشاعر :
- الاستعداد الذاتي والطموح . لا نكون بعيدين عن الجادة ، اذا قلنا ان جعفر ماجد قد هيئ ليكون ذلك الرجل ، فهو برغم الفاقة والطفولة المعذبة ، إقتحم ميادين المعرفة من أوسع باب .
- التكوين العلمي المدرسي : وهو أمر أساسي بالنسبة للمثقف الاصيل اذ لا يمكن فى راينا ، الاستغناء ابدا عن الانتظام بالدراسة وجدوى المناهج الجامعية فى تقديم الفكر ، وتوضيح المسائل.
- مجالس الادب بالقيروان :
فقد كانت هذه المجالس وما تزال ، عاملا هاما ، فى تقويم الملكات الادبية الفتية ، وتغذيتها ، وقد انتظم جعفر بهذه المجالس ، فى اول حياته الشعرية ، واستفاد منها استفادة لا تجحد ، وكان اتصاله خاصة بالشاذلى عطاء الله ومحمد الحليوى ، ومحمد مزهود .
- اتصاله بالاخ المنجى الفقيه كمعلم وشاعر وكاتب ، واهم ما يلاحظ في هذه الفترة ان المنجى كان له الفضل فى الفات نظر الشاعر الى ادباء المهجر والشابي ، وتحبيبهم اليه .
قصة حب نظيف وعنيف :
وهي تلك القصة التى يكاد يعانيها كل شاب ، فى سن معينه ، وينسج حولها الحكايات والاحلام ، ويتخذ من بساطتها وسذاجتها ، قضية وجدانية ، تربط اصالة بالمصير .
وتبدأ القصة ، بالمدرسة التكميلية بالقيروان ، وفيها يفتن الشاعر بزميلة فى الدراسة ، لا يتجرأ على مراسلتها ، الا بعد سنتين ، ويساعده القدر فى تلك المرة ، فلا يعاقب كغيره من التلامذة الذين كتبوا من قبل لقد كانت تحمل نحوه عطفاً خاصاً ، وتكبر فيه لطف الزمالة ، وتقرأ قصائده ورسائله الرومنطيقية ، التى كان يقضى الليالى فى تحريرها واستمرت الحالة على ذلك النحو حتى ذهبا للدراسة بالعاصمة ، فكان حي مونفلورى مسرحا لتنزهاتهما وللاحاديث العذاب ، وفي ذلك الحي ، قالت له ذات مرة كلمتها البليغة ر أعرف أنك ، ستصبح رجلاe sois , tu seros , un grbeyond homme عظيماً .
انا اعتقد ان هذا العنصر ، من اقوى العناصر التى مكنت الشاعر من ان يكون شيئاً كبيراً .
ومن الطريف ، ان كل قصيد غزلى ، فى كل شعره ، اما ان يتجه مباشرة لزميلته ، او هو يحتوى على الاقل على ملامح منها ، وكل طفلة او فتاة ، تلفت انتباهه ، لا يكون ذلك ، الا لان بها شيئا من فتاته ، ولا عجب فى ذلك ، فهى حبه الخالد ، وأول عهده بالشعر ، وهي بالتالي طريقه الى اكتمال شخصيته الذاتية والوجدانية .
وتختم تلك القصة ، ولا أرى نهاية لها ، بافتراق الحبيبين ، بما يشبه الاتفاق ، وتتزوج هى ، وتصيب الشاعر نكسة عاطفية عنيفة ، جعلته يعيش فراغاً مراً ، يبحث من خلاله عن الدفء والسكينة ، ولا يرى ذلك الا بين احضان المرأة وهذه ظاهرة طفولية لدى الشاعر ( قصيد النهد ) .
وعندما يحل جعفر ماجد بباريس ، تكون له تجارب أخرى مع المرأة ينتهى بها الى ان المرأة لا تحل المشكلة فيكتب قصيد : لا تعودى ، وفاته ان الفرق بين الحياتين ، او المرأتين واضح ، وفي هذه الفترة تحدث للفتاة مشاكل حياتية ، يسمع بها الشاعر ، على البعاد ، فيكتب لها رسالة بلا إمضاء ، وكان قد عدل عن ذلك من زمان .
وجاء في رسالته المجهولة الإمضاء ، والتى عنوانها : ياربيع الحياة .
يا ربيع الحياة كم من ربيع
رشني من عبيرك الفواح
ورماني على أثير الامانى
ضائعا فى الغيوب كالملاح
فاغترفت النجوم من كل أفق
وصبغت السماء قبل الصباح
أجدب العمر يا ربيع حياتي
أفلا تسمعين عصف رياحي
آه ماذا وجدت بعد حنانى
هل حباك الزمان دفء جناحى
أنا ان نحت يا حبيب شبابي
فعلى جرحك الثخين نواحي
نحن رغم البعاد والصمت روح
واحد في الشقاء والافراح
فاعذرى من أتاك يا أم ليلى
يختفى خلف شعره الفضاح
فالتحقت المرأة بزوجها .
ولعل سؤالا يخامر بعض الاذهان ، لماذا لم يتزوج الشاعر فتاته ؟ الجواب عن ذلك يسير . فجعفر فيه ما فى كل الناس من الانا وقد فضل متابعة مسيرته التعليمية عن الزواج .
