-١-
يمتاز العصر الذي نعيش فيه بانه " عصر بعث واحياء وتجديد " . . بعث لمعارف العرب المطمورة ، واحياء لتراثهم الفياض فى حقول المدنية ، وتجديد لذهنية الجيل الحاضر من بينهم ؛ بأضواء ذلك البعث وتيارات ذلك الأحياء .
ونحن اذا أردنا ان نستوعب عظمة الأسلاف استيعاباً صحيحاً راشداً ، مفيداً ناجعاً فعلينا اذن أن نشمر عن السواعد من جديد حاملين معنا مصابيح التنقيب للكشف عن خبايا تلك الآثار الجليلة من زواياها الاصيلة لدراستها وتحليلها معرضين عما وصلت اليه " العقلية الاوربية " من تبليل وإغراض واسقاف فى هذا الشأن ، وعاملين للعلم لاجل العلم فاذا استوعبنا النبث والكشف والدراسة والتحليل فحينئذ يصح لنا أن نقرر ، وأن نحكم ، وسيكون حكمنا حينئذ عادلا ، وسيكون قرارنا يومئذ موفقاً فى صالح العلم وذلك لأنه سيعيد الحق المضاع ، والمجد المسلوب والكنز المفقود والتراث المنكور الى اهله ، وتلك امانة التاريخ والاجيال الماضية يجعلها فى اعناقنا لنقوم بواجبها حق القيام .
وهذا كتاب قيم نفيس من آثار ذلك التراث اللامع المنكور ، شاءت المقادير ان نعثر عليه حديثا فى مكتبة الاستاذ الجليل الشيخ محمد نصيف بجدة ، وقد استهوانا بفنه وموضوعه واستهوانا بما بسطه من علوم ؛ ومماحلله من تجارب وبما قومه من فهوم مما يبرهن على علو كعب العرب فى سلم الحضارة البشرية ومما يبرهن على تفننهم فى العناية بالاساليب العلمية التطبيقية القديمة فى مخبرها
وجوهرها الحديثة فى مظهرها ، فاحببنا أن نستعرض منه خلاصات وافية مشبعة إستعراضاً سداه ولحمته الدراسة الخاطفة والتعليق المتيسر لنا تاركين دقة التحليل العلمي والمقارنة المستوعبة لمن آوى حظا اوفر من حظنا فى هذا الشأن ، فنحن انما يهمنا من هذا الدلالة على النقط الاساسية السامية التى ارتكزت عليها حضارة العرب ، وانما يهمنا ان ندلل على ان جل حضارتهم من نبات علمهم وتفكيرهم وما اقتبسوه من الأمم فقد غربلوه وعربوه وقوموا منه ما كان بحاحة الى التقويم
والكتاب المتحدث عنه هو كتاب " انباط المياه الخفية " أى صناعة استخراج الماء من بطن الأرض الى ظاهرها ، بما تشتمل عليه من وسائل استصلاح المياه وموازينها وآلاتها وجميع ما يتعلق بهذا الفن الحيوى العظيم . وقد الفه محمد من الحسن الكرخي البغدادي من اهل القرن الهجرى الخامس ، وقدم له بمقدمة ذات شطرين ، احدهما وهو الأول فيدل على مبلغ اندفاع العرب في فحصيل فنون العلم وتقدير اهل العلم ، واما الشطر الثاني فيدل على ان المؤلف مقدر لعظمة الفن الذى يبحثه وسمو نفعه للبشرية جمعاء وقد جاء فى فاتحة المقدمة قوله :
((لمدخلت العراق ورأيت أهلها من الصغار والكبار يحبون العلم ويعظمون قدره ويكرمون أهله صنفت فى كل مدة تصنيفا فى الحساب والهيئة ))
وقل فى ختام هذه المقدمة منوها بفضل علم انباط المياه الخنية تنويه عالم حصين : وبعد فلست أعرف صناعة أعظم فائدة و أكثر منفعة من أنباط المياه الخفية التى بها عمارة الأرض وحياة أهلها "
ويقع كتاب " انباط المياه الخفية " هذا فى ٦٦ صفحة من القطع المتوسط ، فهو كما ترى صغير الحجم ولكنه غزير العلم ، ولموضوعه صلة وثيقة بالموضوع الذي كنا طرقناه من قبل الا وهو " السياسة التاريخية للماء لدى العرب " . فقد وضع ايدينا على اصول هذه السياسة بما لامزيد عليه ، ولذلك احببنا ان نلخصه وان نعلق عليه قبل المضى فى البحث الذى جلنا فيه قبلا ليكون بمثابة الصوى والمنار الذى يضيء لنا السبيل
وقد ورد ذكر هذا الفن بصفة مقتضبة فى كتاب ((كشف الظنون )) . ولعل مؤلف كتاب كشف الظنون لم يطلع فى هذا الموضوع على كتاب سوى هذا الكتاب ، او لعله سمع به ولم يطلع عليه ، ذلك انه وصفه وصفاً مقتضباً جاء به فى الاقتضاب فلم يتجاوز فى وصفه الطرا الواحد ، وزاد الطينة بلة تشويه المطبعة لاسم هذا الفن ، تشويهاً قلب الحقيقة واضاع الصواب ، فقد ورد فى الطبعة (١)المتداولة من الكتاب المذكور ما لقبه " انبساط المياه الخفية " بزيادة السين المهملة بعد الباء فاين معنى " الأنباط " ، من صيغة " الانبساط " ؟ !
