- 1 - كريتون (1): ياكلينياس(2) هل رأيت سقراط قادما الى ساحة السوق فى هذه الساعة المبكرة من النهار ، على خلاف عادته ؟
كلينياس : نعم يا كريتون انى رأيته هو ذا يمشى فى الطريق رافعا رأسه مثبتا خطاه فى الارض رغم ثوبه المرقع ورقة حاله . منظره دميم مفزع . هل تستقر الحكمة فى هذا الوعاء ؟
كريتون : لا يخدعك - يا ابنى - مظهره . فالنفس التى سكنت هذا الجسم نفس زكية . مثله مثل تلك القرب السوداء الخشنة يملأها الفلاحون بأجود خمورهم ، فيطرحها الخمار فى زاوية من حانوته ليخص بخمرها من توسم فيهم الظرف والذوق . فاذا حل عقالها عم أريجها الندامي وذبلت لنشرها انوار المصابيح . كم من رجل التقى بى أول مرة فأحس مثلك بالقلق وصدمته كلماته الاولى لانه يتصنع الصلف والاثارة . ثم وجد نفسه أسيرا لسقراط . قد أسره هذا الذي تراه بسحر بيانه وحلاوة لسانه .
كلينياس : سمعت عنه الكثير يا كريتون . قيل لى انه بليغ قوى الحجة انا شاب طموح أريد أن يكون لى صيت في هذه المدينة ونفوذ . ولا يتأتى لى ذلك الا بالقدرة على حبك الحجة وصوغ الكلام . أطلب من صاحبك سقراط أن يعلمني الكلام .
كريتون : عليك بالسفسطائيين - يا ابنى - قدموا الى مدينتنا من كل حدب وصوب وعددوا فيها حلقات الدرس يعلمون الشباب كيف ينفذون الى قلوب الناس بواسطة الخطاب المقنع ويلقنونهم الطرق والمناهج لتغليب الحجة الضعيفة والدفاع عن القضية ونقيضها حتى يسايروا تطور الاوضاع وتقلبات السياسة اذهب الى احدهم - فكلهم سواء - حتى تضمن لنفسك مستقبلا فى تسيير شؤون المدينة .
كلينياس : كريتون قيل لى : ان سقراط من فصيلتهم ولكنه بزهم وهزمهم فى كل جدال . فانا افضل أن يعلمني امهر الجماعة فى صناعة الكلام
كريتون : لم يكن أمهرهم في طرق الخطاب وأساليبه ، ولن تفوق عليهم بما هو أرقى من صناعة الكلام . سوف ترى . هلم اليه . . .
صباح الورد يا سقراط ! ما الذى أتى بك مبكرا الى السوق ؟ أراك أشعث أغبر قد غسلت وجهك على عجل . تحرك رأسك وتنظر الى الناس شزرا تذكرنى فى هيئتك يوم انهزمنا فى ساحة القتال . فبقيت في المؤخرة شاهرا رمحك ، تحملق بعينيك الى الاعادى الظافرين ، فينفضون من حولك كما لو كنت أسدا فى غابه . ما الذى جرى لك فى هذا الصباح ؟ هل طردتك الحرم . المصون من البيت ؟
سقراط ( : نعم - يا كريتون - ركلتني كسانتيب (4)عند صياح الديك وسحبتنى من رجل وقالت : قم اسع للرزق يا كسول يا وسخ ! وأي رزق يرجى من وراء سعيك ؟ تتسكع طول اليوم فى أزقة أثينا عارى الرأس حافى القدمين ، يتبعك الاوغاد من أهل المدينة . ينسبون لك الورع والفضيلة والحكمة . يسمونك سقراط الحكيم . أنا اعرف الناس بك . التزمت دورا في مسرحية أنت مخرجها وممثلها الوحيد . أما آن لك أن تنزل من الخشبة
اعتدت - يا كريتون - صراخها وخصامها وهجرتها فى الفراش منذ عشرين سنة ، ولم أعبا يوما بما تقول . ولكن كلامها اليوم كان له وقع فى نفسى وجرس فى صدرى . زهدت في لذات الحياة جميعها لانقطع الى المعرفة واتحلى بالفضيلة . هل كان ذلك منى مغالطة وعبثا ازاء نفسي وازاء الناس ؟ هل أنا ممثل لم يتملص من دوره ؟ لذلك ترانى - يا كريتون - قلقا ثائرا . هل نفعت نفسي حقا وهل نفعت الناس ؟
كانت أمي قابلة تساعد الحوامل على وضع اطفالهن . كانت واثقة من نفسها ماهرة فى صناعتها . فاردت أنسج على منوالها فساعدت الناس على شرح ما هو غامض فى صدورهم وعلى توليد أفكارهم . فهل وفقت كما وفقت أمي؟
يا كريتون ! ما انتبهت . ظننت أنى واياك على خلوة فأرخيت عنان الحديث قل لى ! من هذا الشاب الذى يصحبك ؟ يقفز يمينا وشمالا يحاول أن يجلب الانتباه كأنه جرو كلاب .
كريتون : يا سقراط ! هذا كلينياس شاب ثرى من شبان المدنية له اليك حاجة .
كلينياس : يا سقراط ! أريد أن يكون لى حظ فى هذه المدينة وشهرة ونفوذ . علمني كيف أخاطب الناس لاقنعهم وأنفذ الى قلوبهم
سقراط : يا هذا ! مدينتكم أكلها الكلام وغمرها فيض الكلام وقوضها الكلام . أما كفى ؟
كلينياس : يا سقراط ! أنا شاب طموح أتوقد حياة فأريد أن يكون لى مستقبل فى هذه الامة . ولا يتسنى لى ذلك الا بالكلام . وانا عازم على ان اكون فى فئة الاقوياء . وأرفض أن أكون فى زمرة الضعفاء المستضعفين . ولا قوة الا بالكلام . علمني كيف أغلب الحجة الضعيفة على الحجة القوية بسحر الكلام
سقراط : الامساك والسكوت افضل . الحق لا يحتاج الى الكلام ، والخير يسعى اليه فى صمت ، والجمال يغشيه الكلام وتلوثه الثرثرة
كلينياس : ولكنك - يا سقرط - قد علمت مريديك حبك الحجة والافصاح بالقول .
سقراط ربما كنت في ذلك مخطئا . كنت أظن أن الكلام يوصل الى معرفة الحق ويغلب الفضيلة على الرذيلة ويساعد على الاحساس بالجمال . طمحت الى
نسخير الكلام ففشلت . وكنت انتقد السفسطائيين لانهم مرتزقة يبيعون المعرفة ويتلاعبون بالكلام . ولكن استعملت طريقتهم للدفاع عن الحق والدعوة الى الخير فخذعني القول وسقطت في أحبولته . واختلط الحق بالباطل
انظر الى هذا القوم . توزعوا فى هذه الساحة ليقضوا شؤونهم فى الصباح الباكر . انهم لا يتكلمون الا نادرا . لا يتكلمون الا بمقدار الحاجة الى الكلام . وما عدا ذلك تكلف وترثرة وعبث . هيا بنا نخط بعض الخطوات معا .
- 2 - الاسكافي : سقراط ! يا سقراط ! اسمعني ! التفت الى . تفضل . اجلس معنا . ما رأيتك يوما تلبى دعوتى فتنتظم فى سلكنا . ونحن مواطنون لك نرغب فى معاشرتك
سقراط : أنا أحب التجول في الساحات والازقة وأبغض القاعدين . يلتف حولك جماعة من مختلف الطوائف والفئات لا يجمعهم الا غث الكلام وباطله والحقد والسعاية والنميمة والنقمة على الاوضاع الراهنة . يجترون الماضي ويعرضون عن الحاضر ولا يتصورون المستقبل . دعنى اكتشف فى تجولى ومراقبتى للعابرين أولئك الذين ينزعون الى تهذيب أنفسهم وتحمل مسؤولية ايامهم ؟ فحديثي معهم أجدى وأخصب
الاسكافي : تجاوزت الحد - يا سقراط - ! ومزقتنا إربا وما عهدناك هكذا . ما الذى جرى لك اليوم ؟ فقدت الرصانة والاعتدال والتسامح وهي من شيمك .
