الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

جواب الاستاذ, محجوب بن ميلاد

Share

- ١-

وحدة المغرب العربى حقيقة من حقائق الواقع واذن فلا مراء فيها .

وان انت اردت تفصيلا لهذا القول المجمل فاعلم ان هذا " الواقع " مجموعة من الحقائق الجغرافية . والاقتصادية ، والنفسية او قل من الحقائق العمرانية ، والتاريخية التى يمكن لك استعراضها حقيقة حقيقة !

ولست فى حاجه الى ان تكون " علامة " فى ميدان الجغرافية او فى ميدان التاريخ لتعلم ان كل من وطئت أفدامهم جهة ما من ارض

شمالى افريقيا لم يستطيعوا الا ان يوسعوا رقعتها يمنة او يسرة حسب اقتدارهم على ذلك التوسيع وحسب مواتاة الظروف لهم كما لو كان فى طبيعة ارض افريقيا الشمالية " دعوة كامنة " الى ذلك التوسيع .

وقد تكون تلك الدعوة مجسمة فى سلسلة جبال الاطلس التى تمتد من المغرب الادنى الى المغرب الاقصى امتداد الجهاز الفقرى فى الجسم الحي ..، مثلما انها مجسمة - ولا شك - فى هذا البحر الابيض المتوسط الذى تنكسر أمواجه على شواطئ شمال افريقيا .

فالجيوش الاسلامية الفاتحة لم تنته الى ارض افريقيا تحت قياده عقبه بن نافع حتى واصلت زحفها الى المحيط الاطلسي .

والجيوش الفرنسية التى فازت بتثبيت اقدامها بالجزائر فى الثلث الاول من القرن الماضى لم يهدأ لها بال حتى احتلت المملكة التونسية شرقا والمغرب الاقصى غربا ...

وقل مثل ذلك فى " الانتفاضة التاريخية " التى هى حدث شمالى افريقيا فى العصر الحاضر : فقد اسفرت بعد عن تحرير جناحى المغرب العربى بتحقيق استقلال تونس ومراكش " فعلا وقانونا " وستنتهى حتما الى تحرير الجزائر... وليس يمكن ان تطمئن على استقلال تونس وعلى استقلال مراكش ما لم يتم استقلال الجزائر...

فالمغرب العربى وحدة وحدة لا تتجزأ .

هو وحدة جغرافية وهو وحدة اقتصادية . وهو وحدة انسانية ، وبالرغم مما هنالك من فوارق بارزة بين التونسى والجزائري والمغربى.

وقد تكون فوارق فى درجة التطور او فى جنس التطور ويعزى امرها الى عدة عوامل تاريخية وبشرية قد يطول شرحها - فالامر الذى لا مراء فيه هو وجود عناصر تطالعك - فى قوة أو فى ضعف ، فى وضوح او فى غموض - فى انحاء شمالي افريقيا كافة فتبدو ملازمة إياها ملازمة الملامح لشخصية ما ! ولذلك يمكن اعتبارها دعائم وحدة المغرب العربى

وإن أنت أردت استعراضها استعراضا أصوليا وجيزا امكن لك حصرها في الاصول التالية :

الاصل الاول : هو الاصل العربى الاسلامى

فالبرغم مما عرفته قطار شمالى افريقيا فى القرون الماضية من تدهور شامل انتهى بها الى الاستعمار الغربي وبالرغم مما بذله المستعمر من جهود فى سبيل القضاء على شخصيتها وعلى أخص خصائصها فان كل ذلك امل لم ينل - نيلا جوهريا- من ضميرها العربى الاسلامى ...

وإنه ليكفيك أن تجوب مختلف جهات المغرب العربى من دناه إلى اقصاه ليبرز لك - خلال مختلف مظاهر الحياة الفردية واجماعية ، ماديها وروحيها وفى أشكال عاداتها الحضرية والقروية أن " الاحساس المغربى " ما زال فى أعمق أعماقه عربيا اسلاميا..