وموضوع الكتاب واضح من اسمه ، واسمه واضح المعنى بسيط التركيب وكذلك شأن جميع الكتاب . اما الموضوع الذى عني به المؤلف ، فهو موضوع اخراج المياه التى فى داخل الأرض واصعادها الى ظاهرها لتؤمن الحياة شربًا وزرعاً ، وقد تبسط المؤلف فى موضوعه وجال فى ميدانه فى كل ناحية والم باطرافه وملك زمامه فكان المجلى فى هذا الميدان والذي يستوعب صفحات الكتاب يتكشف له عن عقلية عامية واعية رفيعة عميقة ، ويتكشف له عن مقدرة فنية عظيمة فى تبسيط علم الجيولوجيا ، وفى انتزاع غوامضه من براثن الأغلاق المنطوية عليه ووضعها على طرف التمام فقد أشرب المؤلف روح العلم الصحيح روح التجربة والمشاهدة والاستنتاج فى أكثر البحوث التى عرض لها فى هذا الكتاب
وقد بحث المؤلف فى طبقات الارض موضحاً أشكالها وطريقة تكونها و صلة كل منها بموضوعه الخاص : انباط المياه ، فى قلة المياه او كثرتها ، وفى عذوبتها وملوحتها ، وفى خفها وثقلها . ثم بحث فيما يتعلق بالمياه من المعان التى قد توجد باراضيها ، ومن النباتات التى تؤثر فى طعمها أو لونها أو تناثر بها ، او قال على وجودها . لقد بحث فى كل ذلك فإياد وبلغ المراد بلغ النسبة بالنسبة لتقدم ذلك العصر وقدمه ، وبحث عن اشياء اخرى ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بموضوع المياه كالجاذبية وما اليها ، واستنبط موازين لقياس الحوضي
وكشف عن نظريات علمية عملية لاستطلاع المياه واستخراجها واسالتها على وجه الارض بمالا يزال العلم الحديث يعترف به ، وان كان لم يعترف لنا بانه يعرف من اين استقبل تلك النظريات ، ومن اى الأجواء تلقفها وعن أي الاقوام تلقاها ؟
ولكل آلة أو اداة أو عملية مصطلح لدى اهل هذا الفن منذ ذلك العصر ، فبعضها عربي قح ، وبعضها مستعرب ، وبعضها لا يزال عجمياً دخيلاً على العربية والمؤلف يورد كل اولئك ، ولشهرة تلك المصطلحات ومعرفة معاصريه بها واحاطتهم بكنهها وبمقاصدها لم يفسرها لنا التفسير الذى يجلو المراد منها لنا نحن ابناء هذه الاجيال ، وفي دراسة تلك المصطلحات والعناية بها معين لاينضب من الافادة والامتاع ، وهذه مهمة المجامع اللغوية ، والافراد المتضلعين باللغة والبيان ، خصوصاً واننا بحاجة ماسة الى ربط حاضرنا بماضينا فى هذا الشأن ، فلا مستقبل لمن لا ماضي له ومن جهل ماضيه اضاع حاضره وأظلم له المستقبل .
واستهل المؤلف بحوثه الرصينة بصفة الأرض ، فسار على الطريقة العلمية المتبعة للآن فى مثل هذه المواضع واستعراض عام فبحث خاص ، ومن ثم بحث بحثا مستفيضاً فى علاقة الارض بالماء وعلاقة وانواع المياه بالارض من حيث تحورها وجريانها ومن حيث كونها وظهورها وقد أفضى به البحث فى هذه الناحية الى بحث نظرية الجاذبية على ضوء مشاهداته وتجاريبه ومعلوماته العامة بما يراه من إجتذاب الاشياء الى الارض ، فقال " وكذلك الابنية والامكنة المرتفعة عن وجه الارض نهار وتقع طلباً للمركز واستدارة الارض " .
وهكذا سبق " الكرخى " الحاسب ، " نيوتن " بتقرير نظرية الجاذبية ببضعة قرون .
