أجيبك أولا بأن صلاح عبد الصبور نشر ديوان شعر بعنوان ( الناس في بلادى ) - وهو أسم هذه القصيدة - منذ سنوات طويلة فقصيدته إذن أقدم من قصيدتي بكثير .
أما الشبه الذى لاحظته بين المقطعين المذكورين من القصيدتين فمرجعه الى أمرين بسيطين :
لأول : إسم مصطفى ، وهذا أمر سطحي كان يمكن لى أن أغيره باسم آخر مثل ( أحمد ) لو أنى تعمدت إحتذاء قصيدة صلاح لأضلل القارئ .
والثاني : البحر - وهو " الرجز " الحر (مستفعلن)فجميع القصائد التى على هذا البحر تشتبه على القارىء والسامع ، وكذلك الشان بالنسبة لقصائد كل بحر . فأنت إذا قرأت هذه الأبيات لميخائيل نعيمة :
سقف بيتي حديد
ركن بيتي حجر
فاعصفي يا رياح
وانتحب يا شجر
واسبحي يا غيوم
وأهطلى بالمطر
واقصفى يا رعود
لست أخش خطر
سقف بيتي حديد
ركن بيتي حجر
من سراجي الضئيل
أستمد البصر
كلما الليل طال
والظلام انتشر
وإذا الفجر مات
والنهار انتحر
فانطفى يا نجوم
واحتجب يا قمر
من سراجي الضئيل
أستمد البصر
سقف بيتي حديد
ركن بيتي حجر ( الخ . )
إنك إذا قرأت هذه الأبيات لميخائيل نعيمة ستذكرك فورا بقصيدة ( الصباح الجديد ) لأبى القاسم الشابى التى منها :
أسكنى يا جراح
وأسكتى يا شجون
مات عهد النواح
وزمان الجنون
وأطل الصباح
من وراء القرون
فى فجاج الردى
قد دفنت الألم
ونثرت الدموع
لرياح العدم
واتخذت الحياة
معزفا للنغم
أتغنى عليه
فى رحاب الزمان
في فؤادى الرحيب
معبد للجمال
شيدته الحياة
بالرؤى والخيال
فتلوت الصلاة
فى خشوع الظلال
وحرقت البخور
وأضأت الشموع...
أسكنى يا جراح
وأسكتى يا شجون ( الخ . )
إن نغمة القصيدتين واحدة وهي : مشطور المتدارك ( فاعلن فاعلن )وهذا لا يجعلنا نقول إن القصيدتين متشابهتان وإلا فاننا سنجد مئات القصائد متشابهة . على هذا النحو . وإليك هذا المقطع للشاعر الدكتور كمال نشأت وستدرك فورا أنه على نفس وزن قصيدتى ميخائيل نعيمة والشابي الآنفتي الذكر :
الجوى والأمان غنوة من حنان
منك يا (مارسيان )
فى المساء الرهيف أفتح النافذه
حيث دفء الخريف والرؤى اللائذه
وإذا بالغناء راعشا فى خفوت
ذاب مثل الضياء فى ظلام صموت . . .
طافرا بالأنين فى ظلال الجراح
موقظا بالحنين فى فؤادى صباح ...( الخ. )
والقصائد التى كتبت على هذا البحر ليست كثيرة - ولكن هل نستطيع أن نقول انها متشابهة فى المعنى ؟ - طبعاً لا - اذا أردت أن تعرف الشبه بينها فترجمها الى النثر العربى أو الى أية لغة أخرى لتخرجها من قالب الوزن ثم إبحث عن أوجه الشبه بينها فاذا وجدت شبهاً جزمت بتأثر أحدهم بالآخر وإلا فلا وجود لهذا التأثر .