سقراط : يا هذا ! اني ابغض الاقوام اذا كانت خليطا لا تجمعهم مصلحة ولا مبدأ وأمقت القول اذا كان سفها لا ينم عن احساس ولا يرمى الى غاية
الاسكافي : يا سقراط ! إذا توسلت اليك لتقضى لى حاجة فهل تسعف المستغيث ؟
سقراط : هات ما عندك الاسكافي : فقدت رجلى اليمنى اثناء الحرب التحريرية وكنت اتقاضى مقابلها منحة شهرية قرروا تخفيضها بمقدار الثلث ولا ادري لماذا . ورفعت
ظلامي الى محكمة الشعب مرتين ولم انصف . فهل لك ان تتوسط لفائدتي لدى المسؤولين وعظماء الامة حتى يرفع عني الضيم . انهم يجلون فيك المفكر ويخشون سلاطة لسانك .
سقراط : اخرس يا رجل ! ان الشعوب تمقت قدماء المحاربين . غلبنا الفرس وحررنا البلاد وطوينا السجل . اعتن بصنع الاحذية ورتق النعال . فذاك أجدى لك .
الاسكافي : ولكن يا سقراط ! أنا طالب حق . دعيت فأجبت . وطلب من بذل النفس فبذلت . قل لى ! لماذا ألقى حاكم المدينة فى الاسبوع الماضي خطبة طويلة مؤثرة لتمجيد من سقطوا فى ميدان الشرف دفاعا عن الوطن . وضعوا التوابيت أمامه صفوفا مرصوصة . وكان يخاطبهم كما لو كانوا احياء وكان صراخ عائلات الضحايا وبكاؤها يقطع خطابه . لماذا هضموا حق ؟ ألم أعرض - أنا ايضا - بحياتي في سبيل هذا الوطن ؟
سقراط : الفرق بينك وبينهم أنك حي وهم ميتون . ثم ماذا ؟ ألم تلاحظ ان أولئك صرعوا فى متاهات حرب أهلية احتدمت بين شعوب يونان ولا يعرف احد أسبابها ولا منتهاها ؟ ألم تتفطن الى ان الخطبة احتوت على فقرات كاملة من مرثية ألقيت منذ ثلاثين سنة أمام توابيت من سقطوا في الحرب ضد الفرس ؟ تحولت الاوضاع ولم تتبدل المقالة . المسألة مجرد قيام بمراسيم موروثة .
الاسكافي : اذن بقى لى أن أرفع أمرى الى الآلهة عليهم ينصفوننى
سقراط : ذاك أفضل واتقى . ولم يبق لك من العمر الا سنون معدودات ستقابل بعدها قضاة الآخرة . ولا شك انهم سينصتون اليك ويقتصون لك أما الآن فحاول أن تقضى ذيل العمر هذا فى هناء وراحة بال .
الاسكافي : ولكن يا سقراط ! - ألا يعترف الناس بأن جيلنا هو الذي حرر المدينة من غزو الاعادى وكسب لها مناعتها ؟ ألا يعترف الناس بانه كان له دور وأى دور فى ازدهار هذه المدينة وعزتها ؟ ألم يقر أحد منكم بأنا آمنا بها وصمدنا عندما انقطع الرجاء . زحف الاعداء وكانوا كالنمل عدا وأحرقو المدينة بأكملها . ولم يبق لنا فى كامل هذا الوطن شبر من التراب يضع فيه واحد منا قدمه . ألم نركب السفن لمجالدته فى البحر ؟ ألم نقل : ما دمرت
اثينا ما دمنا أحياء . تحيا أثينا ما حيى أهلها ؟ ألم نرفع أصواتنا بالنشيد كالرجل الواحد عند بزوغ الشمس فوق سطوح السفن لننقض على أسطول الاعداء وندمره تدميرا ؟ ألم نغلب الفرس ؟
سقراط : نعم . كل ذلك جرى فى الزمن الماضي . ولكن هل غلبنا الفرس حقا ؟ انظر الى من حولك من القاعدين والى المارة فى ساحة السوق ، واسأل أيهم شئت : من أعظم ملك في العالم ؟ سيجيبك بلا ريب : ملك الملوك اى ملك الفرس . وانظر الى ثيابهم وزينتهم . ألم تلاحظ أنهم يتشبهون بالفرس اسألهم عن أرقى حضارة في العالم واسمى ثقافة فسيجيبونك ان حضارة الفرس انموذج يحتذى وان ثقافتهم هى الرائدة . اسألهم عن أنفسهم ونظمهم وقيمهم وتصريف شؤونهم فسينهالون عليها نقدا وشتما واستنقاصا . بضائع الفرس قد غصت بها المدينة يتشاجر الناس لاقتنائها ومؤلفاتهم فى كل علم وفن تملأ دكاكين الوراقين . انظر الى الصيارفة أمامك . أما رأيت أكداس الدنانير الذهبية الفارسية فوق المناضد ؟ أين دراهم اثينا التى نقشت عليها انبومة ؟ اكتسحتها خيل فارس المضروبة على الذهب الابريز . ساستنا يتهافتون على بلاط ملك الملوك ويتجشمون أتعاب السفر لطلب النصيحة واستجداء المساعدة . ملك الفرس قلوبنا ولو انسحب عن أراضينا ولم يستعبد اجسامنا . وما حيلتنا مع من ملك القلوب ؟ السلام عليكم.
- 3 - تخلص سقراط من مريديه الذين انهالوا عليه بأسئلتهم وغمروه بشواغلهم راغبين فى النصح والتوجيه . وانسل من ساحة السوق يروم العزلة
واعترضت طريقه حديقة صغيرة طاب له ظل اشجارها واغراه سكونها فأخذ يجوب مسالكها وينظر الى اغصان الشجر
وكان يرفع رأسه أحيانا فيرى المعابد والقصور القائمة على الربى المحيطة وقد جللها الكلس وكساها المرمر
ووقف منتصبا غارقا فى تفكيره يخاله المرء صخرة منصوبة . كان يستطيع أن يمكث هكذا ساعات طويلة دون أن يبدى حراكا . وكان الناس يعرفون ذلك عنه . فيتحاشون ازعاجه ويقولون : دعوه ! لقد زاره شيطانه
ولكن سقراط - عندما انقطع يومها عن السير - لم يزره شيطانه ليواصل معه ذلك الحوار المتسلسل الذي تمادى عشرين سنة .
كان سقراط يحس بثغرة وقطيعة وانقطاع وحي اسباسى(5): صباح الخير - يا سقراط ! - ما عهدتك تميل الى النزهة وتعتزل الناس وتلتجيء الى الحدائق.
سقراط : صباح الورد - يا اسباسى ما أجملك ! لم يعضك الدهر كما عضنى ولم تنل منك الايام . أنت ممشوقة القد كشجر السرو الذي يهزأ بالريح وقد انحني منى الظهر تجر ذيل مرطك على الارض فى بهجة واناقة كما لو كنت أميرة فى بلاط فارس . أنت أجمل زهرة فى هذه الحديقة
أسباسى: سقراط ! هل أنت تغازلني أم تغبطني على النعمة ؟
سقراط : هذا وذاك : عرفتك صبية ناهدة قدمت الى أثينا من آسيا تبحثين عن عمل ترتزقين منه . وقد تخرجت من معهد بلاغة فى بلدك . وقيل لك سوق الكلام نافقة فى بلدنا . فقصدتنا مثلما قصدنا غيرك من صناع الكلام فكنت أراك فى الازقة والساحات تحاولين تعليم الناس أسس البلاغة ومناهجها . وكانت بك رطانة . فكان الناس الملتفون من حولك يزدحمون مندهشين لفرط جمالك وفيض حماسك . ولكن عندما ترجع لهم أنفاسهم ينفضون من حولك مبتسمين باحثين عن غيرك
وكنت أنا ايضا مبهورا بجمالك معجبا ببلاغتك مندهشا لجرأتك واعتدادك بنفسك .