ومن أجمل بحوثه وأجلها نفعاً واعمقها اثراً واروعها خطراً تقريره هذه النظرية العلمية العميقة حيث قال : " وليس على وجه الأرض ماء جار أو فائر ولا في بطنها الا ومادته من مكان هو ابعد من المركز من موضوع ظهوره وجريانه وفورانه لا يجوز غير ذلك بوجه من ) الوجوه ( . . وقد جعل هذه
النظرية مهاداً وتوطئة لتقرير نظرية أخري هامة ، فكشف عن حقيقة غامضة وجلاها جلاء تاماً لم يدع قولا لقائل ولا تعليقاً لبحث ، وتتعلق هذه النظرية بموضوع المياه العذبة التى تبدو تارة منفجرة وتارة كامنة فى سواحل البحار او فى داخلها ، فقد اوضح المؤلف ان هذه المياه انما تتفجر عذبة من اتيانها الى هذا المكان ، موطن بعيد ، وليست هى من البحر ، ولا البحر منها فهى أجنبية عنه ، وانما تتدفق منه بقوة مفعول منبعها الذي يجعل لها شكلاً خاصاً وقواماً خاصاً ميزته التكتل والقوة التى يحفظ الكيان الذاتي ولو الى امد محدود وفى هذا يقول : " وسمعت بجزائر فيها عيون قوية ماؤها عذب ولا شك أن مادتها ليست من ماء البحر المحيط بها لان سطح مياه اسفل من سطوح أراضيها ولأن ماء البحر ملح وماءها عذب ، بل تكون موادها من مواضع بعيدة اعلامها "
ولما بحث عن " العيون " - وهو البحث الذى يهمنا بصفة خاصة ، شرح موجبات لكونها وعوامل تدفقها وتقلصها ، ووسائل حفظها واستطلاعها وسماها مياه " التراب " فقال فى كيفية لكونها مالا يخرج عما سبق ان فصلناه فى الفصل الذى عقدناه لعين زبيدة وهذا ما قاله " ومن المياه ما يفيض في الارض الى ان يصل الى ترية صلبة تمنعه من الفيض فيقف هناك فاذا انشئ فوق ذلك المانع مجرى يجرى الماء فيه على قدر قوته وهذا الماء يسميه أهل الصناعة ماء التراب " وزاد الموضوع وضوحاً حيث قال فى مكان بعد هذا ما نصه : ((ومن المياه ماء التراب وهو الماء الذي يكون من الامطار يفيض في خلاء لأرض حتى يبلغ الى حاجز مسطح ويقف فاذا انشئت القناة فوق هذا الماء جرى بقدر مادته ثم انقطع وقت انقطاعها )).
وهذا النوع من المياه هو الذي عليه معول الري والزرع فى بلادنا ، فجميع مياهها من هذه العيون ، فى جميع اقسامها وحدتها على السواء
ويقول المؤلف في الفصل الذي عقده فى تنقل المياه وتسبب ذلك للعمران
وللخراب معاً ، " ان حركات الارض تسبب تحرك المياه وانتقالها ، فتظهر عيون وتفيض اخرى ويحصل بذلك عمران في قسم من الأرض وخراب في قسم آخر تدريجياً " وعاد الى الموضوع فزاده تحقيقاً واوضح ان زيادة الماء عن الاعتدال تسبب الخراب لحصول الفيضان والطوفان المميتين والمهلكين كما ان نقصه عن الاعتدال توجب الخراب لحصول القحط والجرب المميتين والمهلكين "
واستخراج المياه العذبة من ماء البحر الملح . هاه مسألة حيوية وقد عالجها المؤلف أيضاً معالجة علمية سديدة تبرهن على عقل فنى بارع ، وبذلك كشف لنا عن ان صناعة تقطير المياه الملح واحالتها الى عذبة ، قد عرف العرب مبادئها الاوليه فهم مؤسسوها وان كان ينقصهم ماتوصل اليه العلم أخيراً من روائع وسائل التقطير فاذا كانت " الكندانسة " الحديثة معروفه الفضل وصانعوها هم الغربيين وعنهم تلقفناها فان محمد بن الحسن الكرخي يشير لنا من وراء سياج الف عام تقريباً بان العرب كانوا من بناة هذا التحويل العلمى قال : واستخراجه - اى الماء العذب ان تتخذ آنية من الآنك يكون فى اسفلها ثقب صغار ويكون لها فم قد وصل بانبوبة متخذة من الجلود الرقيقه مشعة فلا يدخلها الماء فى خرزها ويدلحم هذه الجرة بكرة مهندمة قد جعل فيها خيط ممدود فى وسط الانبوبة طوله مثل طولها و يرسل هذه الآنية إلى قرار البحر فاذا وصلت اليه مدا الخيط الذى هو مشدود فى الكرة التى فى فو الانبوءة حتى يجد الهوا ، الذى فيها مخرجا فى وسط الانبوبة فيدخلها الماء من الثقب الصغار ثم تخرج الانية بالخيط الممدود فى عروة مركمة عليها فوجد فيها ماء عذب "
ويمضي المؤلف في دراسة الأرض والماء فيفيدنا بمزايا الزراعة بالمياء الموجوده على ظهر الارض من جبال ونشان كان لهذة علامة بالمياه المستقرة في الاعماق
والتي على سطح الارض تحول بينها وبين تغمر هذا السطح ، وهى تجعل بعض العيون قوية وبعضها ضعيفة لا تنقطع وبعضها نزاً باقيا مع الدهر وبعضها يابساً لاما ماء فيه الا فى قعر عميق جداً .