وها أنا أقوم بعملية ترجمة للمقطعين اللذين أوردتهما من قصيدة عبد الصبور ومن قصيدتى ، إلى النثر وعندئذ نبحث عن أوجه الشبه بينهما (نثر قصيدة عبد الصبور):
عمى مصطفى يجلس عند باب قريتي
وهو يحب النبي المختار
وكل يوم يقضى ساعة بين الاصيل والمساء
وحوله مجموعة من الرجال صامتون
بقص عليهم حكاية هى تجربة الحياة
هذه الحكاية تثير في النفوس لوعة العدم
ويطرقون برؤوسهم
يطيلون النظر فى السكون
فى لجة من الرعب العميق والفراغ والسكون
متسائلين :
" ما غاية أبن آدم من أتعابه ؟ ما هي غاية الحياة ؟
يا أيها الرب
الشمس مجتلاك والهلال مفرق حبينك
وهذه الجبال الراسية عرشك الثابت المكين
وقضاؤك نافذ يا أيها الإله "
(نثر قصيدتي):
... والشيخ مصطفى يوشك أن يفارق الكون
لكنه لم يبصر الكون
والشيخ مصطفى الاعمى
يسكن عند باب المقبره
وكلما مر به نعش
قرأ الفاتحة على روح الميت
وبعض الدعوات الصالحة
ثم يمد يده إلى الأرض
ويختار حصوة من ترابها
ثم يلقيها فى تلك القلة الصغيرة
وهو يردد بعض الكلام قائلا :
" كل من فى الكون من عباد
وكل ما يوجد فوق التراب
سيعود إلى التراب
ولا يدوم أحد غير الله الواحد العليم
صاحب المجد والجلال والإكرام
فصلاح عبد الصبور يتحدث عن رجل يجلس كل مساء مع اصحابه امام باب القرية يحكى لهم تجربة الحياة ويذكرهم بالموت ، فيأخذون فى البكاء ثم يصمتون محدقين فى السكون يسألون الله :
" ما غاية الانسان من أتعابه ؟ ما غاية الحياة ؟ يا أيها الاله العظيم المتجلى فى فى الشمس والمتوج بالهلال والجالس على عرش من الجبال الشامخة ، وقضاؤك نافذ لا مرد له " .
أما أنا فقد أردت أن أقدم مأساة أنسان بسيط ضرير لم ير النور منذ وجد وسيرحل دون أن يراه ، يجلس وحيداً أمام باب المقبرة يحصى الموتى بوضع حصوة صغيرة فى قلة - اذ لا يستطيع إحصاءهم بطريقة أخرى لانه أعمى - ثم يقرأ الفاتحة وبعض الدعوات واثر ذلك يقرأ قوله تعالى : " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذى الجلال والاكرام "
ولا شك أنك رأيت - الى جانب ما تقدم - أن قصيدتي تنتهى بشبه نكتة مرة إذ أن الشيخ مصطفى سقط فى نفس القلة التى كان يعد بواسطتها الموتى وسقوطه فى القلة مجرد رمز لموته .
أما بقية قصيدة صلاح عبد الصبور فتصف موت أحد الاغنياء بعدما ( بني اربعين غرفة قد ملئت بالذهب اللماع - فى مساء واهن الاصداء اذ جاء عزرئيل وفى يده دفتر وأول اسم فيه اسم ذلك الغني فدحرج فى الجحيم روحه . وكما مات ذلك الغنى مات عمى مصطفى الذى لم يبتن القلاع وكان كوخه من للبن ( أى الطوب)وسار خلف نعشه بعض الفقراء أمثاله ، وقرب القبر وقف ( حفيد عمى مصطفى - وحين مد للسماء زنده المفتول - ماجت على عينيه نظرة احتقار - فالعام عام جوع (! ) - ) .
أراد صلاح عبد الصبور - بهذه القصيدة - أن يشير الى بساطة شعبه والى أنهم يؤمنون بالقضاء والقدر وطيبون رغم انهم يقتلون ويسرقون ويشربون الخمر .
أما أنا فقد قمت بتسجيل أسطورة تونسية سمعتها منذ الصغر ، وصادف أن اشتركنا فى الاسم (مصطفى ) والبحر(الرجز)اما اسم مصطفى فقد سمعت الاسطورة بهذا الاسم فلم أغيره . واما البحر فهو ملك لجميع الشعراء لم يبتكره صلاح عبد الصبور وهو بحر سهل سماه العروضون ( حمار الشعراء ) لسهولة ركوبه وصلاح عبد الصبور يكثر من الكتابة عليه فديوانه ( أحلام الفارس القديم ) يكاد يكون كله مكتوباً على تفعيلة بحر الرجز.
ولزيادة الايضاح أقدم لك هذا المقطع من شعر نزار قباني من قصيدة ( قصه راشيل شوارز نبرع ) ديوان قصائد ص 185 : وهو على تفعيلة بحر الرجز وأرجو أن تقرأ القصائد الثلاث مع بعضها لتلاحظ وحدة الوزن :
((...وكان والدي الرحيم
مزارعا شيخا يحب الشمس والتراب
والله... والزيتون...والكروم
كان يحب زوجه وبيته
والشجر المثقل بالنجوم
. . . وجاء أغراب مع الغياب
من شرق أوربا . . ومن غياهب السجون
جاؤوا كفوج جائع من الذئاب
فاتلفوا الثمار
وكسروا الغصون
واشعلوا النيران في بيادر النجوم
وأشتعلت فى والدى كرامة التراب
فصاح فيهم : اذهبوا الى الجحيم
لن تسلبوا ارضى يا سلالة الكلاب
ومات والدى الرحيم
بطلقة سددها كلب من الكلاب
عليه ، مات والدى العظيم
في الموطن العظيم
وكفه مشدود شداً إلى التراب . . . "
واذن فان بحر الرجز لم يبتكره عبد الصبور وليس هناك من شبه بين قصيدتى وقصيدة عبد الصبور وقصيدة نزار وقصائد آلاف من الشعراء إلا البحر وهذا امر لا غبار عليه . كما أن بحر مشطور المتدارك لم يبتكره ( نعيمة) ولا ( الشابى ) ولا ( نشأت ).