ما تفطنت أن الرجال يأبون أن تعلمهم امرأة وان أخواتك في كامل بلاد يونان مقصورات فى البيوت لا دور لهن فى الحياة العامة . سبقت زمانك - يا أسباسى وما كنت شاعرة .
ولما كسد سوقك اشتغلت بالسياسة وسلكت معابر الحكم . وكنت أقفو خطاك وابارك نجاحك ولم تغيبي يوما عن بالى .
أسباسى : اذن أنت تحبني . وما بحت بما فى جنانك الا فى ذيل العمر ماذا أصنع بشيخ مثلك ؟ سقراط : غزل الشيوخ الطف وأعمق . ألذ ما فى الكأس الثمالة عندما كنا في مقبل العمر كنت أخشاك لانك من جنسي ومن فصيلتي الحديد لا يألف الحديد . خفت أن تصرعينى أو أصرعك فتزول الالفه ويمحي الانس
أسباسي : لذلك فضلت أن تتزوج من امرأة حمقاء بسيطة . كيف حالها وكيف كانت الالفة ؟ سقراط : ما ألفتها وما ألفتني . هى شمطاء غضوب . لا يروق لها سلوكى ولا تدرك مقاصدى
أسباسى : ألم تعرف هذا عنها من البداية ؟ لماذا أقدمت ؟ سقراط : أردت أن أكسب فرسا جموحا حتى التذ بنخوة ترويضها أسباسى: يا لصلف الرجال وحمقهم تظنون أن المرأة مطواع لزجة تسبكونها كما عن لكم . واذا حرنت وفكت العقال اعترتكم بهتة .
سقراط : وقعت من صهوة الفرس منذ زمان . وامسينا نسير جنبا الى جنب . هي رفيقتى على الدرب الطويل أسباسى : لماذا لم تسل ثيابك من ثيابها ؟ سقراط : لقد أنجبت لى البنين . وابنائى قرة عيني . لن اموت وحيدا . سيحيطون بى عندما ياتي الاجل المحتوم
أسباسى : أنت كبير العقل - يا سقراط ! - فكيف تتحدث كالفتى المراهق . كلنا يقابل الموت وحيدا . صبرك على تحمل كسانتيب له دافع آخر .
سقراط : نعم . الاحترام المتبادل . . . ولكن دعنا من كسانتيب غفرت الآلهة لى ولها ولم يبق لنا الا ان نرجو ثواب الآخرة . وذريني أداعبك . ذريني أغازلك . علنى أحيى ما مات فى النفس . أنت طويلة بيضاء واخواتك قصيرات سمراوات . اسمحي لهذا الشيخ البدين القذر أن يغرق فى عيونك الخضر .
أسباسى: الا ترعو يا شيخ ؟ لا تتعابث ولا تتخابث ولا تحاك كلام الصبية وصغار العقول . أنت رجل كبير فى نظري وفى نظر الناس سقراط : أجد فى ذلك راحة ومتنفسا . اليوم خلعت العذار بعد كبت طويل وطرحت عناء الفلسفة .
أسباسي : لماذا لم يستهوك الا شكلى ولم تؤثر فيك الا مفاتني ؟ أنا انسانة احس بما يحس به الرجال . لماذا لم تخاطبني بما تخاطب به الرجال ؟ لماذا لم نجادلني لاستكشاف ما تنطوى عليه نفسي ؟ سقراط : تعاطيك السياسة علمك الحدة في القول . لقد تعبت وسئمت وأصبحت أشك فى جدوى الجدل . الجمال يسمو بالنفس مثل الحق والفضيلة وانت للجمال آية .
كلما اعترضتني دهشت وفزعت والجمال مفزع - يا أسباسى
هل شاهدت صنم أثينا الاهة المدينة وحامية الامة فى معبدها فى أعلى هذه الربوة المطلة علينا ؟ هل شاهدتها فى ناووسها فى أقصى المعبد عند مطلع الفجر ، وقد أضاءتها أشعة الشمس النافذة اليها من الكوة فانعكست على الذهب والعاج ، وكستها هالة ملونة هادئة ؟ انها جميلة مذهلة ، ولكنها تبعث الروع فى النفس وتذهب بالعقل لان حقيقتها التى لا تدركها الابصار رابضة من وراء الهالة . انك مثلها لغز وطلسم وما طمعت يوما فى فك الالغاز والطلاسم ولكن أتحسس . .
أسباب : سقراط ! أفق طوحت بك الاحلام . ادن مني ابح لك بسر . كنت اقول فى نفسى لما رأيتك أول مرة : لو التقت الحكمة بالفتنة لاهتزت الارض ولحدث فى الدنيا حدث . ولكن ما الفائدة فى الحنين الى الفرص الضائعة ادن مني - يا رجل - فأنت أعز عندى من حبة العين
سقراط : اقترب منى - يا اسباسي ! - واقرني خطوى بخطوك حتى ينقطع عني الوسواس وتزول الغمة . انى أشعر بالضيق فى هذه المدينة . عرفت جميع دروبها وسككها ولم أغادرها أبدا الا اذا دعيت للنفير فاقبض على رمحى وأشد ترسي وانضم الى صفوف المقاتلة . لم يكن بيتي الا جحرا آوى اليه فى ساعة متأخرة من الليل وأغادره عند بزوغ الشمس . لم أشعر فيه أبدا بالاستقرار والسكينة . راحتى وسعادتى أن أتجول فى أرجاء مدينتى فهي محيطى ومستقرى
فلماذا ضاقت بها نفسي اليوم ؟ تعرف قدماى كل منخفض فى طرقها وكل مرتفع . وتعرف متى يلين التراب ويبرد ومتى يتصلب فيلهب الاقدام . أنا اعرف أين يكمن الظل وأين تحرق الشمس . أنا اعرف أين تهب النسمات واين ينقطع النفس . أنا لا أتوه فيها فى الليلة المظلمة ولا احتاج فيها الى سراج . هديي طعم الهواء الذى أتنفسه وروائح الاطعمة عندما تلتف الاسر حول الموائد وراء الابواب الموصدة أو نغمات تصاعد فى الفضاء وتهوى الى أذنى كالفراش التائه .
لماذا أشعر - يا اسباسى فى مدينتى كأنها تغيرت فى وجهى ؟ اسباسى : لم يتغير فيها شئ - يا سقراط ! - لقد تجددت ونمت وازدهرت وكل حي ينمو - يا سقراط ! - هون عليك . أراك ترتعد كالفرخ الازغب فقد أمه . ان الجويرية الناهدة أصبحت حسناء فاتنة
سقراط : الفرق بين النمو والتنكر للذات دقيق لطيف لا تدركه الابصار بيسر . ارمي بعينيك الى هذه المعالم وهذه الشوارع . انظرى الى هذه المدينة ألم تلاحظي أنها تغيرت كليا .
عاشرتها طويلا ولا ألقى الكلام جزافا . مثلى مثل ذلك العاشق الذي يكتشف يوما وبصورة مباغتة أن المرأة التى أحبها وعاشرها اصبحت غريبة عنه ولو لم تتبدل هيأتها ولم يتغير سلوكها نحوه . لقد تغيرت في أعماقها وأخذت تبتعد عنه شيئا فشيئا الى ان انكشف الامر يوما لها وله فى آن واحد . فكانت الوحشية والقطيعة . لم تنتم المدينة ولم تتطور ولكن أعيد تشكيلها وبناؤها على قواعد أخرى .