العلامات التى نستدل منها على وجود الماء في جبل او ارض . هذا البحث القيم ايضاً من صميم مطالب المؤلف ، ولذلك نراه يعنى به عناية خاصة فيعقد له فصولا تترى ، فهو ينبهنا على فائدة الجبال فى الونها جبال معرفة وجود الماء بها من عدمه ، فالجبال الكثيرة الانداء مثلا غزيرة المياه ، وهذا امر ملموس يقبله كل عقل سليم ذليل المياه التى نشأ عنها . وفي الارضين علامات تدل على المياه المستقرة فى اعماقها ، ويحرص المؤلف على معرفتها إذ يقول " من لم يعرف على وجه الارض علامات المياه الخفية فى بطنها كان ناقصاً فى صناعته " وفي سبيل الوصول الى هذه المعرفة يضع هذه التعاليم :
١ - الأرض ذات الندى ذات ماء ، وكذلك الارض الحمراء والصفراء فى الغالب
٢ - الصحاوى المتصلة بالجبال عن قرب ذات ماء ٣ - لا المكسوة بالنبات الكثير مما لا يزرع ذات ماء وخصوصاً إن كان ينبت أكثر على الرطوبة
السيول ذات مياه اذا كانت متصلة بشعاب الجبال والامكنة المرتفعة عنها وليس لها من برح .
والمؤلف إذ يضع هذه القاعدة فهو انما يحيطينا علماً بغزارة المياه فى أراضى مكة المشرفة التى ينطبق عليها تلك الظاهرة ، ومن تلك المناطق منطقة ( جرول ( خصوصاً فى ناحية الطندباوى والزاهر حيث مسيل السيل منخفض عما يجاوره ويكاد ينحصر فى بعض المواقع ، فقد يصح ان يحفر بها آبارار توازية دفاقة المياه ومما يدلك على صدق هذه النظرية ما قرأناه من أزدهار الزراعة فى منطقة الزاهر ، وما نشاهده من قرب المياه فى منطقة الطندباوي والمسفلة
قريباً من بركة " ماجن " حيث لا تزال توجد بعض البساتين النضرة .
وكذلك الحال في منطقة العقيق بالمدينة فانها مائية ، وقد قرأ الناس مبلغ ما وصلت اليه من ازدهار في صدر الاسلام لما صادفت عناية واحتفالا ولا ولا تزال بقايا ذلك الازدهار ماثله فى بعض مناطق العقيق ، اما المياه فهي قريبة جداً قرباً مدهشاً جعل من بعض انحاء تلك المنطقة ، منطقة مياه احساء لا تزال مشاهدة حتى الآن خصوصاً فى النقطة المحيطة بذى الحليفة التى تسمى للآن بالحساء .
ومن علامات وجود المياه فى باطن الارض وجود دوى بإعماقها وشعابها اذا وجد هنالك ندى وعشب ويقول المؤلف ان من دلائل غزارة المياه بارض وجود بعض اعشاب معينة بها كالبقلة الحمقاء ) الرجلة ( وعنب الثعلب ، والبردى والحبق النهرى ، والحماض ، وكرفس الماء ، والعوسج الدقيق القضبان ، والقصب ولسان الثور والحرشف وعنب الحية والليف والحلفاء الخ
وذلك لأن هذه الاعشاب لا تعيش الا على الماء ، فوجودها فى برية دليل على وجود المياه التى تعيش عليها ، والمؤلف اذ يقرر هذا لا يقرره على عواهنه او نقلا عن القدماء او المعاصرين بدون برهان تجريبي مقنع ، فهو انما اعتمد فى تقرير هذا الرأى على المشاهدة المتكررة والتجربة المحررة كما صرح به فى كتابه مراراً وتكراراً .
للبحث صلة