لا شك أن هنالك تأثيرا غريبا بعيد الغور وأن القيم ، والمبادئ ، والعادات الغربية تغلغلت فى ربوع شمالى افريقيا فشملت جوانب جوهرية مثلما شملت جوانب عرضية إلى درجة قد ينتهى بك الامر معها الى الشك في بقاء الروح العربى الاسلامي ببعض الجهات كالجزائر مثلا... فمعاقل العربية هنالك كادت تنسف نسفا لانتشار الفرنسية مكان العربية . ناهيك انك اصبحت تجد نفسك امام ادب جزائرى فرنسي اللغة . . . فخيرة ابناء الجزائر يحسنون اللغة الفرنسية كما

لو كانوا من ابنائها ويعبرون عما يريدون التعبير عنه من الشؤون بالفرنسية لا بالعربية . وها نحن اولاء امام ادباء جزائريين ادبهم جزء من الادب الفرنسى امثال المعمري ، والذيب ، وخطيب ياسين الخ ...

إلا انه من الهين جدا ان نبين ان " الاحساس " لديهم مازال احساسا عربيا اسلاميا في اعماقه وفيما يشغله من الشواغل وفيما يمتاز به من النزعات حتى اذا  ما بدا لك عند بعضهم - ياسين مثلا - ثورة جامحه على الماضي وعلى مفاهيم الماضى...

وهل تلك الثورة شيء آخر سوى " حب معكوس " او " امل مخيب " يدل دلالة مضطرمة على حيوية " الاصل " فى قرارات تحولاته وصروفه ؟ !

الأصل الثاني : هو الشعور الجاد بانبعاث الذاتية المغربية :

ولهو حقيقة من حقائق المغرب العربي الثائر ...

تطالعك في جميع مظاهره وفي انحائه كافة : بتونس والجزائر ومراكش !

هى " الارادة المغربية " تبعث فتخاطبك بألسنة مختلفة فى لهجاتها متنوعة في وسائلها وعدتها ، متحدة فى بعيد اهدافها : سواء اخاطبتك " بتحريك سواكنها " او بتحدى بطولتها ، او بانفجارات قنابلها!...

فما قاسته اقطار المغرب العربى من آلام هى هى ، ومن ادواء هى هى ، ومن حرمان هو هو، وما امتحنت به من محن هى هى ، وما جاهته من مشاكل هى هى ، وما عرفته من الوان الحياة الغربية ، واشكال الصنائع الغربية ، وانواع التفكير الغربي لم ينسها ذاتيتها ، ولا حطم اركانها ، ولا افقرها ، بل ارهصها بل ايقظها ، بل اثراها ، بل لتحها تلقيح " البعث " ! . . وها هى ذى - رغم العقبات الجسيمة التى تعترضها تضطلع بمرهق اعباء الكفاح الحيوى ، وتغازل خصب مغامرات الاجتهاد فى جميع الميادين ، فى ثبات ، وفى نظام وفى حكمة هى بالضبط مهر الحياة الحرة الكريمة !

الم يقل الشاعر :

وللحرية الحمراء باب       بكل يد مضرجة يدق !

الاصل الثالث هو الشعور الحي بالتضامن :

وهو ايضا حقيقة من حقائق البعث ، قد يكون حديث النشأة ولكنه عميق الجدور . . . ففى الامس القريب كان ما كان من الحواجز والسدود بين اقطار شمالي افريقيا . وفى الامس القريب كان ما يجرى بالمغرب الاقصى قد لا يكون له مفعول ملموس بتونس او بالحزائر... والعكس... اما اليوم

فالانتفاضة المغربية حطمت- وما زالت تحطم -الحواجز والسدود وفجرت - وما زالت تفجر - ينابيع " تضامن " تجاوز منطقة العاطفة فتغلغل - وما زال يتغلغل - فى " منطقة الحل والعقد " ، منطقة الارادة والعزم واستحال - وما زال يستحيل - إيمانا فرضا ، فعملا ، فمسؤولية ، فمصيرا!..

وليس من شك فى أن هذا التضامن وليد شعور- أعنف فأعنف وادق فأدق- بمختلف العناصر التى هى أركان الوحدة المغربية ، ووليد ايمان - ارسخ فارسخ وأقوى فأقوى - بان المشاكل التى تجلبهها اجزاء المغرب العربى هى هي وبأن الطرق التى تضمن لها النجاة هي هى . . .

٣،٢ ، ٤

لا ريب فى أن وحدة المغرب العربى تصهر تحت انظارنا يوما بعد يوم ، وساعة بعد ساعة ، بنار الاحداث التى تقلقل كيانه من أدناه الى اقصاه!...

