فتح على عينيه ونظر حوله فى ضعف وإعياء . فلم يتبين شيئا . لكأن الغرفة سكنتها أطياف وظلال : هى صورة من نفسه فتح فيها عينيه لينظر بحثا وتقليبا . وأغمضهما فى بطء وحذر وحاول أن ينظر في نفسه لعله يلم بكيانه ، بفرديته يعرف أهى غيبوبة أم بقية نوم ؟ .
وتقاوى وفتح عينيه ، فاتضحت له معالم الاشياء بحدودها وأوساعها قد تقلصت عنها الظلال وتبخرت بينها الاطياف : غرفة العائلة كما عرفها منذ ثلاث وعشرين سنة : دكان وجرار ، وآنية منها المعلق ومنها الملقي ، وثياب مكدسة أو متدلية من السقف . هى نفس الغرفة التى سمع منها ، منذ ست عشرة سنة ، صوت النائحة تندب أباه : لم يغير منها الزمان شيئا ولا حولها عن وظيفتها : قرار واستقرار وترفق وأناة .
وأنست عيناه النور الخفيف المنبعث من الباب لم يحكم غلقه ، فتحول نظره اليه ، ووقع على رؤوس الدجاج تظهر وتختفى من فرجته وكأنها تريد أن تتطلع إلى ما فى نفسه ، وأن تفهم عنها ما عجز هو نفسه عن كشفه . وألقى نظره من فوق رؤوس الدجاج ، فظهر له جانب من الزريبة : غبار وحصى ، وارنب ودجاج ، وجمل وحمار . لكأن سفينة نوح أرست فلم يبلها الزمان ولا تحول عنها ركابها : قرار واستقرار وأزل فى أبد .
فأغمض عينيه ، وتحرك ، ومد رجليه فاصطدمتا بالجدار ، فتيقن أنه لم يبق ذلك الطفل الصغير سمع النائحة تندب : وأحس برجليه أن لاقرار ولا استقرار ، فجزم بأن الزمان تحول وامتداد . ونظر من جديد قريبا من الحمار فلم يتبين الا نصف عجلة دراجته ساكنة ، مطمئنة . عند ذلك رجع الى ذاكرته يبحث عن سبب وجوده فى هذه الغرفة وقد فارقها هى وقريته منذ سنوات .
وتحرك فى فراشه ينشد الطمأنينة فأحس بالالم يطغى عليه وجس اعضاءه فظفر بالجروح والكدمات . وانقشعت الغيبوبة وأفاق وهمس بينه
وبين نفسه " كنت البارحة ضحية الاسد نعم ضحيته " الاسد " فى قرية ولدت فيها ، ورافقت الزمان بها ، واستقر بها أهلى وقرت نفسى بها وغبت عنها كارها مكرها ، ورجعت اليها آملا مختارا . كنت فيها ضحية الاسد بين أهلى وعشيرتى والزمان . " وجمد بين عينيه شريط رحيله إلى قريته متقطع الحلقات مشوش المشاهد باهتا ميتا كالزمان فى بلدته :
" رأى نفسه يغادر سوسة على دراجته بعد أن وضعت الحرب الاولى أوزارها وأطلق سراحه من الجندية . ويتوجه إلى قريته مسرعا إليها مؤمنا بنفسه وبتجربته : ثلاث سنوات عرف فيها الحياة ، و امن بالعمل ، وذاق ثمرة الجهد .
ويسير وعجلة الدراجة تدور وشريط افكاره يتحرك بسرعة . كله توق وأمل واندفاع : سيطالب بقسطه فى الارث . لن يرضى بالبقاء تحت الحجر . ان الزمان قد تطور فلن يستكين فى المستقبل إلى عمه وستتزوج الفتاة التى أحبها وأنكرها قومه . انه سيهز الحياة فى بيته ويجعلها تدور كعجلة دراجته . وينظر اليها وهى تطوى الارض وتقربه من قريته حينا بعد حين . ويصل الى الربوة المطلة على بلدته : آطلال للرومان قبع فيها الزمن وسكن فيها القرار فاطمانت ولا حياة ، ويسير ببطء ينظر الى بلدته عن بعد هادئة كعهده بها رضية غبراء ساكنة وإذا بشبح ينطلق من بين الاطلال ويقفز فى اتجاه على ، فيفقد على توازنه ويسقط فيسمع ضحكات مسترسلة كنبيب تيس فيها بحة الصدى ، ويتبين صوتا يقول :
يا على تقلبت يعطيك السلامة .