اسباسى : سقراط ! افصح ! سقراط : انظري من حولك . سكك مستقيمة واسعة ومرمر أبيض ناصع بلفظ النور وضوح بلا حياة وواقع مسطح بارد لا خلفية له ولا أبعاد
كانت مدينتنا قبل ان يحرقها الفرس مدينة من خشب تمتص النور وتحوله دفئا وحرارة . وتحتضن أهلها فى منعرجات الازقة حيث تمتزج الاضواء بالظلال ، فتكسوها نورا مريحا منعشا ، ذبذباته هى نبضات الحياة الكامنة فى دورنا المتلاصقة المتراصة
لماذا كشفوا حالنا وعرضونا للرياح وسطوة الشمس الساطعة ؟
أسباسى : ان الذين أعادوا بناء المدينة هم تلاميذك اهتدوا بتعاليمك وسلكوا منهاجك ألم تدعهم الى القضاء على التقاليد وبناء حضارة جديدة أساسها العقل المفكر الذي ينحت الواقع نحتا ؟ هذه المدينة من صنع العقول التي أيقظتها . سقراط : ولكن انظري كم دمروا وشردوا لتنفيذ خططهم واقرار نظامهم النتيجة اعتداء على كرامة البشر وجور وقضاء على تراث الاسلاف . العقل الذي دعوت اليه ليس هذا الذى أرى آثاره . العقل طريق الى الفضيلة واعتدال وسماحة خلق وسعى الى الخير
أسباسى: لعبت بالنار - يا سقراط ! - وما علمت ان تعاليمك اذا علقت بعقول شابة طموحة تشوه وتسخر لعكس ما قصدت . لان السعى الى الخير رياضة عسيرة لا يقوى على احتمالها الا فئة قليلة . والشر اقرب الى الفطرة ما تفطنت أن وراء كل جبار عنيد فيلسوفا أراد الخير فحصد الشر . أنا فضلت السياسة . سقراط : وهل تظنين أن ممارسة السياسة فى معزل عن العقل والمنطق ؟ أسباسى : لا ادعي هذا . ولكن السياسة تسخر العقل لاغراضها وهي اغراض دنيوية
سقراط : ورضيت بهذا - يا اسباسى ؟ أسباسى : وماذا تريد مني أن أصنع ؟ أنا الغريبة لفظتني سفينة على هذا الشاطئ . فارغمت على استغلال مفاتني واعمال ذكائى ودهائى لاحتلال مكاني بينكم . واسعفني الحظ . وكان من المحتمل أن لا يسعفني . أنا حظية حاكم المدينة ادعى لديه فى الملمات واكتب له الخطب . يغبطنى بعضهم ويشتمنى البعض الآخر . لا يجرؤ أحد عليه . ولكنهم يرشقون البطانة بسهامهم . وانا من البطانة . والآلة وحدها مطلعة على واقع الامر . ولكن لا يهمني من امرهم شئ ما دمت أسير بين ظهرانيهم مرفوعة الرأس سقراط : هل أنت مرتاحة لوضعك ؟
أسباسى : لم لا - يا سقراط ؟ لو لم يسعفني الحظ لبيقت أنا الغريبة المتشردة - أتجول فى سكك المدينة نافخة فى مزمارى عل صاحب عرس أو وليمة يستأجرنى لالهى السمار والندامي . . . انا راضية بحالى . .
سقراط : هل أنت سعيدة - يا اسباسى ؟ أسباسى : السعادة وهم من أوهام الفلاسفة . لم أطرح هذا السؤال يوما على نفسي . يكفى أن أتنفس ملء صدرى ، أن انعم كل يوم بنور الشمس ، أن أنام كل ليلة نوما هادئا لا أحلام فيه ، أن يلتفت الناس الى عندما أمر في الطريق . لاحظ - يا سقراط ! - اني سأشعر بالوحشة يوم يمر الناس دون أن يلحظوني . وسيأتي ذلك اليوم لا محالة ولكن أبغض أن أفكر فيه .
وهذا لا يعنى أني لا ارتاح اليك الآن . ربما أسرجت في نفسي فتيلة ظننت أنها انطفأت منذ زمان سقراط : لو عرضت عليك مغادرة هذه المدينة والهجرة مع الى بلد آخر فهل تستجيبين لى ؟
أسباسى : الى أين يا سقراط ؟ وأنا الغريبة المهاجرة . فهل ترانى أشد الرحال مرة أخرى ؟ ولماذا ؟ لاشق طريقي من جديد . عجبى منك . وانت انت . هل تستطيع بعد أن صلب عودك أن تترك ما أنت عالق به بجميع جوارحك ؟ جننت يا سقراط !
- 4 - سقراط : هيا بنا - يا فايدروس ! ( 6) - نتوجه الى ضفة الجدول في هذا القيظ . هل رأيت شجرة الصفصاف تلك . لنقترب منها فنجلس في ظلها هل رأيت هذه النبتة التى عانقت الشجرة وتسلقت من جانب ثم تدلت إلى الارض بأغصانها الرقيقة الناعمة ؟ وهل رأيت هذا العشب الاخضر الناعم الذى يمتد كالبساط ينحدر برفق الى الماء ؟ تلك الخميلة تدعونا اليها .قف بنا واجلس أما أنا فانى سأتمدد على هذا البساط الرقيق وأدلى قدمي في مجرى الماء . انظر - يا فايدروس ! - الى هذه الطبيعة الجميلة الهادئة . انها لا تعرف الغدر ولا المغالطة . تبدى لك محاسنها الظاهرة بكل بساطة وتتمنع عن ابداء ما خفى منها حتى تترك لك متعة استكشافها وابرازها . اغمس مثلى قدميك فى الماء ألم تحس بنعومته وبرده فى هذه الظهيرة ؟ ان وظيفته أن يبرد في هذه الساعة
القاسية من النهار حتى نجد ويجد غيرنا متعة فى شربه أو غمس قدميه فى مجراه . ما دامت عين الماء فوارة سنجد ماء الجدول فى مثل هذه الساعه بارد منعشا كاليوم وهل تسمع - يا فايدروس - غناء الصراصير ؟ ان صريرها رغم حدته لا يمزق السكون . انه يعمقه ويجعلنا نحس اكثر بالهدوء والسكينة . ان نبراتها لم تتغير منذ بدء الخليقة فاصبحت ملازمة لهدوء الظهيرة
لا تباغتك الطبيعة ولا تقلب لك ظهر المجن مثلما يفعل الانسان فايدروس : يا سقراط ! يا صديقى ويا أستاذى ! بلى . قد تغيرت الاوضاع من حولك وأحسست انا بالخطر . فاحببت أن اخاطبك بمعزل عن الناس في هذه البرية وفي هذه الساعة التى يؤوى فيها الناس الى بيوتهم للقيلولة سقراط : ما هذه المقدمات - يا فايدروس - افصح
فايدروس : لم يعد الناس ينظرون اليك نظرتهم الاولى الى فيلسوف أثينا ومرشد الناس . ولو ان معاملتهم لك لم تتغير فى الظاهر سقراط : من الطبيعي أن يسأموا من الحكمة ويضيقوا ذرعا بالاستقامة وأي حمل أثقل على صاحبه وعلى الناس من الاستقامة ؟ فايدروس : المسألة أخطر مما تظن . دب السعاة فى أرجاء المدينة يدعون انك تفسد الشباب وتدعو الى انتهاك حرمة آلهة أثينا
سقراط : وما قولك أنت - يا فايدروس ! - فيما ينسب الى ؟ فايدروس : كذب وافتراء سقراط : اذن دعهم يسعون ما دمنا على حق وهم على باطل فايدروس : ولكن - يا سقراط ! - ألم تعلمك الحياة أن الحق ضعيف كثيرا ما يغلبه الباطل
سقراط : نعم . أعرف ذلك جيدا . ولذلك دعوت الشباب الى نصرة الحق الضعيف ودحض الباطل المستبد بصقل القريحة واعمال العقل واستعمال المنطق السليم . كنت أعتقد أن الاقناع كاف لكسب أنصار للحق وان صقل الذهن يؤدى حتما الى مقت الباطل
ربما بالغت في الدعوة الى سلطنة العقل ولم أتفطن أن نصرة الحق تتجاوز الحق والمنطق لانها ابتلاء ومحنة وبذل للنفس وتضحية فايدروس : ماذا تعنى - يا سقراط ؟ - ان فى كلامك هذا نبرات غريبة ما سبق أن سمعتها منك .
