الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

جلالة الملك سعود المعظم، أحق بالخلافة اليوم، ،

Share

نشرت جريدة " جمهورية " التى تصدر فى بومباى بالهند سلسلة من المقالات حول الخلافة الاسلامية فحثت فى مقالتها الأولى تاريخ الخلافة وفي الثانية تنظيم شؤون الخلافة وفى المقالة الثالثة التالية تكلمت عن جلالة الملك سعود وأحقيته بالخلافة ( :

ما الذى يعوز المسلمين ؟ أليس لديهم شريعة كاملة تحتوى على امورهم المعاشية والثقافية والسياسية كلها تتمثل فى قوله تعالى : ) اليوم أكملت لكم دينكم ( الآية ؟ !

ان المسلمين لم يفقدوا الا الفهم والتدبير لان جمودهم طيلة قرون قضى عليهم الا ان الموجات الحديثة والتيارات الجارفة ايقظتهم من سباتهم العميق . ولسان ماضيهم يدعوهم لأحياء ما تناسوه بحيث يقيمون فى هذا العالم المضطرب روح الامن ويحملون رسالة السلام . وما دام المسلمون يؤمنون بمدلول الآية الكريمة : ) اليوم اكملت لكم دينكم ( الآية فأي حاجة لالتماس ما عند الغير ؟ أين نحن من الوعيد : ) ومن يبتغ غير الاسلام دينا ( الآية ؟ !

الاسلام باطني وظاهرى . فالاول منحصر فى العقيدة والعبادة والأمور الروحانية . والظاهرى محوره يدور على الامور الدنيوية بما فيها معاش الخلق والأخذ والعطاء والمسائل الاجتماعية . وهذه الاخيرة هى التى لها مساس قوي بالرابطة العالمية فى هذا العصر . ولأن هذه الرابطة التى لها صلة قوية بين الامم منذ عشرات القرون هي التي تقوم عليها الأسس العمرانية والأنشائية والاختراعات العالمية - كميدان للتنافس فى مضمار الحضارة - فعلى المسلمين ان يبرهنوا للسالم ان دينهم جامع لخير

الأولى والعقبى ، وانه قابل للمساهمة فى الارتقاء بالبشرية لأوج السعادة . ان أي دين لا تبرز حقيقته للعيان ما لم تطبق تعاليمه وتبد جلية فى صورة معتنقيه . إن اتباع الاسلام منثون فى كل صعيد ، والاسلام هو السلسلة التى ينتظمون فى حلقاتها . . وكما ذكرنا آنفا ان حياة المرء مكونة من صورة - خارجية - دنيوية - وباطنية دينية - والاخيرة قد انحلت بين المسلمين حتى أصبحت او هى من بيت العنكبوت وذلك نتيجة لغفلة المسلمين عن تعليمات الاسلام المتعلقة بشؤون الحياة ، فبدلا من ان ينهضوا بها ويجعلوها تتمشى جنبا لجنب مع القسم الأول اهملوها اهمالا جعلها فى حكم العدم فاجتمعوا فى عزلة بينما الأمم تسعى حثيثا لتكوين وحدة عالمية أخوية وهم يخبطون فى ذلك خبط عشواء مع العلم بأن رسالة الاسلام فيها كل الغني لما يتطلبه العلم من روابط . فوا أسفاه ! أين من يحمل مشعلها ليقود الناس فى دياجير الظلمات التى يتعثر فيها كافة الشعوب فى الشرق والغرب ؟ ففيها الحل الوحيد والعلاج الشافى لنكبات البشرية قولا وعملا .

فمن الضرورى للمسلمين ان يجعلوا حياتهم الخارجية صورة حية ناطقة لحياتهم الروحانية .

لقد ألمعنا سابقا للخلافة وصفات من يتولاها اعتمادا على النصوص الشرعية والتاريخية وأبنا تلك الأسس التى تحفظ كيانها وذلك بأنشاء مجلس شورى يكون بمثابة برلمان لان وظيفة البرلمان ان يحول دون الاستبداد الفردى الذى من شانه ان يلحق الضرر بالآخرين ويراعي عند انشاء الخلافة ومجلس الشورى ان يتخذ كافة قواعدها واصولها من التعليمات الاسلامية وفي ضوء شروطها وان تراعي حرمة الخلافة ويصان مركزها . وتحديد سلطة الخليفة امر طبعي وبد هى لان لأن الغرض منها ان لا يستأثر أحد بامتيازات دون سواء ، كما لا تراعي حقوق افراد دون آخرين بل الامور على قدم المساواة ) ١ (