هو المخاض وما يتبع المخاض من آلام ومن بر !

غير أن الامر الذى يجب أن نضعه نصب أعيننا هو أن الكفاح الجزيل الذي يجرى الآن لتحقيق وحدة المغرب العربى بتحقيق استقلال اجزائه الثلاثة يلقي على الهمم الصادقة أعباء رسالة مقدسة...

لابد من العمل لتنسيق الجهود في مختلف الميادين لتضميد جروح المغرب العربي ولمحو رسوم الاستعمار وللقضاء على بقايا إفلاس العهد الماضى ولمعالجة جسيم المشاكل الاقتصادية والمالية والثقافية والروحية التى تعترضه في طريقه حتى تكون وحدة المغرب العربى " وحدة حياة " لا " وحدة موت " . . .

وليس يمكن ان تكون وحدة المغرب العربي " وحدة حياة " الا اذا بنيت على نظرة شاملة يحدوها مبدأ الاخلاص المطلق لاخص خصائصه الانسانية ولحي المشاعر التى من اجلها يكافح ومن أجلها يطلب الموت . . . ليوهب الحياة ! ( ١ )

هنا تبدو مشكلة " الاتجاه المذهبى " للمغرب العربى . فما عسى ان يكون هذا الاتجاه ؟

من البدهي ان تحديد هذا الاتجاه يتعلق عليه مستقبل المغرب العربى برمته . هو الاصل الاصيل لكل ما عسانا ان نقوم به من اعمال في جميع الميادين في أسرنا ، وفي

نوادينا ، وفي كل ما يخص جزئيات حياتنا الفردية والجماعية ، وفى كل ماله مساس بنشاطنا السياسى ، سواء أكنا فى الحقل الوطني او فى الحقل الدولى ...

في هذه الفترة العصبة التي تجتازها الانسانية قاطبة ، في أزمة المبادىء والقيم وفي تضارب الاهواء والاطماع ، وفى تناحر القوى والكتل لا بد لنا من اتجاه مذهبى واضح المعالم ، بين الخطوط ، ناصع المبادئ نير القيم !...

ان فزنا بذلك امكن للركب المغربى ان يجابه المستقبل مطمئنا ، وان يعالج مختلف المشاكل واثقا ، وان يثبث امام ما عسى ان يهب من العواصف قويا !؛..

اما اذا ما لم نعط المشكلة حقها من العناية ولم نفز بتوضيح معالم اتجاهنا المذهبى او لم نوفق الى الاخلاص الى شروطه ومقضياته فانا نكون كبقية الامم: في فوضى الجهود والمقاصد ، وفى تضارب المواقف والغايات ، وفى تضاد المبادئ والنزعات من جراء ما قد يكون بين قادة اليوم وقادة الغد من اختلاف فى المبادئ والنزعات والمشارب ، او من تفاوت فى النظر والكفاءة والاجتهاد !

فالمشكلة من اخطر المشاكل كما ترى!

ولذلك فهى حرية بان تعطف عليها الهمم الصادقة كي تحظى بالحل الشامل المحيى الذى تستحقه!

وانه ليمكن لي - فيما يخصنى ان أقول ان جميع المحاضرات التى ألقيتها عن ازمة السنة الاسلامية وعن ازمة التربية الاسلامية فى نطاق " تحريك السواكن " ( وهي تربو على الثمانين محاضرة ) ليست هى سوى مشاركة متواضعة فى سبيل تحديد معالم هذا الاتجاه المذهبى لا للمغرب العربي فحسب بل للاقطار الاسلامية كافة !

ويقينى هو ان " إحياء " السنة الاسلامية فى أروع قيمها وانصع مبادئها كفيل بان يضمن لنا مذهبيا " نيرا ، بعيدا عن ظلمة العصبية ، يثبت أمام عواصف العصر الحاضر وتضارب أهوائه - ثبوت الرواسي !

اذا ما تحدثت عن " السنة الاسلامية " فلست اعنى - طبعا - اوهام فقهائنا وجهالاتهم وضروب جمودهم . فقد بينت فى سلسلة محاضرات " روضة الفكر " بمذياع تونس انهم ابعد الناس عن فهم السنة الاسلامية فى نور قيمها ، وفى اتقاد جذوة إيمانها بحرمة الحق ، وبقوة الحق ، وفى كفاحها دائما فى " سبل الحق "!..

