- جميل ؟ .. - نعم . - جميل .. - أو اقسم لك ؟ .. - جميل . لشد ما تغيرت يا جميل . - تقصدين اننى افقت وقد كنت احلم ؟ لا تعجبى يا بثينة فالالم اعاد الى عقلى - لشد ما تغيرت يا جميل . لشد ما تغيرت نظراتك .. نظراتك فقدت لذة الحلم وخشوع المتعبد ..
-ذلك اننى افقت من حلمى عندما بصق المعبد حجارته فى وجهى نبهتنى الى ضلالى ووثنيتى فحطمت المعبود وبلت فى المعبد . ( قال الراوى : تقدم جميل من بثينة وفى الافق الغربى مالت الشمس حتى اتكأت على حافة الكرة الارضية من تلك الناحية ساحبة خلفها اسرابا من الخطاف والغربان المهاجرة .
وفى خلوة بعيدة عن مشارف الحى جلس جميل والتصقت بثينة بصدره فراحت اصابعه تلملم عن جسمها الخجل . وكانت لفرط دهشتها لا تعرف ما تفعل فاستسلمت له او لعلها كانت تتمنى ذلك من زمن بعيد . والله اعلم ) .
-جميل لا تنظر الى هكذا .. لا تنظر الى هكذا يا جميل ، انك تخيفنى .. -أسف يا بثينة ان رفضت عيناى مسوح الطيبة والوداعة .. فقد مات جدى يا بثينة ودفناه فى عمامته وجبته البيضاء ورششناه بكل ما اوتى
بيتنا من طيبة . ووسدناه مصحفه ومسبحته . وعلى قبره كتبنا بالفحم : (( هنا يرقد جدى بكل ماله من اشياء )) .
- رحمه الله . فقد كان يحبك كثيرا ولا بد ان تكون بكيته بحرقة .. - ابدا . فقد عوضتنا عنه أمى مولودا جديدا ، صبيحة دفنه .. لا تعجبى يا بثينة فان امى رغم هزالها ليست عاقرا وسوف تلد كلما احس بيتنا بالحاجة الى طفل .
- وهل هو جميل هذا المولود ؟ .. - نعم .. انه جميل كالفجر .. صاخب كالحقد .. رائع كالغضب وقد ملأ بيتنا بهجة وحركة اذ انه ما يفتأ يمزق جميع مخلفات جدى من اوراق وكتب ، ويكسر ما كان يستعمله من ادوات .
( قال الراوى : كانت بثينة فى حضن جميل مفترة شفتاها عن ابتسامة كئيبة ، منفوشا شعرها على كتفه الايسر . مرفوعة الى عينيه عيناها ، تنظران جميلا ولا تريانه بل تبحثان فى عينيه بقايا جميل آخر كانت تعرفه ) . - جميل أأنت حقا جميل ؟ لكن ماذا اعتراك ؟ .
-لا شئ سوى اننى لبست جلدا جديدا . جلدى هذا على القياس اما الاول فقد كان فضفاضا . الم يعجبك يا بثينة . مالك لا تهنئينى به ؟ لقد نسجته من آلامى وجوعى على نول المرارة - جلدى هذا يا بثينة نسجته (( بمرود )) الارق و (( خلالة )) الحيرة المعذبة . لذلك فهو سميك وغير ناعم . ولانه غير ناعم فهو لا يعجبك . ( قال الراوى : كانت بثينة تسمع كلام جميل ومحاجم الدهشة تمتص أنفاسها . وفى اذنيها يصخب صوت هامس آت من حنجرة الامس :
يهواك ما عشت الفؤاد فان امت يتبع صداى صداك بين الاقبر ) .
-جميل ما الذى غيرك هكذا ؟ - سخريتك منى يا بثينة . - جميل ؟ اتقصد ما تقول ؟ .. - نعم يا بثينة.. لقد احببتك حتى الحزن .. وجننت بك حتى الحب . كنت اطل على الكون من شرفة فى اخضرار زرقة عينيك ..
من خضرة عينيك يا بثينة زرعت فى اعماقى واحة ترد عنى بازريراقها وحشة هذه الصحراء ، صحراء الفراغ والصقيع ، ثم اغمضت من دونى عينيك ، فصوحت واحتى وبصقتنى ذاتى تائها فى الصحراء يذبحنى العطش ويفرغنى الفراغ ..
تعللت عن حبى يا بثينة بعادات القبيلة . قلت لك تعالى نعش معا ولتذهب القبيلة وعاداتها الى الجحيم ، فرفضت ، قلت انك تحبيننى لكن الخروج عن طقوس القبيلة مستحيل . وما المستحيل يا بثينة الا فى ذاتك المتعفنة بمكروب العادات المضحكة والطقوس المتعالية الى تحت .
