الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

جلد الثعبان

Share

نظرت الى أولا ، ثم أخذت تحدق فى وأنا أضحك وأثرثر وأنكت كالطفلة المغرورة . رأيت الانبهار يطل من عينيك . لست وحدك . اعتادت العبون أن نلاحقنى حيثما أوجد . تتفتح . تذوب استعطافا . تغمز . تلحف فى السؤال . تحاصر . تضيق الخناق . تهدد . وأنا لم أعد أبالى . أضحك دائما كما أضحك الآن . لم أعد أهتم بألوان العيون . لم تعد تثيرنى غمزاتها ولم تعد لى رغبة فى استكشاف أسرارها . انقلبت حدقتاى الى الداخل . ضحكاتى التى تسمعها لا يأتيك منها إلا الترديد الأجوف ، أما القهقهة الأصلية فلا تنطلق الى فمى . أردها الى صدرى تماما كما أفعل مع حشرجة البكاء كلما احتجت أن أذوب فى الألم .

رأيتك تنظر الى منذ دخلت قاعة الحفل ، وبقيت ترصد تنقل خطاى . هل أخذت بجمال كعبى العالى المذهب ، أم سبحت تحلم ببضاضة القدم الفلية الصغيرة ورقة الأصابع القانية . . . ؟ما أظنك اكتشفت فيهما شقوقا أو رضوضا ولا أثرا من حصى الشارع ونثار طين الأزقة ومزابلها ؟ عهد ذلك بعيد ، ما أبعد أن تتصوره الآن وأنت جالس هذا المجلس وأنا أرفل أمامك فى مثل هذا البهاء ! . .

تتأمل تسريحة شعر  . . كنت أمزق كل الخرق التى يلفونه بها . يعجبنى منظر ذلك الشعر المنفوش المقمل الثائر بسهامه المندفعة الى كل صوب . كان شعرا يدخل الرعب فى قلوب أطفال الملاسين فيسلينى ذلك . يدعوننى عيشه المجنونة فألتاث وأرغى وأزبد من فزعهم وأقسو عليهم غالبا . كدت أخنق طفلا ذات يوم ، وندبت وجه آخر بأظافرى هذه .

تنظر الى لمعان طلاء الأظافر بشراهة ، وتحمل عينيك كل شوقك الى العناب . هل تعجبك ؟ احذر منها . . إنها تنغرس بسهولة ومهارة وتترك ندوبا حمراء عميقة لا تمحى فى مثل وجهك الأبيض المبطبط . كانت أصباغها قديما قاتمة كما ترى الآن . لكن مزيجها عجب . ما أبعد أن تتصوره الآن !

وأنت جالس قرب مضيفتنا أحسست بالغيرة تتقد من عينيك اذ أميل الى

الرجل الذى رافقنى إلى الحفلة فأضاحكه وأمسك به مازحة متدللة . لا تندفع ! إنه صاحب الملهى الذى تغشاه راقصات كثيرات ، وإنى الراقصة التى يغشاها رجال كثيرون ، فلا أنا امرأته الوحيدة ، ولا هو رجلى الوحيد . . كلانا للجميع . استبعد أن تتصور هذا !

صحيح أنك ترانى لأول مرة . وها أنت تنبهر ، تأخذك فتنة الزينة ورفرفة ثوب السهرة ، تسكرك العطور ورائحة الانثى تمر تحت أنفك . الحرائر ألوان وأشكال . موضات تتداخل . تنسجم مع القدود . تعرى المفاتن . تكسح الارض فى عظمة . أسمالى لم يكن لها شكل ولا لون معين . ارتديها بطرائق تفننت فى ابتداعها ، وصبغتها بكل ألوان الطريق . أزهو بها فى الصيف , وأرقص فى الأزقة . وأموت بها بردا وسعالا فى الشتاء . إنى اسعل الآن أيضا ، ولكن من التدخين .