وبهذا يجعل الخلافة فى محلها اللائق بها فى سياج متين . ولا نجاة للبشرية الا باتباع نظم الأسلام دين الفطرة وهى مخيرة بين امرين لا ثالث لهما كالمريض الذي يصف له الطبيب الماهر وصفة فيها برؤه فان عمل بها بجا ، وان انحرف عنها ظل يعاني آلاما مزمنة تقوده لحتفه بعد ان يذوق الامرين من معاناة آلامها . . ومما لاجدال فيه ان الحياة البرلمانية التى رمزنا إليها باسم مجلس الشورى ذات فائدة عظمى فى اداة الجهاز الحكومي وهى مبنية على قرار الشورى الاسلامية التى بموجبها ينتخب الامام الذي يعمل بمثابة رئيس وزراء يمارس حقوقه فى ظلها وهو المسؤول امامها عما ينفذه من القوانين المستمدة من روح الشريعة

واذ نقيد الخلافة بمجلس الشورى فانما نرمى الى الحيلولة دون الاستبداد وربطها باحكام الكتاب والسنة لان الحكم الاستبدادى ) اصل الشر ومنبع الخبث الذى ينشا عنه الظلم والاعتداء على حقوق العباد وما يتولد عن ذلك من مساوىء ( . ولقد توالى على الشعوب حكومات ذات الوان من جمهورية وملكية حتى وصلت بالمرحلة الاخيرة الى الاشتراكية فى هذا العهد ومع هذا التطور فان البشرية لم تزل ترفل باغلال الاضطهاد .

فيظهر مما تقدم ان الخلافة تلائم اصول الحياة الفطرية وان المسلمين بعودتهم للخلافة يسلمون من المتاعب المتراكمة التى تحيطهم من كل حدب وتعود لهم المكانة الاولى تحت نظام سماوي . والمهم فى هذا الباب إن نعرف الكفء من الرجال الذي تلقي بين يديه ازمة الامور لياخذها على عاتقه ويحفظ مهابة الخلافة وجلالها . وسوف يجنى المسلمون من ثمارها ان يعودوا لوحدتهم الطبعية ليتركزوا بركن راسخ تم يجمعوا تشملهم بعد هذا التشتت ويؤلف بينهم بعد هذه الفرقة ويكسبهم العزة بعد الذل ويعلى شانهم ويبدل ضعفهم قوة . وربما يقول القائل ما هى الاصول التى ترسمها تلك الآية الكريمة : ) اليوم اكملت لكم دينكم ( فيما يتعلق بكرسي الخلافه ؟ للأجابة عن ذلك نقول .

١ ( طالما بعث الله انبياء ورسلا بين فترة واخرى كان آخرهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم ) يا داود انا جعلناك خليفة فى الارض ( .

٢ ( بدأت الخلافة التى نحن بصددها بعد وفاة محمد عليه السلام ولاتنقطع حتى تقوم القيامة . . وواجب الأمة يقضى ان ترشح افضلها بحيث يجتمع فيه المؤهلات بشرط ان يؤيده مجلس الشورى ويوافق على توليته

ولنعد لما نوهت به فى المقال السابق الذى رشحت فيه ملك البلاد السعودية لهذا المنصب . ولماذا يوجه المسلمون انظارهم للملك سعود ؟ انهم يوجهون أنظارهم اليه لهذه الاعتبارات :

١ ( لوجوه جغرافية وتاريخية . ٢ ( الصفات الخلقية من حيث العلم والفضل والخلق والمنزلة . ٣ ( السيرة والسلوك

١ - الوجهة الجغرافية

تحتل شبه الجزيرة العربية موقعا ممتازا ذا أهمية عظمى اذ يحدها شمالا البحر المتوسط وجنوبا البحر العربى والبحر الاحمر غربا كما انها تطل على الخليج الفارسي شرقا وهي بهذه الحدود الاربعة تتمتع باعتبارات نادرة من وجهة الملاحة البحرية فى كل من البحار اذا ان البحرية لابد من ان تعبر من احدها وبهذه الميزة نفسها مهر العرب فى الملاحة منذ فجر التاريخ ، ففي الوقت الذى كان يدور فيه فاسكودى غاما حول " رأس الرجاء الصالح " محاولا الوصول للهند كان تجار العرب ينتقلون فى سواحل الهند من ميناء لآخر على سفنهم . ولما ألقى العرب مراسى سفنهم على ساحل اسبانيا أمر قائدهم باحراقها ولولا مهارتهم فى ركوب البحر لما أقدموا على تلك المخاطرة التى عادت عليهم بالغنم