ورغم ذلك احببتك يا بثينة ، وواصلت حبك دون امل . تماما كالصوفى يفنى فى العشق الالهى ولا يصل الله . لقد كنت لى يا بثينة فكرة جميلة وحلما رومنطيقيا والاها معبودا واحدا وحده لا شريك له . لكنك سخرت منى .. سخرت يا بثينة أمام صويحباتك . انكرت ان تكونى احببتنى . قلت اننى مجنون لاننى لست ذا جلد ناعم . لان ابى لم يسرق . ما امر سخرية من نحب يا بثينة . عفوا نسيت انك لا تعرفين ما معنى المرارة . انا المرارة يا بثينة . لذلك فانت لا تقربيننى انت تعودت على قطع السكر . انت لم تمضغى مع اهالينا اوراق الدفلى لانك لم تعرفى المجاعة .
جميل . اجننت ؟ اقسم لك .. - لا . لا داعى للقسم يا بثينة . ولننس ايامنا الميتة مع موت الاله المعبود بل مع موت جميل الذى عبده . انا جميل آخر .. ولدت من مرارة جميل الاول .. من غضبه من جوعه وعريه .. من حقده وثورته . ( قال الراوى : غصت عينا بثينة بالدموع فضمها جميل اليه ودس وجهه فى صدرها يأكل من شذى جسمها ، اذ كان لجسمها فى انفه طعم كطعم الند المحروق فى معبد بوذى قديم ) . - جميل انشدنى آخر ما قلت فى .
( قال الراوى : نبح كلب فى الحى واطرق جميل سويعة ثم ارتجل : تكسرى على رجولتى تكسرى .. تكسرى
واحترقى بعذابى وحيرتى
تحيرى .. تحيرى
تعرى من جلدك .
ولا تعاندى
تعرى بطعنات جوعى
بنقمتى
لا تقولى : (( وحش ))
فهكذا شئت
وشاء حبك
هيا يا جائعة النظرات
يا جائعة الشفاه
هيا فاشبعى ..
كونى مجنونة ومثلى عقلك انتعلى
لا ترفضى ..
فالرفض فى الحب بلاهة
لا تتبلهى .
ودونك قبلاتى
فمن دونها لن تنضجى
وتخمرى بانفاسى حتى توجدى
ابدا ان تولدى .
أبدا
الا من انبوبة فى مخبرى
فكابرى ما شئت كابرى
لابد على رجولتى ان تتكسرى )
- او تقول الشعر على بحر جديد يا جميل ؟ . - وامارس الحب على بحر جديد أيضا . ( قال الراوى : اقتربت بثينة من جميل ابعد من القرب . وسقطت نجمة من السماء فى حركة سريعة ومفاجئة فقالت بثينة وفى صوتها رعشة : - اعوذ بالله من الشيطان الرجيم . - ماذا ؟ .
-نجمة رجمت الشيطان .. ان الشياطين تكثر فى مثل هذه الساعة . يصعد بعضها فوق بعض للتجسس على الله . - لا تخافى ان الشياطين فى بلادنا طيبة .
( قال الراوى : ولما امتد صياح الديكة فى الافق الشرقى خطا فاصلا بين الخط الابيض والخط الاسود قام جميل لينصرف ) . - ارجوك يا جميل .. ارجوك لا تنصرف .. لا تنصرف جميل ..
جميل اننى احبك - تحبيننى . هه .. انت تكذبين . - جميل .. جميل عد الى ، احبك .. جميل احببتك فلا تتركنى . - لا تنسى طقوس القبيلة يا بثينة .. ارجعى الى زوجك قبل افتضاح امرك ها هاها . اعود اليها . تحبنى . ها هاها .
لقد آن للدنيا ان تمشى على قدميها . فقد مات جدى الطيب وآن لى ان ارفضك . لكم حفيت رؤوسنا لطول ما مشينا عليها و (( تفرطست )) : اقدامنا عندما اوكلنا اليها مهمة التفكير . والليوم آن للدنيا ان تمشى على قدميها وجاء دورى لارفض حبك . لاننى تعلمت كراهية الشرفاء اللصوص .
( قال الراوى : ومع الفجر دخل الحى رجل طويل اللحية قاسى النظرات فى حنان ، يرتدى سروالا عسكريا غير رسمى وقميصا احمر .. فى يمناه مسدس وفى اليسرى حمامة بيضاء رحل من زمان يبحث عنها فى جزر (( واق الواق )) ليربيها فى الحى وعندما مر بجماعة يلعبون (( الخربقة )) نظر اليهم شزرا فهمس احدهم : عجبا . انه جميل بثينة .. ).