سقراط : أتريد - يا فايدروس - أن أقص عليك قصة أهل الكهف ؟ كانوا جماعة وجدوا أنفسهم فى كهف مظلم فالتفوا على بعضهم مذعورين . ثم شع نور خافت وبانت مسالك فى وجهات مختلفة وتعالت نغمات وأصوات رخيمة وتراءى للجماعة عن بعد مروج وجنات وقصور ونساء ومواش . وكان من بينهم رجل صالح يقول لهم : حذار . لقد سقطنا فى الفخ . كل ما يتراءى لنا أخيلة خلابة وأوهام ساحرة ولا حقيقة وراءها بل الهلاك والدمار . أنا ابحث لكم عن المخرج . وبان له فى أقصى الكهف نور ضئيل يتلوى كنور المصباح الذابل . فقال : هو ذا . هلموا . فكذبه أكثرهم وسخروا به وتوزعوا بين المسالك قاصدين الاشباح . ومضى هو فى طريقه الى المخرج . وكان يختفى النور أحيانا فى المنعرجات ولكنه كان يسير نحوه دون هوادة . وكلما اقترب منه تعالت النغمات وبدت الاشباح ألمع وأزهى ولكن ذلك لم يثنه . ووصل الى المخرج مع ثلة من صحبه وهلك الآخرون
هكذا الطريق الى الحق الدليل على فشلى فى تلقينك الفضيلة هو أنك تنكرت للحق . ستكون - بلا ريب - أول من يطعننى فى الظهر فايدروس : كيف تقول هذا - يا سقراط ! - ونحن طلبتك مستعدون لبذل النفس والنفيس فى سبيل نجاتك وسعادتك
سقراط : ستؤلب الناس ضدى ويلقي على القبض وأساق الى محكمة الشعب ويحكم على بالاعدام وأقتل . وستكونون - أنتم طلبتى منقسمين الى فريقين : فريق يتنكر لى وفريق يختفى حتى تمر العاصفة فايدروس : كيف تقول هذا عنا ونحن نعبدك عبادة ! ؟
سقراط : هذا خطأ . لا يعبد الا الحق والخير والجمال . سيغدرنى بعضكم ويعرض عني البعض الآخر لان تلك مشيئة الكون . البر ثقيل على النفس
لابد أن يقتل الاب يوما حتى تتحرر الذرية . ستندمون بعد القضاء المبرم . وتتوبون وتعدون خصالى وتخلدون اسمى . وهذا ايضا طبيعي . طبيعي أن يعقب الجرم الندم فايدروس : سقراط ! هذه أوهام سكنتك . تشك في تعلق طلبتك ومريديك بك ؟ وقد كلفني جمعهم أن اقترح عليك الهجرة والنزول بأي مدينة يونانية تروق لك . فقد أعددنا العدة لتغادر أثينا سرا .
سقراط : يا فايدروس ! تريد أن أغادر أثينا سرا كما لو كنت مجرما ؟ ولا جرم اقترفته . وقد دعوت طول حياتي مواطني أثينا لتعاط الفضيلة ونبذ الرذيلة وسعي للخير وقاومت الشر واحترمت مقدسات وطني ونظام أمتى اترانى بعد هذا كله أتسلل ليلا مصحوبا بثلة منكم لامتطى سفينة تحملني غريبا الى مدينة غريبة فى حين أن لى الحق فى أن أطأ أرض وطني مرفوع الرأس الى آخر يوم من حياتي ولا تظنن - يا فايدروس - مع هذا كله أنى أشعر دائما بالدعة والاطمئنان بين ناسى
تعتريني أحيانا حالات بلبلة وشك في نفسي واحساس بأن الارض تميد نحت قدم . فالجأ دون أن أغادر موطني إلى أحد المتنفسين اما أن اقطع عشرة أميال فى البرية فانزل ضيفا لمدة يوم وليلة على صديق لى فلاح يفوح بصلا وثوما وخمرا جديدة . فاصحبه الى الحقل وأتحدث معه عن الزرع والمواشي واما أن اسهر عند خمار بميناء أثينا أسكر مع الحمالين والغرباء دعنى الآن فقد كحل جفنى النعاس
- ٥ - سقراط : ما هذه الجلبة ؟ ! ما هذه الفوضى ؟ ! كف عن غيك يا رجل ! الكاهن : سقراط ! ما زلت تلاحقني وتضايقني كذبابة الخريف تلصق بالجلد فلا تبرحه سقراط : معقول هذا ؟ دفعت بهؤلاء الناس فى البحر يقتحمون أمواجه وقد جر كل واحد منهم خنزيرا اسود رضيعا اشتراه بثلاثة دراهم وهو يصيح :
سقط الجدى في الحليب ! سقط الجدى فى الحليب ! أى جدى وأى حليب ؟ بلغت بهم المهانة إلى أن يقولوا ما لا يفقهون . عاملتهم معاملة الغنم يا رجل ! الكاهن يا هذا ! هؤلاء الفوم يخلعون عنهم الرجس ويطهرون . الماء منبت الحياة ومنبعها والبحر رحم الكائنات ! ألم تر كيف تحتضنهم الامواج وتلاطفهم وتهدهدهم ؟ ألم ترهم يقفزون ويمرحون ؟ ألم تر على شفاههم ابتسامة الوليد فى أول يوم من حياته ؟ نفوسهم مطمئة لا تغيشها الحيرة . هكذا ينبغى ان يقابل المرء الآلهة .
سقراط : طقوس بالية وحركات فقدت معناها منذ زمن . هل حاولتم - معشر الكهنة - سؤالها من جديد ؟ كأنكم تفضلون الغموض على الوضوح والوهم على الحقيقة الكاهن : وما الحقيقة يا هذا ؟ هل أنت وحدك قادر على معرفتها ؟ الحقيقة ليست حكرا لاحد . ربما يكون ما تظنه وهما هو الحقيقة بعينها .
سقراط : الحقيقة ما يقره العقل ويرضاه . وما عدا ذلك وهم وباطل الكاهن : ما فتئت تدعو الناس الى اعمال العقل وسلوك منهاج الجدل فهل انتهيت وهل انتهوا الى معرفة الحقيقة سقراط : الطريق الى معرفة الحقيقة طويلة شاقة ولكن النتيجة فى النهاية مضمونة ؟
الكاهن : وما يدريك ؟ لعل المرء يصل الى المعرفة من طرق أخرى أيسر وانفذ . انظر الى هذا القوم . ألم يظفروا باليقين بالحس والذوق ؟ انظر الى وجوههم . أليسوا سعداء ؟ سقراط : سعادة البهائم ، سعادة البط فى الماء .