ينظر إلى وأنا أنفث الدخان بأناقة وكأننى دربت على ذلك منذ الصغر . عرفت التبغ صغيرة . يجمع أبى أعقابا تفتتها أمى وأجففها فى الشمس ، ثم يود فيبيعها قراطيس صغيرة فى المركاض . أشعل أبى مرة واحدا من أعقابه وكوى به زندى . البقعه المستديرة السوداء ما زالت بارزة هنا . كنت أهرب من الدور التى يدفعنى للشغل فيها .

هات يدك . ألمس الدائرة الصغيرة ، وألمس أثر هذا الجرح تحت ذقنى . هناك انغرس ظفر أمى لما سرقت منها قطعة خبز أرادت أن تستلها من فمى فتمزق جلدى الطرى . وكانت أحشائى تتمزق من جوع الليل والنهار .

هل تناولت من كل أطباق المأدبة ؟ لا شك أنها لذيذة . لم يتخلص الحاضرون بعد من اطباقهم . لا ينبغى أن أفعل مثلهم حفاظا على رشاقتى . كنت كالعود اليابس . وكانت أمى كذلك . طافت بمنازل كثيرة . وجرى أبى طويلا وراء أعقاب السجائر وأشياء أخرى يلتقطها من الارض . وتسول اخوتى وسرقوا , ولكن ما شبعوا يوما .

كزهرة برية جافة نشأت فى طين الملاسين ، نهبة لريح المزابل ورطوبة السباخ . مسلولة مهترئة منذ الصبا . يصعب عليك تصور ذلك . تنظر الى الشيطان فى عينى ، وتفتق الورد فى رقبتى فيهيج شوقك الى شم الورود . اراقص رفيقي فيضطرب قلبك اضطراب جسدى المستجيب للحن وينضغط الدم فى أذنيك . ليس هذا مفعول الوسكى وحده مع أنك تشرب كثيرا . كف عن الشرب ! . . الخمرة لم تخلق لمن يعيشون حاضرا مجيدا .

أنت تحب الرقصات الشرقية . البطن العارية والزنود والأفخاذ ، هذه المدورات تفتنك . لقد فتنت كل من رآها . صفق مع أهل البيت ، وانظر حيث شئت إنه حق مباح ! عذريتى . . رعشة الجفن وحمرة الخد فقدت احتياجى اليها من زمن بعيد .

رقصت اكراما لصديقتى ربة البيت . وإكراما لك همست لى هى نفسها موصية بالعناية بك والتسرية عنك . لا بد أن تكون (( شيئا )) هاما فى حياتها . . هل اشتمت رائحة الرغبة منك كما رأيتها أنا واضحة فى عينيك ورقصتى تهز الأعصاب وأرجاء البيت ؟ ولكنك كنت حزينا ، وكنت تشرب بنهم حينا وفى سهوم حينا آخر . وكنت أقهقه طول الوقت . صار من عادتى أن أضحك أو أن أبكى وأن أكون لا شئ بين الاثنين . لا قدرة لى على غير ذلك .

ترددت فى مراقصتى مع أنك كنت تريدنى بماذا ؟ ! كان لك أن تأخذنى منذ شئت للمرة الأولى . لم يعد لى ما أمنعه بعد أن منحت كل شئ منذ صباى . تتناولنى بين ذراعيك . تتحس رقبتى بشفتيك . تهصر خصرى بذراعك . تضمنى الى صدرك وتهمس فى أذنى . تضحكنى . تهزنى ، حياتى كلها هزات . وأنا معك في رقصك أرعى خطواتك وأستجيب لمحاولاتك وأصعد شهوتك كى تتذوقها على مهل قطرة بعد قطرة فتشعر بطيب السهرة ولذة العيش وكرم وفادة صديقتنا المشتركة . هز هذا العود ! . . فكم هزته قبلك رياح وأعاصير . هزته وهو غض طرى . فتكت به زوابع ما كنت لتقف أمامها أنت الرجل العظيم .

