- ١ -
نقول ان عوامل وحدة المغرب العربي هى الدين واللغة والثقافة ، وذلك حق.
ولكننا نخدع انفسنا عندما نقول ان العوامل المذكورة فى حالتها الحاضرة هي مما يساعد على تكوين وحدة حقيقية ذات قلمة عملية ، لان الرابطة الدينية بين اقطار المغرب العربي لا تختلف كثيرا عن الرابطة الدينية بين تلك الاقطار وبين بقية بلاد العالم الاسلامى ، ولان المعاهد الدينية فى المغرب العربي هي فى الواقع معاهد فنية تخرج اختصاصيين محترفين في
القضاء ، والشعائر الدينية ولا تخرج باحثين ومفكرين لاهوتيين . فعلوم الدين نفسها تحتاج الى إحداء لكي تصير عاملا حقيقيا من عوامل الوحدة . ولايكون ذلك الا إذا كثر عدد المجتهدين فى المسائل الدينية والمصلحين الدينيين الذين يطبقون تعاليم الدين الصحيحة على مشاكل الحياة الحاضرة .
واذا استثنينا بعض العادات والتقاليد الخاصة بشمال افريقيا ، فاننا نجد الروابط الثقافية بين المغرب العربى وبين مصر وسوريا وفرنسا اقوى من الروابط الثقافية بين المغرب والجزائر وتونس . الكتب التى تقرأ في المغرب العربى هى الكتب الفرنسية والمصرية وكذلك المجلات والافلام . والموسيقى السائدة في شمال افريقيا هي الموسيقى المصرية ، وحتى الجرائد الصادرة فى القاهرة وباريس هى اكثر انتشارا في شمال افريقا من الجرائد التونسية فى المغرب او الجرائد المغربية فى الجزائر.
واما العامل اللغوى فهو موجود حقا ولكننا لا نحسن استغلاله . اذا اجتمع مغربي وجزائرى وتونسي فانهم يتخاطبون غالبا بالفرنسية او يتكلفون الحديث بلغة الكتابة وليس ذلك مما يساعد على تقارب لهجات المغرب العربى وجعلها عاملا من عوامل الوحدة ، لان الذى يحدثك بلغة اجنبية يعتبر اجنبيا او كالاجنبى والذي يتكلف معك لغة خاصة لا يستطيع دائما ان يقول كل ما يعني ..
يظهر ان الصحافة والاذاعة في شمال افريقيا قد ادركت حقيقة هذا الموقف فهي تحاول تعديله بتكرار " القطر الشقيق " كلما ذكرت المغرب ، و " الجزائر الشقيقة " كلما اشارت الى الجزائر ، وحبذا لو اقتصدت بعض الاقتصاد فى استعمال تلك العبارات قبل ان تفقد كل معناها بكثرة الاستعمال.
- ٢ -
هي اتجاهات متعددة لا اتجاه واحد ، وكلها يتصل بالاتجاهات التقدمية في اوربا وامريكا . هناك بقية من رجعية حائرة مترددة قد تؤخر السير بعض التاخير ولكنها لن تستطيع ان توقفه أو تغير اتجاهه.
-٣-
يصعب تصور الدور الذي يمكن ان يقوم به شمال افريقيا في المستقبل لان تفكيرنا فى هذا الموضوع لا يزال غير واضح وغير دقيق . نقول ان شمال افريقيا سيكون " همزة الوصل بين الشرق والغرب والرابطة بين الثقافتين " فماذا نعني بذلك ؟ ماذا نربط ؟ وكيف نربط ؟ ونقول هو " المغرب العربى " فماذا نريد بهذا ؟ هل هناك مغرب عربي ومغرب غير عربي ؟ اذا كان المراد بقولنا " المغرب العربي " هو تصحيح قول الفرنسيين " شمال افريقيا الفرنسى " فان المسألة تبقى في حاجة الى التوضيح والتحديد ولا يكون فيها ما يساعد على تصور الدور الذي يمكن ان يقوم به شمال افريقيا فى المستقبل . واذا كانت النخبة الموجهة والمسيرة من كل من المشارقة والمغاربة انما تتكون فى جامعات اوربا وامريكا ، فبأي معنى يكون شمال افريقيا هو " همزة الوصل بين الشرق والغرب " ؟
-٤-
يحسن ان يكون المبدأ : الحرص على كسب الاصدقاء واجتناب اكتساب الاعداء مع الميل الى الجانب التقدمي ولو بدا ضعيفا لان العاقبة للتقدميين كما يحسن ان نحاول شيئا من الاستقلال في تفكيرنا السياسى فلا نعتبر " الكتل الدولية " حقيقة ثابتة ودائرة محدودة لا يمكن التفكير السياسي الا فى داخلها او حولها . هذه واقعية تشبه الاتكالية . ان العالم يسير نحو التوحد . وما هذا التكتل الذي نراه الا مرحلة لا بد ان نجتازها كما اجتزنا الاستعمار أوكدنا.