الكاهن : انك لا تفرق بين عبث الصبيان وعبادة العباد . حركاتهم فى الماء عبادة . أنت من دعاة العقل - يا سقراط - ولم يدرك عقلك هذا ؟ ! سقراط : لا أخفيك اني عاجز على ادراك الظواهر اللاهوتية . فاذا كنت اعلم الناس ببعض الاشياء بفضل العقل فأنا أعرف جيدا أن جهلى بحر لا ترى أطرافه
الكاهن : إذا كان الامر كذلك فلماذا تجحد وتتنكر لما تجهله ؟ سقراط : أرأيت لحالك ولحالهم . هل رأيت نفسك ؟ لحية طويلة مجعدة تتدلى الى بطنك . وتلابيب من قماش ملون تتطاير حول راسك . وثوب فضفاض كان يلبس مثله اسلافنا ثم عزفوا عنه . لو خرجت به فى أزقة أثينا لاحاط بك صبيان المدينة مصفقين عابثين . وعصا طويلة تضرب بها الارض . وهم . هم سيعودون اليك بعد حين وتسوقهم كالسوائم . الى أين يا راعي البهائم ؟ الذي يوسفنى فى هذا كله هو انك لم تروض نفسك ولم تروضهم على معرفة أنفسهم بأنفسهم . .
الكاهن : حدثني عن شعارك " اعرف نفسك بنفسك " ! ما فتئت ترصد الناس وتلاحقهم وتلقى عليهم اسئلتك حتى يسبروا أنفسهم . ألم ينفض من حولك الاكثرون ؟ بطانتك ذوو اليسار والجاه من شباب اثينا . هل قصدت هذا ؟ هل أردت أن تكون سائس أشبال المدينة تصقل مواهبهم حتى يوسعوا ثرواتهم ويحافظوا على مراكز آبائهم ؟
سقراط : خطابى موجه الى جميع الناس . لا ميز عندى ولا تمييز . فما هو ذنبي اذا لم يحط بي الا ذوو الجاه واليسار من شباب المدينة ؟
الكاهن : لانهم عاطلون متفرغون للبطالة والنزهة والكلام العام . أما الآخرون فان لهم فى هموم العيش ما يشغلهم عنكم وعن أنفسهم سقراط : ألم أسع الى توضيح الرؤية وتقويم السلوك وتهذيب الذوق ؟ ألم أطادر كل فرد اعترضني فى الطريق ؟ ألم أضايقهم كذبابة البقر حتى يراجعوا أنفسهم ويميزوا بين الطيب من الحوافز والخبيث من النزوات ؟
الكاهن : هذا خطاب ما عودتنا به . تستشهدني كما لو كنت غير واثق من نفسك . هل راجعتها ؟ هل حاسبتها ؟ انظر من حولك الى الجيل الذى صنعته؟ ألم ترهم يتكالبون على حطام الدنيا ويجمعون الثروات حلالها وحرامها ويتسابقون لاحتلال المناصب للسيطرة على الناس . الثقة التى قلدتها الفرد لاكتشاف هويته بنفسه أدت الى الانانية ودعوتك لتحرير العقل أفضت الى تفجير الشهوات .
سقراط : وما كنت لذلك قاصدا . كنت أعتقد أن الفرد اذا قضى على الجهل والتقليد وتجاوز الملابسات والتناقضات كون مجتمعا عادلا ينزع الى الاتزان فى السلوك والتسامح فى المعاملات الكاهن : ولكن هل وفقت - يا سقراط ! - فيما سعيت اليه . دعوت الى تسيير شؤون البلاد بالمنطق والاعتدال والرصانة وها أنت ترى الغوغائيين يدبرون الامور على خلاف الصواب والمنطق والاعتدال ويجدون لهم اذانا صاغية
سقراط : وهل لك - يا هذا - حل بديل ؟ الكاهن : بديلي هو الاطراق والخشوع والعبادة . سقراط : الحشوع استسلام لقوة قاهرة مجهولة .
الكاهن : مالك تتحدث عن أمور تجهلها . الخشوع رضا وسكينة وعودة الى النفس . أنظر الى هؤلاء المريدين العائدين الى الشاطئ . سيحيطون بي بعد حين ويسعون معي على الاقدام الى معبد ايلوزيس ( 7 ) يحدوهم الشوق والوجد .
سقراط : أعرف ما الذي سيجرى . سوف تصلون الى المعبد عند غروب الشمس وتحشر هذا الجمع فى قاعة مظلمة يبقون فيها صامتين ينظرون الى سلال وضعت في ركن وتمر أمامهم من حين لآخر أشباح . خزعبلات وتضليل .
الكاهن : يا سقراط ! افتح صدرك لي ولا تكن منكرا ولا جحودا ، الظلمة منبع الكائنات ومن الليل ينبثق النهار . وعلى قدر ظلمة الليل يكون النهار ساطع النور . والصمت شحن للنفس وتركيز وتعبئة وعلى قدر ثقله وعمقه تكون الكلمة مفيدة مجددة
دعنى اقص عليه قصة المدينة المهجورة : قيل : انهم حدثوا ملكا عن مدينة محصنة منيعة مقفلة الابواب قد هجرها سكانها منذ زمن بعيد . وتركوا فيها كنوزا لم يشاهد مثلها بشر فحشد جيشا عظيما وحمل معه الصناع والفعلة والسحرة والمشعوذين وجر الآلات .
وأحاط الجيش بالمدينة . وحاول الصناع والفعلة فتح الابواب وتسلق الاسوار والابراج . وخططوا الخطط واستعملوا الآلات . ولكن جهودهم ذهبت سدى ، ولم يفلحوا فى اقتحام المدينة . فدعا الملك بالسحرة والمشعوذين ففتحوا كتبهم واستعملوا عقاقيرهم واحرقوا بخورهم ورتلوا تعاوذيهم وأمروا وزجروا وقفزوا واستعاذوا ولكن لم تفتح أبواب المدينة
وأتى الملك رجل صالح فقال له : لم يفلح أحد فى اقتحام هذه المدينة منذ هجرها اهلها فى الزمن البعيد . سأدلك على مكان يبعد عن المدينة بضعة أميال يوصل منه الى المدينة .
فأتى به الى سفح ربوة وقال : مر فعلتك بحفر بئر مقداره عشر قامات وليحفروا بعد ذلك نفقا فى اتجاه المدينة وعندما يصلون اليها وجههم الى وسطها وعندما يصلون الى مركز الدائرة مرهم بالبروز الى سطح الارض . هكذا يدخل الى المدينة . قال الملك : أتسخر مني ؟ يا رجل . سنبقى سنين طوالا نسير فى بطن الارض وقد لا نصل الى المدينة . فقال الرجل الصالح : نعم . الطريق شاقة وطويلة ولكن لا سبيل لاقتحام المدينة والظفر بكنوزها الا عن طريق الاعماق .
واتبع الملك نصيحته . وامر بحفر النفق . وكانت المدة التى قضوها فى شق طريق فى بطن الارض اقصر مما كان متوقعا واقتحم المدينة وظفر بكنوزها .