وعلى ذكر بحر مجزوء المتدارك أذكر هناك مجموعة من القصائد كتبت على بحر المتدارك وعلى قافية الدال وأولها قصيدة الحصرى :
يا ليل الصب متى غده ؟ أقيام الساعة موعده ؟
وقصيدة شوقى :
مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحم عوده
وقصيدة مصطفى خريف :
العهد هلم نجدده فالدهر قد إنبسطت يده
وقصيدة الشابي :
غناه الأمس وأطربه وشجاه اليوم فما غده ؟
وعشرات من القصائد التى كتبت ( معارضة لقصيدة الحصري ) الأولى ، ولكنك قلما تلمح شبها - فى المعانى - بين أية قصيدة وقصيدة الحصرى - رغم أنك ستلاحظ وحدة الوزن والقافية وتشابها فى كثير من الالفاظ والتراكيب . ولو قمت بترجمة كل تلك القصائد الى النثر أو الى أية لغة اخرى لوجدت بونا شاسعاً بين معانيها ومحتوياتها .
وبالمناسبة أرجو أن تكون متابعا للحلقات التى أنشرها فى صفحة ( أدب وثقافة ) من جريدة الصباح منذ أواخر شهر نوفمبر عن هذه المتشابهات وسأعطى رأيى أخيرا عند الانتهاء من تقديم نماذج من المتشابهات . وخلاصة الرأى الذى سأعطيه هناك هو ان نترجم الاثرين الادبيين الى النثر او الى لغة اخرى ثم نبحث عن اوجه الشبه بينهما لئلا نتأثر ببعض الالفاظ أو بالوزن فنحكم بوجود الشبه أو بالثأر لاسباب غير كافية .
وهذه القاعدة جعلتنا نقول ان قصيدة نزار قبانى " مع جريدة " مأخوذة عن قصيدة " إفطار الصباح " لجاك بريفير ، فرغم أن قصيدة بريفير مكتوبة بالفرنسية وقصيدة نزار مكتوبة بالعربية إلا أنك تستطيع أن تلاحظ هذا الشبه القوى بين القصيدتين فى المعانى . قال جاك بريفير على لسان فتاة فى مقهى :(1)
(صب القهوة - فى الفنجان - صب الحليب - فى فنجان القهوة - وضع السكر - فى الحليب بالقهوة - وبالملعقة الصغيرة - حرك - شرب القهوة بالحليب - وأعاد الفنجان - دون أن يكلمني - اشعل سيجارة - صنع دوائر - بالدخان - القي الرماد - فى المرمدة - دون أن يكلمنى - دون ان ينظر الى - نهض - ووضع - قبعته على رأسه - لبس - معطفه الشتوى - لأن المطر كان ينهمر - وذهب - تحت المطر - دون كلمة - دون ان ينظر الى - وانا وضعت - رأسي فى يدى - وبكيت - ) .
وقال نزار على لسان فتاة فى مقهى أيضاً :
أخرج من معطفه الجريدة
وعلبة الثقاب
ودون أن يلاحظ اضطرابي
ودونما إهتمام
تناول السكر من أمامي
ذوب في الفنجان قطعتين
ذوبني . . . ذوب قطعتين
وبعد لحظتين
ودون أن يرانى
ويعرف الشوق الذى إعترانى
تناول المعطف من أمامى
وغاب في الزحام
مخلفا وراء الجريده
وحيدة مثلى أنا وحيدة .
ورغم أن الشخص الأول فى قصيدة جاك بريفير خرج فى المطر وأن تلك الفتاة بكت لذهابه .
وأن الشخص الثاني فى قصيدة نزار خرج وخلف جريدة وحيدة إلا أن جو القصيدتين واحد ورغم أن الأول مترجم هنا والثانى بالفاظ صاحبه فان تأثر نيزار بقصيد بريفير واضح لا يخدع عنه . تلك هى القاعدة التى أراها لمعرفة تأثر الشعراء ببعضهم أو عدم تأثرهم .
