الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

جواز للحب والعيش

Share

... وتبقى الدمعة المغلفة بالغضب تملأ عينك . ويحثل الديناميت فى ليافك لا يستطيع الانفجار ، بللته شلالات القمع والقهر ، فيصبح حملا ثقيلا يهد أعصابك الريفية ، تجاوزته ساعة الصفر فصدئت أزندته ، صادروا حقك فى الحب والحقد . باعوا هويتك فى المزاد العلنى ولم يبق للوجود طعم فى فمك سوى طعم باهت يسد حلقك وخياشيمك ، هزموا فيك حتى الانهزام . بايجاز قالوا لك بعد تكشيرة مقيتة : لا حق لك فى الحياة ...

ستمتد كل ليلة على فراشك القذر وسط ضجيج القلق وهجمات البق الشرسة وستجتر ما مضى .

لكن هذا لن ينفعك . عواطفك ستبقى دائما تتدلى مشنوقة كجذع شجرة مسن يحمل دفق الوادى لا يورق ولا يصلح للايقاد .

قالت أمك وأنت تغادر الريف الى العاصمة لتصبح طالبا جامعيا : - (( أنا اعرف ابنى ... لما كنت أتوحم كنت انظر الى صورة ابى زيد الهلالى سلامة ... ولما كبر رسمت له الوشم المميز على جبينه والسيف الطويل على زنده لتكتمل الصورة ... أنا اعرف ابنى ولا خوف عليه ... لن أوصيه ولن أنصحه ... )) .

وعندما وضعت شفتيها على وجنتيك المحروقتين كخبزة عربية همهمت : (( وداعا يا بوزيد )) .

أبوك كان يرهق حبات المسبحة فى صمت ، وعندما انحنى عليك لانك كنت قصير القامة ، كاد يهد كتفيك . وملأت انفك رائحة السجاد القديم الذى كان يستعمله حين يصلى . قال لك :

- (( وددت لو تكون مثلى ... لو تكون أنا . أتعرف أنى كنت أشتاق لرؤيتك مؤدبا أو شيخ علم الدين فى حاجة الى أمثالك . أردتك عالما جليلا

يشرح ألفية بن مالك ويهز الناس بترتيل القرآن ولكنهم ملأوا رأسك بتفاهاتهم .. الملاعين ... سيكون حسابهم عسيرا . ولكن الله غفور رحيم )) ثم تلا بصوت جهورى : (( اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا ... )) وطلب منك أن تكمل السورة لان ذاكرته اتسعت ثقبها كغربال قديم فهززت رأسك بالنفى .

فقال لك وهو يزداد تحديقا فيك : - (( ما كنت أخشاه أن يضيع أبنائى القرآن ... من يرحمنى اذا مت ان كنت لا تحفظ حتى قصار السور . كان يجب ان تكون مثلى ولكن ما نشاء الا ما شاء الله )) .

لم تكن يومئذ تشعر بالذنب . حشاك المؤدب آيات بعصا من زيتون ، وتبخر ما حفظته عندما اختفت العصا والفلقة ، ولكن بقيت قطعة من العصا فى نفسك ألا تعصى . أن تمتثل لما كتب فى اللوح المحفوظ . ألا تغضب . أن تكون متخلقا لانما الامم الاخلاق ... الخ ...

فى قطار العاصمة دست قدم سيدة . لم تكن متعمدا . غرزت فيك عينين أحدقت بهما مساحيق متناثرة من الجير . مططت شفتيها وقالت : (( هابط من الجبل ... )) ويومها عرفت المدينة ! وسكت على عقب سيجارة يطفأ فى قلبك ، ولكنها لم تسكت . توالت أشرطتها المسجلة قارسة كالبرد فى قريتك ولم ينشف لسانها حتى تراءت أضواء العاصمة .

فى الشارع كانت حقيبتك تثقلك . وكنت تخاف أن تنخرم يدها . لقد انخمتها أمك (( بسبوسة )) بالسمن وتمرا بالعسل والسميد وفطاير وتينا مجففا الخ ...

وسألت رجلا أنيقا عن وكالة الجنوب وعن (( بطحاء الخيل )) فنظر اليك من أعلى قبل أن يجيبك ثم ابتسم . زوجة خالك تملك هذه الوكالة منذ سنين طويلة . قال لك أبوك : (( كن حاذقا انها سيدة طيبة . ستكفيك مصاريف السكن ... والجامعة جنة المحرومين . الفتيات يدخن وتستطيع أن تقبلهن والاستاذ يحاضر . هن متحررات وجميلات ! .

ولذعتك بقة جائعة فلعنت الوهم والخيال الزائف . ثم عدت للاجترار من جديد .

