استعراض وتلخيص لهذا الكتاب
-٢ -
تابع لما نشر في العدد ٨ مجلد ٦ ص ٣٥٣ من المنهل
وبعد أن استوفى بحث علامات المياه الغزيرة انكفأ إلى وصف علامات شح الارضين بالماء وندرته فيها فاوضح ان الجبال البيض والمنفردة والاراضى النائية عن الجبال الندية ، كالاراضى القريبة من الطائف نحو الغرب الشمالي مثلا والاراضى الجرد وذوات الصخور الطويلة العريضة القليلة العمق والتي يقوي عليها حر الشمس - هذه الشكول من الاراضى ، عزيزة المياه قليلتها . .
وبعد ذلك بحث فى طبيعة الماء نفسها من ناحية اختلاف الطعوم والثقل والخفة ، وأتى بالقول المفيد في هذا الشأن ، وقد عزا ثفل الماء وخفته وحلاوته وملوحته الى تأثير ما يجري فيه ، او ما هو مستقر فيه من التربة " فإن أعذب المياه ما كان ذوب الثلوج وضرب الامطار ثم ما كان جاريا فى تربة عذبة أو على الرضراض أو الحصا " و " ان الماء يتغير بتغير تربته فاذا
كانت سبخة انقلب ملحا أجاجا واذا كانت كبريتا صار كبريتيا واذا كانت تربة نفطية دخله طعم النفط ورائحته وهكذا دواليك "
وتجاوز الى تبيان علاقة الصحة العامة والخاصة بالمياه المشروبة فقال " انها - اي المياه المضرة بالصحة - المياه المتغيرة اللون والرائحة والطعم والمياه الراكدة في مكان زمنا طويلا
ولمعرفة خفيف المياه من ثقيلها ، واستكمالا لحلقات البحث التجريبي عن طبيعة المياه من هذه الناحية حلل لنا " عمليات " تطبيقية مهمتها أولا معرفة الماء الثقيل المضر بالصحة من الخفيف الموافق لها ، فاذا عرفنا ذلك فانه لمتجاوز بنا نطاق هذه الدائرة الى استصلاح الماء الرديئ بنظريات اخرى هى من نتاج آفاق العلم التجريبى لديه فقد توجد طرق كلها توصل الى معرفة المياه الثقيلة الوخمة ومنها مثلا " ان تكيل مقدارين متساويين من مائين ثم تزنهما فاخفهما أوفقهما" ومنها " أن تملأ من كل ماء جرة جديدة مساوية لأختها فى المساحة وقوة الخزف أوضعفه ولونه فى حال واحدة ، وتضع كلتا الجرتين على " مرفع " وتضع تحت كل واحدة منهما " غضارة ( ١ ) " أو زجاجة فى وقت واحد ساعة أو اكثر ، فالماء الذي قطر منه اكثر هو أخف " .
ويمضي المؤلف فيرسم لنا الطرق العملية ويقرر لنا الخطط التجريبية التى بها نستبين خفيف الماء من ثقيله ، ورديئه من جيده .
وكنتيجة منطقية للبحث الآنف الذكر يتنقل الى اصلاح المياه الفاسدة بالطرق العلمية المعهودة في ذلك الوقت ، وقد صور لنا بعض هذه الطرق فاذا بها تمتاز بالبساطة الفنية وان كانت تحوى من التدقيق الكثير ، فهى ارهاصات لما وصل اليه ) العلم المائى ( من الدقة فى الزمن الحديث . ومن الطرق التى بسطها لنافي ذلك فان الماء الملح او الثقيل اذا طرحت فيه طينا حرامدقوقا ثم تركته حتى يسكن ويصفو الماء أزال عنه بعض الملوحة والثقل واذا كرر ذلك عليه كان أجود له "
وبمثل هذه الطريق السهلة التطبيق يورد نماذج من نماذج استصلاح المياه الفاسدة في دقة ملاحظة وفي اعتماد على التجارب وفي التحليل والفحص والتطبيق .
ولفصول السنة من ربيع وصيف وخريف وشتاء ، علاقة وطيدة بالمياه . هذا ما يقرره المؤلف فيجيد . ففصل الشتاء في الاقاليم الباردة الشمالية وغيرها تتراكم في ابانه الثلوج التى هى مادة الانهار ومادة العيون المستقرة فى الاعماق فاذا دخل الصيف أو قرب دخوله بدأت في الذوبان فسالت على الارضين فكونت انهارا وكونت عيونا تسقي الانسان والحيوان والنبات وتنشر على الارض بساطا سندسيا من ازاهير ونباتات . أما الصيف في البلاد الحارة فيجفف المياه لشدة وطأة حرارته ، وفي هذا الضرر نفع فبالحرارة تستعيد الأرضون قوتها الانباتية وفي ذلك ضرر على بعض الارضين الشحيحة المياه لقوة الحرارة في مناخها ، وبذلك يتأثر العمران قوة وضعفا . . هذه نظريات علمية فى طبيعة هذه الاكوان .