وقد فطن عمر رضي الله عنه لتلك المزايا فأمر مهندسي العرب أن يشقوا قناة فى السويس مستعينين بالعمال المصريين . وقد ظلت مستعملة نحو عشرين عاما . وهذا هو الأصل فى فكرة فتح قناة السويس التى حفرها الغربيون مهتدين بالخطط العربية ، وقد

أصبحت الجزيرة فيما بعد واسطة عقد بين الشرق والغرب تصل بين قارات ثلاث وبحار . ذات أهمية . فهى مشرفة عليهم كالديدبان الحارس الذي لا يغادر نظرة صغيرة وفى قلبها البيت الحرام وكفاه شرفا قول الله تعالى : ) فول وجهك شطر المسجد الحرام ( وليس التوجه نحو الكعبة خاصا بالمسلمين بل حتى الأنبياء عليهم السلام سبقونا بذلك واكبر شاهد على ذلك مجيء ابراهيم الخليل من الشام الى مكة المباركة . وكفى ملك البلاد السعودية عزا أن أصبح حاميا لتلك البقاع . والأخلاق العربية من ذكاء وتدبر البصيرة فى حقائق تاريخية لا نكران لها . ومن بعد الرسالة كان عهد الخلفاء الراشدين مضرب الأمثال فى سياستهم وعدلهم وتعمير الديار وتمصير المدن وكان وفاؤهم بالعهود أمرا مشهورا وتلك أمور مقررة فى بطون التاريخ . ولم يكن العرب محرومين من المدنية فى جاهليتهم الا أن ازدهارها ونموها لم يتم الا على يدى محمد صلى الله عليه وسلم

ثم لما انطوت الجزيرة على نفسها وعادت مسرحا للغارات وسفك الدماء وانبعثت بين أهلها الشحناء ولاذوا بالقطيعة ، ففي هذه الساعة الرهيبة هيأ الله لها عصاميا من صميم بنيها ليعود بها سيرتها الأولى ألا وهو الامام عبد العزيز رحمه الله . وإن التاريخ لن ينسى ما أسداه هذا المجاهد الفذ فى عصرنا الحديث لابناء جلدته من مفاخر قومية وأعمال مجيدة ومن ينكر تلك الأوضاع الشاذة التى كانت سائدة بالحجاز حيث تسوده الفوضى والنهب والسلب والتى أعادها المرحوم وأسرة من ذويه بين عشية وضحاها لحالة من الأمن والاستقرار فأصبحت تلفت نظر العالم واليه يعود الفضل بتسنم بلاده ذروة المجد بين بقية الأمم ونترك الحديث للتاريخ ليقضي لاى حد بذل جهده لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم والتاريخ حكم عدل . وبعد تلبية المرحوم عبد العزيز داعي ربه خلفه نجله الملك سعود على أريكة البلاد . ومن المعلوم ان مسؤوليته حامى الحرمين مسألة ذات بال ولسنا مغالين اذا قررنا أن مسؤوليته لا حد لها . ان المسلمين كانوا بجبال هماليا أو سيبريا أو حتى بالقطبين تشملهم قدسية الحماية والنقل . . وبلسان واحد : إن الملك سعودا أهل لتولى الخلافة بكل جدارة واستحقاق .

٢ - السيرة

لو أردنا أن ندرس السيرة الملكية لطال بنا البحث ولاحتجنا أن نجعلها مصنفة مستقلة . ولكن نكتفى بالقدر اليسير ليتمشى مع روح الباب . لقد نشأ الملك سعود فى كنف والده المرحوم عبد العزيز وتحت اشرافه الخاص فى القصر الملكى ورباه تربية اسلامية بحتة . . لا كأمير لكن كفرد مسلم . وصادف مولده بمدينة الكويت اليوم الذى فتح فيه والده الرياض وذلك فى شهر شوال ١٣١٩ ه وهو الابن الثاني لأبيه . وقد أسلمه والده لعلماء ممتازين بنجد لتعليمه القرآن الكريم وتفقيهه فى الدين . وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره أخذ فى ممارسة شؤون الحكم وذلك بالاطلاع على سير الأعمال الرسمية . كما أنه شارك مشاركة فعالة فى اخضاع عصاة من البادية وكان لهذه الروح العسكرية آثار بالغة مما أهله بعد ليصبح ذا منصب خطير وذلك بإجماع كلمة الأمة ورفع التماسها لوالده رحمه الله ، أن يجعله قائدا عاما لقوات بلاده المسلحة لما أحرزه بينهم من الثقة العظمى جزاءا وفاقا لتفانيه فى رفع مستوى بلاده لاسيما الفوات المقاتلة منها وذلك طبعا بعد انتخابه وليا للعهد . قام " سعود " بسياحات عالمية زار فى خلالها أمريكا وفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وهولندا وسويسرا ومصر وفلسطين وشرق الأردن وأخيرا باكستان . كان فى خلال تطوافه بتلك الممالك لا يفتأ يزور معاهد العلم بها ومؤسستها العملية ومستشفياتها ويبدى رغبة شديدة وحرصا بالغا للاطلاع على كل دقيق من أصولها وفنونها وما يمت لذلك ذرات الحديثة وبذلك نال خبرة واسعة مما يؤيده فى تطبيق مشروعاته كته