... الواجهات البلورية تتقاذفك ، يكبر رأسك حتى القبة وتصغر رجلاك حتى النملة . لاول مرة ظهر الوشم الاخضر على جبينك المحنط واضحا ، تراه على البلور وعلى الابتسامات العديدة أمك تقول انها نسخته عن أبى زيد الهلالى ، لكى تصبح أبا زيد قلبا وقالبا . لا شك أنه طريف . والطالبات يعشقن كل ما هو (( افزوتيك )) .

أمام وكالة الجنوب انتشلت حقيبتك وهى تهم بالسقوط ، تبعثرت العلب وعمت رائحة السمن والزيت الفناء القذر . وأطل أقوام شعث اللحى من نوافذهم . وجوههم سمر وبعضهم يحمل وشما ويعوم وجهه فى حزن عميق . ولممت عليك وأودعتها بطن الحقيبة قبل أن ترفع عينيك نحو اليافطة المعلقة على جدار الوكالة : قرأت (( ممنوع الخمر وجلب النساء )) . وقلت : انما الامم الاخلاق ... الخ ...

قالت زوجة خالك قبل أن تعرفك : ماذا تريد ؟ - أنا أبو زيد ! . حيتك فى فتور وسألتك عن البلد ، وعن الاهل وعن المطر وعن صابة التمر الخ ...

حديقة الجامعة . الطلبة متمددون يتحدثون ويدخنون . الطالبات أجناس : سمراوات وبضاوات ... شعر غزير فاحم وأشقر سنبلى مذهب وعطر مدوخ . ولكنه عالم بعيد عنك . وقلت أنا جديد وغير معروف والحب لا يكون هكذا . بل لا بد من تعارف وتقارب . ولكن شعرت بحصار كثيف يضرب عليك من أول وهلة . لم تكن مديد القامة . بل كانت رجلاك مقوستين ووجهك شاحبا ومحروقا ، وشعرك أجعد ومتصلبا . لست تدرى لماذا تمنيت يومئذ أن يكون الطلبة على نمط (( الخماسة )) فى قريتك . فطس الانوف قصار القامة شاحبى الوجوه . وتمنيت أن تغرس أنيابك فى تلك الشفاة القرمزية وأن تعض تلك الرقاب العاجية ...

... تطايرت خصلات من شعرها مبللة من تحت الشال الوردى لتقع فى فمك وهى تدخل الجامعة ... المطر وماء الكولونيا يملآن رأسك حتى الاغماء حتى جنة المتقين ... وصعدت مدرج الجامعة تتأبط كراريسها المزخرفة ، وتضرب الرخام بحذائها القصبى فى ايقاع نشوانى ... ومكثت واقفا كتمثال

أتعبه الانتصاب ، فى عينيك المطر وفى حناياك العطر ... ثم تبعتها الى مكتبة الجامعة ووجدتها واقفة أمام الباب تتحدث الى احدى رفيقاتها . ولم تستطع أن تقول لها : معذرة يا آنسة . كان الشعر العاطر ما زال فى فمك ، يسد جهاز تنفسك وتصويتك . . ورمقتك رفيقتها بعين فاحصة ولكنك أسبلت أهدابك على عينيك تنظر الى حذائك المقشر .. واحتد شوق غائم فى صدرك .

وشعرت لاول مرة أن طعم الحياة هناك فى شعرها المنسدل على ظهرها ترصعة حبات المطر ... ورفعت يدك لتلمسه ولكن يدك كانت مشلولة كأنما نقرت بعصا المؤدب الزيتونية ، وتعجز عن رفع يدك ، عن تحريك أصابعك ، عن الكلام ، وعن تحويل عينيك ... وتدفع الريح العاصفة باب المكتبة الزجاجى فينغلق لتبصر وجهك المشوى وعلى جبينك وشمة أبى زيد الهلالى سلامة ! .

وتتقدم من الباب متعثرا فى خجلك فترتطم يدك بيدها وتتبعث كراريسها المزخرفة ولا تقوى على الاعتذار وتبقى واجما كقط مدحور !