يا سقراط ! راجع نفسك واسلك طريق الباطن سقراط : أبولون ! يا اله الشمس الساطعة ! يا أمهر الرماة ! يا ملهم الراهبات المتنبئات بالغيب ! اهدنى سواء السبيل
-6- كانوا ثلاثة فى أقصى المدينة يشربون ويتحدثون . خلفهم قرب مسندة على طول الجدار كأنها صف من الاحباش . والساقى يطوف بين الشرب يسقيهم من خمور تسيل من الاباريق كالسنة النيران . والأكواب تصطك فى الفضاء فتحدث قعقعة تمتزج بالضحكات العالية . وفتائل القناديل تبث ضياء خافتا ودخانا تتراقص فيه الاشباح . والليل الذي أسدل ظلمته على ميناء أثينا ثقيل بهيم ، يغمر السمار فيضغط على الانفاس كلما فتح الباب زبون . والبحر ضاق بالسفن الراسية فأخذ يهزها ويحطها كنائم وضعوا على صدره الصخور وعازفة تنفخ فى مزمارها تحاول عبثا شد مسامع السمار فتبعث نغماتها فى فضاء الحانة منكسرة حيري تعانق أنوار القناديل المترددة الهائمة
القرمي : تبا لرب الحانة ! ألم تكفه هذه الجلبة حتى يستأجر هذه الزامرة؟ القرطاجني : فتاة غريبة حافية تسعى لقوت يومها بين قوم سكارى القرمي : الحانها غريبة وحشية تروض بها النمور فى غابات آسيا . أنا ابن أثينا لا استسيغ هذا الصفير
المصرى : يا هذا ! متى كنت نزيل أثينا ؟ قدم أبوك منذ عهد قريب من جزيرة القرم المشرفة على البحر الاسود بضبابها وبردها الشديد وغاباتها المخيفة . متى احتضنك القوم حتى تشبهت بهم ؟ فانت الدخيل المنبوذ .
القرمي : وما يهمنى من أمرهم ؟ ورثت عن أبي مصنع سلاح يعمل فيه عشرون عاملا . القوم يتهيؤون للحرب وأنا أبيع لهم السلاح بالثمن الذي ارتضيه . هم يستعدون لخوض غمار البطولات وأنا انمى ثروتى . أنا من هذا البلد بحكم المصلحة .
المصرى : وما هى حضارة هؤلاء ؟ أثينا كلها لا تعدل فى عدد افرادها اصغر قرية من قرانا . ومجدهم لا ينافس مجدا تشهد عليه معالم تناطح السحب وتبسط ظلها على الصحارى القرمي : اسكت يا مصرى ! أنتم فى عدد النمل ولكنكم مخذولون تخضعون لكل حاكم ولو كان طاغية . بنيتم الاهرام تحت لفح السياط ومات منكم الآلاف قهرا وكمدا . ولمن بنيتموها ؟ بنيتموها للاموات . حضارتكم موت وزهد فى الحياة .
المصرى : نحن سماد الارض . نخصبها بالكد والجد وعرق الجبين . لولانا لجرى النيل فى صحراء جرداء . فنحن بعثنا فيها الحياة . والموت والحياة صنوان . هل تعلم أن سفينتى مشحونة بحنطة مصر . لولا حبوب مصر وبقولها لما استطاعت أثينا أن تطعم أهلها . نتاجهم الشعير والزيتو وشئ من التين قليل . أهملوا حقولهم وتكدسوا بالمدينة واشتغلوا بالسياسة والسياسة لا تطعم أهلها .
القرمي : لجأوا الى المدينة واحتموا بأسوارها حفاظا على كرامتهم وسعيا لمارسة حقوقهم المدنية . يقضون وقتهم في الاجتماعات واصدار القرارات ومراقبة تنفيذها . يقود المدينة الحطابون ورعاة المعز . ولا ضير . ما دمنا - نحن الاجانب المستوطنون - نجلب لهم الرزق ونطعمهم ونثري . . يا قرطاجني ! أراك صامتا وما اخالك تستمع الينا . نظراتك تسبح فى الفضاء . حديثنا لا يعجبك ؟
القرطاجنى : انظر الى الفتاة . تنفخ في مزمارها وتغنى ولا يعبأ بها انسان ولا يلتفت اليها أحد . انظر الى هؤلاء الناس حول الموائد . يصيحون ويفنون بأصوات قبيحة والخمر تسيل من طرفي افواههم فتلطخ ثيابهم . وهي . انظرا اليها . تميس بين الموائد عازفة مغنية يتبعها صاحب الحانة من ركنه بين القرب المسندة بنظرات حادة كرتيلاء ترقب ذبابة . ما حيلتها ؟ القوم همج أخذ منهم السكر . عيناها بحر صخبت أمواجه . وصوتها شجى . يا للخسارة ويا للضياع اخرسا اخرسا استمعا اليها
القرمي يا قرطاجني . بلدك حيث تغرب الشمس . وامثالك ممن يؤمون هذه الموانىء قليلون . استهوتك لانها غريبة والغريب للغريب نسيب .
الزامرة : طرحنى أبي للسباع الضارية فلماذا التقطتني وضيعتنى يا مثل أبى أسير حافية القدمين ممزقة الهدوم الحياة جرعة علقم ومضغة حنظل القرمي : يا قرطاجنى ! دعها . وحدثنا عن بلدك
القروطاجني : مدينتى تملا الفضاء وتتسلق الربى . دورها شامخة ذات اطباق عديدة . مدينتى تقع بين الخليج والبحيرة . فاذا أتى فصل الربيع أمتها الغرانيق الحمر فكانت حلتها . لها ميناءان تزدحم فيهما السفن كخيل في زريبة تنتظر لحظة انطلاقها
القرمي : من أين يأتى رزقكم ؟ القرطاحني : من كل أصقاع الدنيا ومن أرضنا المعطاء . حقولنا تنتج الحنطة فتتكدس أكواما تضيق عنها المخازن . كل سنبلة فى أرضنا تحمل مائة حبة وتدخل في كل يوم الى المدينة آلاف من البقر والغنم والمعز تغص بها الطرقات فتعرقل سير المارة . جناتنا تمتد على مسافة ثلاثين يوما من السير الحثيث فيها من كل الفواكه ألوان . معاصر الزيتون والعنب لا تحصى عدا . ترسل بزيوتها وخمورها فندخرها فى صهاريجنا العديدة المنقورة فى الصخر وتدخل المدينة كل يوم قافلة فيها ألف بعير قادمة من السودان محملة بالعاج والتبر وسبائك الذهب يسوقها مئات من العبيد . سفننا غادية رائحة بمنتوجات الارض جميعها تكدسها فى الميناء فنملأ بها المخازن . المخازن عندنا أكثر من الدور .
القرمي : الم تصبكم التخمة وانتم محااطون بهذه الخيرات ؟ هل تشتغلون بالسياسة ؟ القرطاجني : لا . نحن في غني عنها . همنا الوحيد التصرف فيما وهبتنا الالهة بالبيع والشراء والتجارة القرمي : كيف لم تفسدكم ثرواتكم الطائلة ؟
القرطاجني : لاننا لم نجعلها مبتغانا ولا مسعانا . نحن فرسان البحار المظلمة . نخوضها بسفننا الطويلة الضامرة . غايتنا التوغل حيث لم يتوغل أى انسان وديدننا اكتشاف عجائب الارض . فالبحار موطننا وما قرطاجنة إلا منطلق لنا وملاذ . القرمي : اسكت . ياقرطاجني . وانظر الى الشيخ الذى دخل يبحث عن مكان هذا سقراط الحكيم
المصرى : ها هو الساقي يسعى اليه ويقوده الى تلك المائدة فى الزاوية المواجهة لنا . هل هو كبير الكهنة فى معبد الاهة المدينة ؟ القرمي : لا . انه ينشر تعاليمه على قارعة الطريق ويضايق المارة ويدعوهم الى الرجوع الى انفسهم للكشف عن مغزى سلوكهم وغاية اعمالهم
المصرى : هذا رجل مزعج . يبث الشك فى النفوس ويقوض العقيدة . ومع ذلك أراه محاطا بالتقدير . أما لاحظتما صمت الشاربين ومد أعناقها اليه ؟ القرطاجني : انا معجب بالرجل . جلبابه مرقع وقدماه حافيتان وراسه عار . حقا انه زهد فى الدنيا وآثر حياة الكفاف . ولكنه يشع علينا جميعا عيناه حالمتان تدعوان الى فك القيود وشق الفضاء واكتشاف أصقاع جديدة وعوالم ابكار .