ليس ما تمسح به خدك هو جلدى . . إنك تلامس أطلية وأدهانا تخفى الجلد الحقيقى الذى تمزق مرات ، وكم وددت أن يتمزق تماما فأخرج منه كجلد الثعبان وأتركه ورائى وأفر بعيدا . . ولكنه يعود فيكسونى ويعيدنى الى خلقى القديم . لذا فأنا قديمة جديدة دائما . تلتئم جروحى باستمرار . مظهر واضح لعملية الخلق المتكرر . كل الجلود تهترئ أو تتمزق ولا تفنى . أما جراح الروح . . .

وسكتت ثم قالت : أين روحك الآن ؟ لا شك أنها انتشت أو غرقت تماما كروح هذا الذى يعلن كفره من شدة الانبساط والسرور .

قال : دعينا من حديث الروح ! . . فأضافت : دعنا . . ضع رأسك على كتفى واستمر فى الدوران . ضع يدك على زندى لتلمس اثر الكى الذى حدثتك عنه . . قبلها مزقنى ابن عائلة كبيرة اشتغلت عندها ، وبعده تناولنى خادمهم الأقرع المترهل ، ثم أرادانى معا

وتشاجرا من أجلى فسخطت العائلة الكبيرة وثارت فى وجهى فهربت . . فتلقانى عقب سيجارة أبى . كان أبى يجمع أعقاب السجائر ثم يبيعها حشيشا جافا . .

قال : دعينا من أعقاب السجائر لقد قلت ذلك من قبل . قالت : وتمزقت بعد ذلك عدة مرات ، فأحاول كل مرة الفرار من جلد الثعبان ، ولكنه يندمل وأعاد اليه ، والى خلقى القديم . . ولكن الروح . . . قال : دعى حديث الروح . . هل نذهب الى بيتك ؟ .

آخر ساعات الليل ليست منه وليست من النهار ولا تدخل فى حساب الزمن ، هى وعاء فضى أغبش يملؤه السكون والأطياف ، يلف الدنيا بغلاف شفاف خيالى تتجاوب معه الارواح المنتشية بعد ليل المعاقرة الطويل ، فتتحول الايدى الى أجنحة والأرض الى مسارب قطن ، وتنطلق الحقائق من قماقمها وتهوى الحواجز وتتعرى الارواح داعية الاجساد الى مثل ذلك . هى ساعة فراش . . .

قال : خذينى معك الى البيت . . سأشفى جراح روحك ! . قالت : انتبه لرجليك . . سأحمل روحى جريحة الى القبر . . وتعال معى الى البيت .

تضحك الداعرة وهى توكل أمرك الى . سأسهر على راحتك من أجلها ، من أجل سفالتها . قد وفقت بيننا . أنت فى حاجة الى امرأة ، وأنا فى حاجة الى رجل ليلتى هذه . . الى كل الرجال لكل الليالى ، ما دامت الجراح تندمل , والجلد يلتئم ، والزمن يمر فى لامبالاة . أما الروح . . .

قال : دعى حديث الروح . . خذينى وسأشفى جراحها . قالت : مللت حديثى . . لا تهمك الروح . . تريد الجسد . . تريد أن تنسى . أنت فى ليلة غفلة ونسيان تسرقها من دهرك . تنفلت فيها من ربقة نفسك وواجبك وظروفك ، وحياتك كرجل ذى قيمة كبرى يحمل عبء العالم على كتفيه . ها أنت تضيق بغثيان السكر وطول السهر ، وتتجهم سحنتك ويتهدل كتفاك . ماذا دهاك يا بطل ؟ ! هل أدهشتك غرابة الحقيقة تطل من خلف المساحيق ؟ أراك خلفى تحدق فى المرآة كأنك ترانى لأول مرة . أرانى قد أضفت الى كتفيك عبئا آخر . . ولكن تلك هى الحقيقة . وهل لنا مهرب منها ؟

أراك تضيق بكل ما حولك . الشمس تطل من النافذة وأنت تريد الخروج لقائها . تبحث عن الباب . تود الذهاب الى حجرتك . الغثبان برهقك . لقد نصحتك ألا تشرب كثيرا ، إن الخمر لا تصلح لمن يعيش حاضرا محيدا . هذا هو الباب . عد الى بيتك . اخرج الى الشمس .

اشترك في نشرتنا البريدية