وترفع نحوك أهدابا يتأرجح عليها حب المطر ، ثم تضحك فى صخب وتقول لصاحبتها فى فرنسية سليمة :

- (( هؤلاء أناس تنقصهم اللياقة الرجولية ... هابطون من الجبل ، أولى بهم أن يكونوا نماذج للتاريخ البائد ... ))

وددت لو ترد أنك نموذج من الحاضر وأن آلافا مثلك وراء حدود الجامعة ، وراء حدود العاصمة والمدينة . ولكنك تصمت وتأخذ طريقك الى الداخل وسياج بارد يحوط قلبك وحنق فظيع يدخل صدرك وقلت لنفسك يومئذ : تنقصها الاخلاق . ومن لا أخلاق له لا يمكن أن تعاشره أو حتى ترد عليه اذا خاصمك ، هكذا أوصاك أبوك ... وانما الامم الاخلاق !                                   *** -

هؤلاء الذين يسرحون بأنظارهم التائهة بعيدا ، وعيونهم تدور فى وجوه لا لون لها ولا شكل ، هم شركاؤك فى الهوية . هؤلاء الذين يسيرون في طوابير طويلة عبر الازقة الموحة يحملون رؤوسا ثقيلة لا شئ يشدها الى الافق ، ويجرون أجسادا كبيرة تدفعهم دفعا الى حوانيت المومسات هم ما ضيك وحاضرك ومستقبلك . وصديقك الريفى الذى يسير جنبك هو امتدادك الطبيعى . قبل أن تعبرا أزقة الماخور كان يحدثك عن فيلسوف يسمى

(( ماركوز )) ، يعتقد أن الثورة الحقيقية تبدأ من تحرير الجسم من قمقم المصادرة والحظر . وحدثك عن عالم نمساوى يسمى (( فرويد )) جعل الجنس محور الحياة وفلسفته كلها اطلاق الانسان من عقال الكبت والحرمان ... وقلت لنفسك لماذا نقرأ كل هذا اذا لم نستفد به ، إذا لم نطبقه . الدراسة والحياة شيئان لا يختلفان . عندما نعلم الطلبة الكهرباء فليصبحوا كهربيين لا بائعى ((لبلابى)) وعندما ندرس ((ماركس)) و ((بافلوف)) أو ((فرويد)) فلنتحرر من ربقة الطبقية والتقليد والجنس ... خطأ اما ندرسه وبذلك لا يمكن أن نتخلص من جراثيم العدوى التى تصلنا منه ، أو لا ندرسه وبذلك نبقى فى الجهالة .. الجهالة ولا التمزق ! .

... أحسست بمرافق تتدافعك ، جمع غفير من الناس يقفون ، أمام مومس شقراء ترتدى لباسا داخليا شفافا ولكن جسمها بدا لك جثة عفنة بدون حياة

تسربت الاصابع السمراء ذات الاظافر الطويلة الى جيبك . ورأيتها ولكنك تجاهلت . وجه صاحبها يحمل وشمة ريفية . هذه اليد هي يدك وحرام أن تمنعها من الولوج الى جيبك . اتركها وشأنها . جيب بدتك لا يحوى الا قطعا نقدية قليلة ، لا تساوى ثمن سيجارة تافهة . ثم ارتدت اليد . أكملت مهمتها ولم يبق لها الا الانسحاب . رفعت عينيك وابتسمت لصاحبها بمرارة فانسل مختفيا بين الصفوف المتراصة .

... جذبك صاحبك من ذراعك وقال لك : - (( انظر هذه السمراء ... أكاد أكون من المشتركين فى جسمها ... أعرفها منذ عامين )) .

وتركك واجتاز الرواق ثم انغلق الباب . ووقفت ترقب دورك .

... لما خرجت ابتسم لك صاحبك ولكنك لم تستطع أن ترد على ابتسامته . كان حلقك مشققا وأحاسيسك من خشب . اكتشفت أن حياتك وهذه المرأة يشتر كان فى صفة واحدة : أن كلا منهما مومس . والمومس لا نكهة فيها . وأن الصور العارية التى تقضى الليل بأكمله تمزقها بشفتيك وتضاجعها مستيقظا وحالما لا تختلف فى شئ عن الحياة المومس والمرأة المومس . البغى فقدت هويتها كامرأة تحت تتابع المضاجعة وحياتك فقدت معالمها لان جسمك

المدحور يغلق أمامك منافذ الطموح والانتاج ولان عصا المعلم لا تزال بين ضلوعك تتحرك كل لحظة ، ولان بيت انما الاخلاق ما زال على لسانك رمرا لهرم قيمى مقيت . أما الصور العارية فجماد يمنع تدفق الحياة الحرة فى أعماقك !

... لم يتغير أى شئ ... وستنام الليلة مثل بقية لياليك تحت وخزات البق والقلق ... ستنام وصورة الحسناء العارية المشنوقة على الجدار محفورة فى أحلامك . وستمضغ هذا الجزء من الماضى لا لشئ الا لانه نسخة من الواقع القاحل الممتد ، وفى نفسك مرارة وغصة : لا حق لك فى الحياة ... لا حق لك فى الحب .

اشترك في نشرتنا البريدية