ويعود الضحك فيرفع على رأسه وإذا به أمام سيدي عمار ولى القرية : وجه أغبر أكلته لحية شعثاء وخطها الشيب ، وجسم نحيل غطته بعض الاسمال وسواد مفرط غطى سمرته وباقة من الفل سدت ثلث وجهه ، ذابلة مشوشة . فلم يجد على ما يقول وينظر إليه ويخاطبه مستفسرا يا سيدى عمار آش تعمل هنا ؟
وكأن الولي استغرب هذا السؤال فينظر وكأنه ينظر بعين الزمان وينطق وكأنه ينطق بلسانه : انعس على جنان بنت الرى
ويتذكر على سيدى عمار ولزومه لهذه الاطلال كأنه يحرس فيها شيئا عزيزا عليه ويتذكر الكرامات التى اشتهر بها ولكنه أصبح الآن لا يصدق بها ورغم ذلك فقد بقى فى نفسه اجلال لسيدى عمار كاجلاله لهذه الاطلال فينفض عنه الغبار ويصلح من حاله ويركب الدراجة فيصيح به سيدى عمار ؛
- يا على ما تجريش توه تتكسر كرايمك ابكر وست الريح هذى ومضى على ولم يلتفت ذاكرا حادثة اعتزال هذا الولي : لقد كان راعيا هاج عنده البقر يوما فتركه ومضى وسأله الناس فقال : - كيف كان بعقلو سرحت بيه أما توه يزى فيه البركة
وتململ على فى فراشه وأحس بقواه تضعف شيئا فشيئا وبالالم يزيد فتغلب على نفسه وعاوده تفكيره فى رحيله
فرأى نفسه يدخل بلدته آخر عشى ويسير ببطء وينظر من حوله الى الفلاحين مسرعين الى ديارهم فيشعر بأنه غريب بينهم وهم ايضا يستغربون دراجته فيسلمون عليه ولكنه يسير فيدرك قريبا من اقربائه راكبا حماره ووراءه إمرأته ماسكة بذيل الحمار تهرول فيوقف دراجته ويقف الحمار ، فيلمح على ساعة شدت الى رقبة الدابة فيستغرب الامر ويسلم على قريبه الذى بادره قائلا : - تستغرب ها المنقاله في رقبة البهيم
- تى بعده سى الهر لى العصام شرى منقاله ونهار كامل وهو يخرج فيها للناس وينشد فيهم على الوقت وحتى حد ما نجم يدلو . عاد ماني نشرى لبهيمى منقاله أنا زاده . ونقللك الحقيقة راهو بهيمي هذا أذكى بياسر من الهرلى . ما ريتو
حتى مرة لنششد الناس وهاهوكه يخزر وحدوه بالساكتة ما يقلق حد . والله حتى أنت زاده قداش تعرف تددكك - ونقل لك حويجه أخرى : المنفاله ما تعمرتش بالكل من نهار إلى تشرات تى بالله آش تصلح هنا . ويلتفت على الى زوجة قريبه فيجدها تبتسم فيرد الزوج : شفت لله الشبابه كيفاش شاده بعبوص البهيم . هاهيكه تمشى مريفله هى زاده كالمنفاله . لو كان ريتها توه النهارين كيفاش كانت امتلتلة تتحدث مع النسايات ! تعرفش علاش ولآت معايه لاصقتني . - لا ما نعرفش . نحيتلها الحلي متاعها الكل وخليتها زبنطوطه حتى ولات ما تلقى ما تورى للنساء . هاهيكه شاده جنبى توه .
ويستغرب على ما قاله الرجل كأنه نسي قريته وأهلها وينسحب مسلما وقد انطفأ حماسه وتوقف أمله كتوقف عقارب الساعة فى رقبة الحمار . ويحس بتوقف عجلة الزمن فينزل من دراجته ويسير ثقيل الخطى منهكا ويمر بالشيخ " الاختل " على حمار عاج عن الطريق يأكل الحشائش والشيخ منحن لا يتحرك ولا ينهره وقد تزحزحت البردعة حتى وصلت رقبة الحمار ويتذكر أن الشيخ رفيق بالحيوان وانه يترك حماره يفعل ما يشاء لا يهمزه ولا يكلمه فلا يهمه متى يصل المنزل . وهل يعرف الشيخ " الاختل ، المتى
ويحس بالندم يتطرق اليه فيثقل خطاه ويود لو يرجع أدراجه ولكن أصواتا رفيقة وهينمة ليست ببعيدة تطرق سمعه فيقشعر بدنه ويتوقف قليلا وإذا به يرى فى أقصى الشارع جمعا غفيرا يتقدم فى بطء أمامه رجل ذو وقار عمامته كبيرة أحنت رأسه وجبته مطرزة أشنع تطريز وشارباه طالا فأوقفهما فانطلقا من وجهه كسهمين . ويقترب على من الجمع فيتعرف الى القوم فإذا هى محضرة بن عيسى ، أعلام صفراء وحمراء وخضراء تخفق فيها أهلة وتصاوير شتى وتمائم عظيمة تتدلى وصفوف من البشر متراصة متقدمة تنحنى فى تؤدة على نغمات الدربوكة ، والبنادر النقرات رفيقة بطيئة
والرقصات موقعة منغمة ، والقوم يتطاولون حينا فيقفون على أصابعهم وينحنون حينا اخر انحناءة طويلة عنيفة تختلط فيها " شرابات " شاشياتهم مع شواربهم المفتولة ومن ورائهم قدماء " الحضرة " يغنون فى أصوات رهيبة ، غليظة ، نابية يا محمد يا بن عيسى يا مولى مكناس .