المصرى : لا تسبح بخيالك يا مغربي . عيناه جاحظتان وانفه مقف ووجهه مرهل يبعث الفزع فى النفوس . انه ليشبه العفاريت فى صحارينا القرمي : انظر الى بطنه السمين يهز ثوبه . يمر عليه يده وهو يمشى لهكذا تنحت الشياطين عندنا . الرجل شيطان القرطاجني : يجلس سقراط . يضع صاحب الحانة كاسا أمامه . يمد يده الى الكاس فتطفح وتنسكب الخمرة على المائدة . يرفعها عالية ويكرعها ويضع الكاس على المائدة فى حركة عنيفة .
القرمي : شرب الكاس الى الثمالة . يا للعجب ! ما عودنا سقراط بهذا . يدعى الى الولائم ويشرب مع الشاربين ولكنه لا يفرط ولا يتبجح . ما رأينا يوما سكران يترنح . ما الذي جرى له الليلة ؟
القرطاجني : يقوم الآن متثاقلا ويقف . يضرب الارض بقدميه ويرفع راسه وينظر الى السقف . كأنه يستعد للرقص أو كأنه يريد أن يتكلم أو يصيح . والزامرة هنالك في أقصى الحانة قد تسمرت وضغطت على مزمارها بشفتيها كأنها تتوقع أمرا .
سقراط : ثقل الليل على عاتقى فضاق منى النفس لماذا لا ينسف هذا السقف فأرى النجوم ؟ يا بوسيدون يا الاه البحر ! فك قيودى واضرب البحر بعصاك لتنطلق السفن الراسية القرطاجني : الشيخ يغني بصوت كريه متقطع ينفذ الى القلب . والزامرة الغريبة حاولت أن تكسو لحنه بعزفها . استمعا اليها الآن . انها انطلقت تعلق على لحن الشيخ وتوشيه . انظرا . تبعد الآن المزمار عن فمها كأنها تريد ان تغنى بدورها .
الزامرة : انا الصدفة الواهية القى بى البحر الى الشاطئ اذا لم تدسني الاقدام فبمحض الصدفة مات لبى منذ زمن بعيد فى أعماق البحار يا بوسيدون يا اله الاعماق متى تعود الى الروح فاحيا ؟ القرطاجني : ينظر سقراط اليها شزرا . الفتاة ترتعد . أناملها تضغط على ثقوب المزمار لتعلو بالنشيد . لقد سيطرت على الذبذبات الحائرة فعلا نغم قوى رصين ملا الحانة إلى أقصى أرجائها . يعود الى الشيخ وقاره فيضرب الارض بقدميه ويمد عنقه ويرفع رأسه . أنصتا اليه .
سقراط : يا نحل أثينا انطلقي انطلقي قبضة من شرار الى قبة السماء ورفرفى على شفاه الالهة نذوق من جنيك
عسلا كالذهب المذاب يحيي النفوس الميتة القرطاجنى : يا صاحبي ! انغرس الشيخ فى الارض وتمطط حتى كاد يبلغ السقف . لكانه جذع نخلة تشير الى السماء ولا سماء . والفتاة تحاول اعادة النغم فلا تستطيع المكوث فى عليائه فتنحدر بالنشيد . ها هي تستعد للغناء فتنزع المزمار من فمها .
الزامرة : جرادة على غصين تتململ تحرك جناحيها لتستوى فلا هي واقفة ولا هي طائرة متى يستقر حالى ؟ القرطاجنى : يهب سقراط من غفوته . يمد ذراعيه ويلوى برأسه . لكأنه سفينة رفعت قلاعها .
سقراط : ياخيل يونان ! يا هبة الالهة ! ارحل عن هذه البلاد . ان أهلها همود وسابقي الريح واقطعي الحزون والوهاد واحملينى بعيدا بعيدا الى ارض الشمال حيث تطبق السماء على الارض فلا تبزغ الشمس الا من وراء حجاب هنالك قوم يقضون دهرهم فى الاكل والشرب واللهو سعادتهم أبدية لانهم ليسوا بالقوم الظالمين
القرطاجني : تلوت السنة أنوار المصابيح كما لو هبت عليها ريح . واحتارت الظلال . والباب موصد . والقوم سكوت . لقد ملا الشيخ الحانة وخف رغم ثقل جسده . أخذ يحرك رجليه ويلوح بذراعيه كأنه يحاول أن يرقص . والفتاة تنظر اليه وتحاول أن تترحم بعزفها عن حركاته فتتعثر لان الشيخ لم يستقر ولم يعثر على الوزن الذى يطابق خلجات نفسه . يتحسس ويبحث . . أصح يا مصرى ! لقد تجاوزتك الاحداث . . يدق الارض برجليه ويحرك منكبيه
يمينا وشمالا ويرفع ذراعيه كأنه يستلهم من الارض ومن السماء . كفت الزامرة عن العزف واطرقت فلا يسمع الا دق أقدام سقراط على الارض . ها هي ترفع رأسها وتنظر أمامها بعينين حالمتين . وتعيد المزمار الى فمها وتصعد لهنا كأنه صرخة فى بيداء . أنصتا ! أنصتا !
الزامرة : مزقتني العقبان وطارت باشلائى ووضعتها على قمم الجبال يا آلهة السماء والبحر واعماق الارض من يلم شتاتى ويبعث فى الحياة
القرطاجني : يا نديمي ! انظر الى سقراط ! يرقص ويتمتم . عثر على اللحن والايقاع يرمي بذراعيه بعنف الى الامام فيهتز بطنه السمين وينتفض ثوبه الفضفاض وتتحرك لحيته الغليظة الكثه. الشرار يتطاير من عينيه
سقراط : زمجر البحر وطما بين اضلعي والليل بهيم لتنطلق السفن مثل كلاب الصيد فى المسالك المجهولة ولتصل بعيدا من هنا فى بحر الظلمات الى حيث تغور المياه وتنفجر البراكين ولتحاصر نافرة مزبدة المنطقة المهجورة حيث ابتلعت الامواج القارة المفقودة كانت آمنة مطمئنة عادلة ثم فسقت وفجرت فأمست اسطورة من الاساطير.
القرطاجني : يا رفيقي السكر ! جن سقراط . يرقص ويدور حول نفسه ذراعاه مبسوطتان . كفه اليمني مرفوعة الى السماء وكفه اليسرى مصوبة الى الارض . يدور كالخذ وتدور معه الحانة بأسرها . والانوار اختلطت والظلال تصطدم بالسقف والجدران . وكأننا ونحن قعود - مدفوعون معه
فى رقصة جنونية . والفتاة قد اسبات ذراعيها والصقت مزمارها بفخذها وتاهت . . الزامرة : انا الذبابة المزهوة تملا الفضاء بطنينها ولا تكترث بالعناكب المترصدة وخيوط العنكبوت ملاى باشلاء أخياتها
المصري : هل أنا فى حلم او فى يقظة ؟ أصابني دوار فى رأسى . لم يعد للحانة سقف ولا جدران نحن جميعا فى الفضاء تحت قبة السماء . وفي السماء النجوم الزاهرة . والنجوم تتلالا . وسقراط ؟ أين سقراط ؟ ٠٠ انه ما انفك يرقص ويدور حول نفسه .
سقراط : ثقل جسمى وصدأ عقلي وأنا ابحث عن الحقيقة الحقيقة أقرب الى من حبل الوريد ولم أعثر عليها لانها مغلولة في قرارة نفسى أيتها النفس انطلقي في مجارى السماء مع الكواكب السيارة ويا أيها الجسد حاول التعبير عن سكينتها بالرقص والغناء يهزأون بى . يسخرون مني . لانى خلعت العذار يهزأون بى . يسخرون مني . لاني فقدت وقارى وما الوقار ازاء كشف الحجب ؟
وتوجه سقراط مترنحا نحو الباب وفتحه وابتلعه الليل

