عرفنا الكثير عن حغرافية العالم ومواقع استراتيجيتها ، ومواقع مخازنها التى تحتوى على نار ودمار وكذلك عرفنا عن محيط الارض ، ومحيط الفضاء شيئا كثيرا .
قسنا مسافة طريقنا إلى البيت ، وحددنا معالم الطريق لكيلا نضل ، فنتيه كيهود سيناء اربعين عاما ، واخذنا ندرس عن كتب المواقع الحربية في الميدان ، فعرفنا معنى الجناح الايمن والايسر والقلب والدفاع والهدف ثم نقلنا هذه المعانى فى لعبنا بالكرة .
واذا كنا قد فعلنا ذلك وقسنا خطا مستقيما بخط منحن لذات المسافة ، فاننا نتوهم دائما ان الخط المستقيم هو اقصر مسافة من الخط المنحني ، مع ان المسافة ذاتها ، هي نفس المسافة قفرا قبل ان تعمر الرقعة .
ولهذا الاختلاف في الكيف والكم ، اخذ علماء الأدب وفقهاؤه ، يسمون الأشياء باسماء وأسماء تختلف جوهرا وتختلف هدفا . . وعرف الكثيرون منهم معنى الالتزام فى التعبير او بعبارة اخرى كيفية التقيد في اختيار مادة اجتماعية ثم تسجيلها حرفا وهدفا ، تحاشيا مما قد يؤدى الى نزاع فصراع ينتهى الى " خراج " يحتاج الى عملية جراحية وقال قائلهم ، بانه يحتم على الاديب ، ان يتقيد ويتقيد ، دون ان يسائل نفسه عن معنى هذا التقيد!! وآخرون - قالوا : ان معنى الالتزام هو في اختيار الاسلوب السهل والمعنى المبسط ، والفكرة الواضحة ، وتنميق الرسالة سجعا ، ثم حصرها في نطاق محدود ، ولا يجوز تجاوزه ابدا ؟ ، ولم يفهمنا هذا القائل عن مساحة هذه الحدود أو عن جغرافية الكلمة شيئا .
والواقع الذي لا يماري فيه اثنان ، ان للكلمة جغرافية - كجغرافية المساحة والكرة الارضية - ولكن هذه الجغرافية للكلمة تتقيد بأشياء وتحد بأشياء اخرى لا دخل لها فى ان يضع فلان من الناس نقطة معينة ليسألنا وضع الحرف المناسب تحت النقطة ، وعند ما يتقيد احدنا بهذه النقطة والحرف ، يعني انه مسيطر عليه وعلى اماله فتتذبذب الموازين وتضمحل الفكرة الصادقة ثم تتلاشي شيئا فشيئا القدرة على التفكير النير والعمل الصادق باخلاص وتتلاشى كذلك التعادلية فتطغي القوى على الضعف .
فالالتزام - معناه اغلال تقيد بها أماني وآمال كاتب لئلا يتسع خطوه او يزيد على النقطة حرفا وحرفا .
والكاتب الاسلامي عليه ان يلتزم بتعاليم الدين فقط ويقول رأيه بصراحة تامة في كل ما يمكن ان يغاير هذا الدين . عليه ان يصف ذرات دروب الحياة وغبارها ، عليه ان يشير الى عضو فاسد في جسم المجتمع ويسلط عليه اضواء كاشفة ويدل عليه الملأ . عليه ان ينقل عن آمال ورغبات مواطنيه السامية
للكل وفي كل مناسبة وبكل وسيلة . عليه أن يحارب الرذيلة حيث كانت . عليه ان يربا بنفسه وبيراعته وقرائه من المهاترات والسفاسف الذاتية ، لان ذلك يؤدى الى أسوأ العواقب ولان لذلك مجالا آخر غير عمود فى صحيفة . . وعليه ان يدقق ويكشف ويكتشف التزوير والاحتيال او اى تلاعب بمقدرات البلاد وأموالها وابنائها عليه ان يكون عالما وطبيبا ونفسانيا لمجتمعه فيرشد ويهذب ويجتث بمبضعه جذور العفن والفساد في عضو من اعضاء الجسم وان يقيس حرارة اخلاص مواطن وأعماله وكفاءته الانتاجية فيقول للمجتهد : تقدم وللانتهازى : قف .
أجل عليه أن يحارب الانتهازية والوصولية والاستغلالية والنفاقية ، حربا لا هوادة فيها - بل عليه أن يسدد اهدافه السامية ويسير
وتكون لكلمته حدود جغرافية . يحدها من كل جهاتها الاربع :
الايمان بالله . . ونظمة الله . . ومشيئة الله . . ورحمة الله . . تلك هى ايضا جغرافية النفس والفكر والامل والقدرة العملية والضمير
وعلى هذا يمكننا الالتزام فقط فى جغرافية الكلمة ومعناها - على أن هناك نوعا من التزام وهو عدم كشف الاسرار الحربية وما تملكه الدولة من معدات حربية او مخطط لذلك . . وما سوى هذا فزبد لا يمكث في الارض ولا ينفع الناس وهذا هو معنى الالتزام وفحواه في يقيني . . ارم ما في يديك . . والتقط ما في نفسك . . احفظه جهدك .