وإن أنت اردت ان تتصور السنة الاسلامية فى " بعثها الحى " الذى الوح اليه فانظر اليها " مجسمة " او " متقمصة"- في الميدان السياسى - في نموذج من أروع نماذجها الفاتحة أعنى الحبيب بورقيبة.

ولست أدرى هل يعرف الحبيب بورقيبة هذا ولكنه يمكن لى الجزم بأنه فاز - شعر بذلك أم لم يشعر - بالاهتداء إلى " سبل السنة الاسلامية"!.. فاز بذلك الا عن طريق البحث والتنقيب والنظر العلمي فى شؤون الميادين السنة الاسلامية - بل عن طريق جزيل كفاحه السياسى ، وعن طريق حى تجاربه النفسية . وعن طريق اخلاصه المضطرم لاعز مبادئه ، وأعمق مشاعره ، واعنف مقتضيات طبعه الهيامى!

وإن أنت أردت دليلا على ما آجزم به فانظر فيما يسمى الان بمختلف الاوساط السياسية العالمية " بالمذهب البورقيبى" Bourquibisme وفيما متاز به من اساليب الكفاح : من صبر على مراوغات الخصم ومن تصلب في المبادىء ، ومن حرص على الحق دون سواه ، ومن مرونة في المواقف ، والمراحل ، والخطى ومن قدرة على الانتصار على النفس الامارة بالثار وبظلمة الثار - تجد ان كل ذلك ليس إلا عبارة عن أخص خصائص السنة الاسلامية الفاتحة!...

وان أنت أردت فضلا من الادلة فتتبع تفاصيل كفاح النبى العربى فى مختلف أطواره : كان يعد العدة للعدو ما استطاع ، وكان يجنح للسلم كلما جنح لها العدو . وكان يتسامح مع خصومه . بعد النصر - إلى درجة ان اغضب غير ما مرة صحبة الذين لم يفهموا أسرار سلوكه ، أولم ينتبهوا إلى أنه كان دائما وفي جميع الظروف والاطوار يهئ لمثله العليا الفرص كي تعض الواقع وتنشب فيه اظافرها مظفرة!

أليست هذه هي " السبل " التى سلكها الحبيب بورقيبة فمكنته من الفوز ؟

إني اعرف أن هنالك من سيجدون حرجا ( هو حرج الجهل ) في هذا المثل الذي أضربه ، وأعرف أن انفسهم المريضة ستؤوله ألف تآويل - ما عدا التأويل الصحيح ولكنى ضربته لانه هو الحق ، ضربته لتتصور " "بالمحسوس" ما عسى ان يكون " بعث " السنة الاسلامية فى العصر الحديث وعلى أى أسلوب وفي اي جنس من الضمائر الانسانية ، ضربته لتفهم ما عسى أن يكون موقف مغربنا الموحد من الكتل الدولية!...

ان المغرب العربي لفي أشد الحاجة إلى أن يستغل ثرواته الطبيعية ، والفلاحية والصناعية الاستغلال العصرى الحكيم...

وإذن فهو فى حاجة إلى أن يبرم اتفاقيات تجارية ، وفلاحية ، وصناعية ، وفنية ، وثقافية ، مع بعض الدول بالبحر الابيض المتوسط او بغيره من بقاع الأرض ليحقق ازدهاره ، ورفاهية ابنائه .

فان أقبل على توثيق الصلات بينه وبين بقية الدول على أساس الحق وحرمة الحق وقداسة الحق ، اليس معنى ذلك ان رائده سيكون التضامن الرائع والتسامح النبيل ؟

أليس معنى ذلك أنه لن يكون في حاجة في عالم الاهواء والاطماع - الى أن يزج بنفسه في كتلة من الكتل الدولية التى يحدوها التناحر ، والتشاجر والتنافس ؟

اليس معنى ذلك انه سيكون فى صف التسامح لا فى صف العصبية ، وفى صف الحب لا في صف الحرب ؟!

قد يظن بعض القراء انى ادعو الى ان يلازم المغرب العربى الموحد موقف " الحياد " من الكتل الدولية ما دمت قد اكدت انه ليس في حاجة الى ان يزج بنفسه فى كتلة ما !..