ويقترب القوم من منزل من المنازل . فيقفز " فحل بن عيسى ، أمام الناس جميعا ويخرج يديه من طوق جبته ويصفق صائحا : " هود ، فتصيح الزكرة " وتسرع الضربات على " الدربوكة ، والبنادر ، وتتغير النوبة وتشتد الرقصة ، ويدخل القوم المنزل وهم فى " هيضتهم " وقد انخرمت الصفوف وتشتت الجموع ويدخل على وقد جرفه السيل وخلصه من دراجته . حينذاك تشتد الضجة وتتعقد مهمة شاوش الحضرة فهو يهدىء هذا ويعين ذاك : هذا آكل العقارب يكشر عن أنيابه ويقفز قفزات مريعة تشجعه عليها " البنادر " و " الدربوكة " حتى يدب فيه التعب فيقترب " الشاوش ويهمس فى اذنه همسات ويتفل على جبينه فيهدا . وذاك تآخذه الرقصة فيأخذه الشاوش ويدخل في خده مخيطا يخرجه من الخد الآخر فيمسكه صاحبه بأسنانه ويدور دورات حتى يلتقفه الشاوش ويجذب المخيط جذبة ويهمس همسة ثم يطلقه وديعا ساكنا .
ثم تختلط الاصوات وتشتد الضربات وتقرقع " الدربوكة ، وتبح الزكرة " وترعد " البنادر ، وتلتف الاعضاء بالاعضاء وتصطدم الاجسام بالاجسام . فيخرج صاحب السيف كاشفا عن بطنه مرعدا مزبدا ويأخذ في ضرب بطنه بصفحة سيفه حتى يرفق به " الشاوش " فيقفز قفزة ويفتك منه سلاحه ويرقيه رقية تزيل " هيضته "
وينظر على من ركن من أركان المنزل فيتذكر جعجعة الرحى تدور ولم طحن ويتصور الزمان فى القرية يدور ولا تحول . وبينما هو فى خواطره غارق إذا بأوراق من " الهندى " تفرش وإذا بشخص يكاد يكون عاريا يرتفع إلى أعلى وينزل على ركبتيه متمرغا في الاشواك لا يبالي ، متسلحا ببركة سيدى بن عيسى ، ويتوالى القوم على زربية الاشواك متمرغين متبركين ، حتى يسعفهم " الشاوش ، ويرقيهم ويهدىء روعهم فتأخرون فى أسوإ حال .
ويفتر القوم وتتوانى الضربات وتبح الاصوات فيقفز " الفحل ، وكأنه لم يفتر فيصفقق شديدا ويصوت قويا فتعود الهمهمة وتشتد القعقعة وإذا بزئير يسمع وضربات تدوى فيلتفت على فيرى رجلا يمشى على اربع يكشر عن أنيابه ويزار أو زئيرا منكرا وأمامه قطعة من اللحم لم تمسها نار يقطعها بأسنانه والناس من حوله يتدافعون خشية صولته وخوفا من قفزته . هو أسد الحضرة .
ويتملك على الاستغراب فيخرج سفيرة ويشعلها . وإذا بالمقدم يخرج عن وقاره ويمسك عصاه ويصيح - يا كلب . ياكلب تتكيف . . ارمى السيفارو . وينزل على على ضربا . فتتحول أنظار القوم ويزمجر " الاسد " ويقفز ويطرح عليا أرضا ويشبعه عضا ولكما حتى يغيب عن الوجود وأفاق على ونظر حوله ثم تحامل على نفسه وقفز قفزة أصلح بها من حاله وخرج الى الزريبة فامتطى دراجته ومضى .