أغراضه الشعرية :
تلك هى اذن ، المقومات الاساسية ، لشاعرية جعفر ماجد ، ترى ما هى الاغراض التى طرقها ، وبالتالى ، ما هى مميزات أسلوبه ؟
تناول جعفر ماجد فى شعره ، جملة من الاغراض الذاتية ، والاجتماعية شانه فى ذلك ، شان الفنان ، الذى يعى التجربة الحياتية ، بكل ابعادها ويحيا على الامل المتجدد .
ولعل جانباً هاماً ، من شعره ، كان منصرفاً نحو الغزل . - الغزل : نلاحظ مجموعة كبيرة من القصائد الغزلية ، تدور كلها ، أو تكاد حول قصة حبه ، التى كانت تجربة وجدانية ثرية ، ففيها مرت شاعرية جعفر ، بالتجربة الباطنية ، وفيها يلوح تطور الشاعر ، وإكتمال شخصيته . ويمتاز الغزل عند جعفر ماجد ، بالتخييل الطريف ، والصورة المتكاملة ،
والاطار الزاهى ، فلا يكاد غزله يخلو ، من قصة طريقة ، وجمال متحد ، وعبير فواح .
ولم تظهر المادية فى غزله ، الا فى النادر ، كقصيد النهد ، وهو انعكاس لازمة الفراغ ، التى اصابت الشاعر وخاصة فى مرحلة باريس ، التى تكتسي طابعاً خاصاً ، حرياً بالدرس والتحليل .
. الشعر الاجتماعى :
ويبدو ، بلا مراء ، انه تعاطف واستجابة ، للتجربة الذاتية الاليمة ، التى ارهقته بالحاجة والاهمال وهو بالرغم مما ينسج حوله ، من الصور الجميلة . والاجواء العطرة يحمل باعماقه حزناً أصيلاً ، وإشفاقاً على الذين هم فى طريقهم الى الرفاهية والانتعاش :
دعاني فلم أسمع وكفكفت من دمعى وسرت بآلامي الى حيث لا أدرى أمانع أصداء واكبت غصة وأخنق أهات يضيق بها صدرى أدوس ثرى حقل حسبت غباره وقد سم أنفاسى - رذاذا من الجمر فيا ويل من يحياً غريباً بأرضه ويا ويح من يشكو مراوغة الدهر
- حديث بائس -
. الشعر الوطني :
ان تجربة جعفر ماجد ، تعطى صورة دقيقة ، لابناء الشعب جيل الثورة ، الذين شقوا لانفسهم من خلال المحن والخصاصة طريق البطولة والمجد . وهو اذ يحقق احلامه ، فى عهد الحرية ويعبر ، فانما ياتي بذلك عن اصالة وحساسية (قصيد نشيد الحرية) وقصيد بنزرت .
وتتسع ، المعانى الوطنية لدى جعفر ماجد ، فتحتضن الجماهير العربية : صقلية ، فلسطين . او ترتفع الى مستوى افريقيا ، كقصيد لوممبا ، او الى مستوى الانسان بعامة ، كقصيد : هيروشيما وهذه الالوان من العواطف والاحاسيس اساسها : التعاطف وحب الكرامة ، والحرية ، والمساندة للحركات التحريرية هذه فى رايى اهم الاغراض التى تناولها شعر جعفر ماجد .
- الأسلوب :
يمتاز شعر جعفر ماجد بخصائص منها : اللغة المتينة العصرية ، المنتقاة ، وذلك يعود بالدرجة الاولى الى ثقافته المدرسية ، ومخالطته للقيمين على اللغة العربية السليمة وتتجاوز هذه العناية ،
المفردات ، وتتعدى الاستعمال ، والحفاظ على الاسلوب العربى السليم ، وفى هذا الصدد ، اشير الى حادثة طريقة جرت بين الشاعر ، ونزار قبانى عندما زار تونس ، فقد أنشد نزار قصيد غرناطة ، وفي فقراته ما يلى :
هل أنت أسبانية ساءتها قالت : بلى غرناطة ميلادى فاصلح جعفر المقطع : هل أنت أسبانية ساءلتها قالت وفي غرناطة ميلادى
فصصح جعفر ماجد : استعمال : بلى . وطبع الديوان واصلح القصيد وطبعاً ، بلا اشارة . - البناء العام للقصيد .
وهو بناء يعتمد التخييل ، والتصوير ، والاثارة النفسية ، والاطار المتكامل ويصعب ، فى شعر جعفر ماجد عزل بيت من قصيد إذ أن ذلك يخل بصورة وأضحة بهيكل القصيد وجوه .
إنها ظاهرة يمكن أن يقال عنها الظاهرة القصصية ، على غرار ما يلاحظ فى شعر عمر بن ابي ربيعة ، وابى نواس ، وغيرهما . مع إختلاف فى الاطار والصورة .
ويبنى جعفر قصيده ، على شكلين عمودى ، وحر ، لست ادرى ، هل أن ذلك من مقتضيات الاغراض ، أم من باب المشاركة فى الموضة الجديدة ، على انى ارجح الميل الى الثاني .
هذا ، عرض عن الشاعر ، جعفر ماجد ، قصدت فيه ، اولا ، الى وضع اطار عام ، والى تقديم لقطات اساسية تعين على الدرس والتمحيص ، وقد تضاف إليها أشياء أخرى ، وعسى أن يتوفر ذلك قريباً ، وقريباً جداً عند ما تصدر لجنة التنسيق الحزبى ، ديوان الشاعر ، مع جمله من الكتب والدواوين التى نعهدت باصدارها فى الشهور القادمة .