وبالرغم من أنى اعترف بأن مفهوم الحياد هو أول مفهوم يتبادر إلى دهنك إذ تحاول تخصيص هذا الموقف الذي اريده للمغرب العربى الموحد . فلست ادعو الى الحياد ولا انا من الراغبين له فى ان يقف من الكتل الدولية موقف الحياد ... بل قل اني لست استشعر بغضا أشد من بغضى لمنطوق الحياد . . ذلك ان الحياة " قعود " واستكانة وجبن . ولست أرغب لمغربنا العربى الموحد لا فى " القعود " ولا فى الاستكانة ولا فى الجبن !

وانما الذي ارغب فيه للمغرب العربى الموحد هو ان يقوم بدور أدق ، وأصعب ، وأشرف ، فى العالم الحاضر...

ولست اجهل ما سيعترضه من مشاكل داخلية مدهشة فى تنوعها ستضطره الى ان يعطف عليها كي يجد لها الحلول التي تتطلبها ولست اجهل ان " بقايا " افلاس العهد القديم وضرورة محو رسومها وتصفية حسابها مما سيجعل مهمته ادق ، وطريق الفوز فى وجهه اشوك ، ومفاوز النجاة اخطر ...

ولكني أومن - رغم كل ذلك بان هنالك " رسالة شريفة " تبحث عن "رسولها" في العالم . و أومن بان المغرب العربى الموحد قد يكون في طليعة الدول - رغم تواضع وسائله ورغم معقد مشاكله وكثير صعابه - فى امر الاضطلاع بشعائرها الدقيقة ...

فما هى تلك الرسالة ؟

اقولها صريحة ومن دون تردد : فما عرفته اقطار شمالى افريقيا من الوان

الجور وصنوف الادواء وما كافحت وما زالت تكافح - فى سبيله اعلاء لمثل العدل والحرمة البشرية والحرية والاخاء يتحتم عليها ان تكون " الضمير اليقظان " فى العالم الجديد ، ينصر الحق اينما وجد ويناوىء العدوان اينما حل ويرفع راية الدفاع عن المتهمين فى الارض أينما كانوا!...

فالشعوب الصغيرة فى العالم - وكثيرة هي!- تشكو " الجوع الروحى " مثلما تشكو اطماع الدول الكبرى التى يستخفها سلطان القوة ، وجشع الغريزة ، ويعبث بأحلام قادتها غرور البطر ، ونشوة الصلف ، وذهول الكبر ، وظلمة الجاهلية

وليس من شك - عندي - في أن أعظم ميل يحفز تلك الشعوب ، وأحر شوق يحدوها انما ينحصر فى استعدادها الى آن تلتف جميعا حول من يجرؤ على أن يرفع " احتجاج الحق " داويا فى وجه الدول الكبرى من دون ان يشله الخوف من سطوتها ولا التملق لديها أو التزلف اليها ، لما تستشعره جميعا من قوى الحاجة الى من يشد آزرها ، ويجمع شتاتها ، ويكون من " هبائها " قوة فعالة حرية بان تكون فى المحافل الدولية " المرجح " الحاسم فى قضايا السلم ، والحرية ، والاخاء . . . فى العالم الحاضر !

وانه ليكفيك ان تتصفح مختلف الاحداث السياسية التى هزت ومازالت تهز- الكرة الارضية غداة الحرب العالمية الثانية لتستشف خلال جميع المساعي والمحاولات هذا " الامل الكبير"!...

واني لاومن بان هذه " الرسالة " التي كان من المنتظر ان تضطلع باعبائها فرنسا لولا افلاس سياستها ، وإفلاس " العنصر الانسانى " لدى قادتها فى استطاعة المغرب العربى الموحد الاضطلاع بها ...

ان " زعامة الحق " فى انتظاره !

وهى تهيب به أن يكون " عنصر التجديد الخلقى" في عالم أخص خصائصه فى الوقت الحاضر ، انه " عالم أزمة الحق " و " عالم ازمة التسامح " ! . . .

أبلغ اشارة إلى ذلك الدوى العالمى الذى كان أخيرا لصوت الحبيب بورقيبة فى محافل جمعية الامم المتحدة إذ نطق على لسانه الحق في حرصه الحريص على العدل ، وعلى الحرية ، وعلى السلام !

اشترك في نشرتنا البريدية