٣ - السلوك والصفات الخلقية

ان سيرة المرء وأعماله صورة ناطقة لما يبطنه فى سريرته من معتقدات أو ينطوى عليه من مبادئ وميول . . وشخصية الملك سعود من الوجهة العسكرية من الطراز الأول كما أسلفنا ويكشف لنا كثيرا من مآربه ما أدلى به من تصريحات ابان ولاية عهده .

ان مما يجلب سعادتنا ويرفع شاننا الايمان بوحدانية الله واتباع أوامر الاسلام ، ولنمعن النظر فى هذه الفقرة : " يجب علينا أن نخضع لما أمرنا الله به ونتوجه له خاشعين وبذلك يمكننا ان نسترد نحن المسلمين ما فقدناه من مكانة خلفها لنا آباؤنا الأولون . وفرطنا فيها بتركنا منهجهم المبين "

ويقال إن جلالته سيزور بعد شهر رمضان كلا من الافغان وايران وكم بذل من سعي اثناء زيارته لكثير من الاقطار ليوفق بين أحزابها ويزيل عنهم أسباب الجفاء . ويجمع كلمتهم ، " وما يوم حليمة بسر " .

علاوة على ما تقدم فأهم معضلة يواجهها المسلمون اليوم هى قضية فلسطين التى ذهب ضحيتها ولا يزال الحبل على الجرار مئات الالوف من العرب نتيجة مؤامرة . دولية نذلة ، ولم يجد نفعا ما تقوم به لجنة الاغاثة كما ان مجلس الامن لم يبد أى أثر فعال للحيلولة دون تمادى العدوان والكوارث . وما يقال عن هؤلاء العرب الجلاء يقال عن ذريتهم الذين لا يعلم ما يخبؤه لهم المستقبل المظلم من رزايا ، الا الله ؛ ولا نعلم ان جمعية قامت لهولاء بعمل جدى حتى ولا الجامعة العربية . وموقف الملك سعود من تلك المسألة جلى واضح ، كما تقرر ذلك بالمؤتمر الاسلامى وكما اعاده كرات متوالية من تصريحات فى هذا الصدد .

الخاتمة

ان التفكير فى ماضى المسلمين المجيد وحاضرهم الذى هو على طرفى نقيض من ماضيهم ، هو شغلي الشاغل . . وكم يحز فى نفسي ويؤلمنى ان ارى البون الشاسع بين الحالين . لقد درست ما ادلى به الباحثون والمفكرون والمحللون لاسباب رقي المسلمين وعلل انحطاطهم . درست القديم والجديد فى احدث ابحاثه ومع ذلك لم اقف . على ما يشفي العليل وينير السبيل لتشخيص العلاج . هذا مع احترامى لارباب تلك الاقلام والبحوث التى يطبقها كل واحد من وجهة نظره التى يلم بها . واخيرا هدانى الله . سواء السبيل بتوفيق لدراسة وفهم كتابه الكريم والاستضاءة بنوره الزاهر مما

جعلني اؤمن ايمانا من جميع حواسي انه مع تدبر كتاب الله والعمل بمقتضى اوامره لم يبق داء الا ويقضي عليه . ان الله لم يغادر صغيرة ولا كبيرة الا واوحى بها فى كتابه .

انه من العجب بمكان ان نرى كثيرا من الامم الاسلامية تتبجح بما لديها من دساتير وقوانين وضعية وهى مع ذلك لم تزل تتسكع فى طرقها معرضة عما فى كتاب الله من آيات بينات ؛ ومنهم من يتلكأ عند ما يعرض عليه حكم قراني هذا مع انى لا اهزأ بأحد أو احاول الحط من قدره ولكن الذى اطالب به ولاة أمور المسلمين هو ان يعودوا بأممهم الى ما سنه وشرعه محمد صلى الله عليه وسلم منذ قرون ليكفلوا لهم حياة حافلة بلعز .

هذا وانى مدين لما نوهت به لما كتبه كثير من فضلاء الكتاب والمفكرين ولهم على ذلك مزيد الشكر .

اشترك في نشرتنا البريدية