وبمناسبة الحديث عن قوة اندفاق الماء وضعفه ، تحدث المؤلف عن تراب الارض وكيفية شق القنوات فيه شقا فنيا ثابتا لا ينهار ولا يؤثر على الماء الذي يجرى فيها ، وكان حديثه فى هذا الشأن حديث الخبير .
القرائن العلمية لوجود المياه فى الاعماق . هذه المسألة العويصة الجليلة النفع بحثها المؤلف كذلك بحثا مسهبا يدل على شفوف ذهن. . ودقة ملاحظة وقد سرد جملة قرائن علمية فى هذا الباب وكلها تمتاز بالوضوح وسهولة التطبيق وعدم التعقيد ، وبذلك يتمكن كل امرئ واتته الظروف من استعمالها ويجربتها فى اراضيه التى يجهل مدى وجود المياه بها ، فى حالة احتياجه الى نبث هذه المياه إما لشرب أولزرع وقد لاحظنا أن " بطلة " رواية هذه الاساليب لدى المؤلف ، هي " الصوفة " وحدها بالنظر لسهولة تشبث الطراوة الدالة على المياه بالصوف ولحفظه للنداوة وجلائه لها بما يبدو عليه من قطرات لصفائه وقلة امتصاصه للندى ، قال : " إذا أردت أن تعرف وجود ماء بارض ما فتأخذ قدحا من رصاص أو نحاس أو خزف على شكل نصف الكرة ويلزق في قراره
صوفة بالشمع ولا يبلغ الارض اذا كب ثم يحفر فى الارض حفرة قعرها ثلاثة أذرع او اكثر ويكب القدح في قرارها ويوضع فوقه ورق اخضر أيا كان وتطم الحفيرة بالتراب وتترك من وقت غروب الشمس الى طلوعها ثم يستخرج القدح منها بالغداة فان كان في داخله ندى او كانت الصوفة رطبة يقطر الماء منها اذا عصرت كانت الارض ذات ماء . "
هذه احدى الوسائل العلمية المعروضة للتطبيق لمن يروم التطبيق لوسائل معرفة استقرار المياه بالاعماق . وهناك وسائل اخرى سردها المؤلف وكلها بسيطة قريبة التناول للعاملين .
بقى أن نقول . إن العلم المائي " قد ترقى أكثر من ذي قبل بحكم الزمن وتقدم البحوث " فصارت الطرق العلمية لمعرفة وجود المياه بالأرضين اكثر دقة وأحفل بالنتائج المطلوبة هذا كله صحيح ، ولكنه لا يسلب العرب فضل أسبقيتهم في التعرف الى شخصية المياه المستقرة فى أغوار الأرض البعيدة بالطرق العلمية التجريبية الموجودة والتي استنبطوها بعميق أفكارهم فالفضل للمتقدم . وصحيح كذلك أنه كم ترك الاول للآخر ، وصحيح أن للاول فضل التمهيد والرسم والنقرير والتوجيه وللآخر فضل التحليل والتحقيق والتدقيق
وكما ان للجبال والوديان والكثبان وهي ما يدعوها المؤلف حواجز علاقة بالمياه فكذلك يرى أن لها علاقة وطيده بالزلازل أيضا . وقد قرر المؤلف هذه النظرية وسجلها وحللها تحليلا علميا فقال : " ان علاقة الزلازل بالمياه العميقة ، أن الزلازل تخلخل تربة الارض فاذا شققتها وخددتها وخلخلتها تتنقل المياه من مكان الى مكان بفعل الضغط الداخلى وانفراج مسالك كانت مستغلقة " وربما كان الماء محتبسا فى منطقة محصورة فيخرق البخار محبسه ويجعل له طريقا الى وجه الارض فينبع منه وشوهد ذلك كثيرا " . " وربما تحول الماء من مجرى الى مجرى ويكون ذلك فى الأرض المختلفة التربة . وقد يزيد ماء القناة وينقص عند الزلزلة .
أما الزلازل نفسها فقد قال عنها المؤلف انها تنشأ عن احتقان باطن الارض بالحرارة والبخار والهواء فاذا زادت كمية ذلك الضغط في باطن الأرض تفككت اجزاؤها الداخلية وضعفت مقاومتها للضغط البخارى العظيم .
وكما عالج العرب في سياستهم المائية تقطير المياه واحالتها من مياه ملح الى مياه عذبة على ما سبق ان استعرضناه ، كذلك عالجوا مسالة اخرى لا تقل عنها اهمية لحياة الانسان والحيوان والنبات ، الا وهي " اصعاد المياه من الاعماق الى سطح الأرض " ، او ما يسميه العصر الحديث ) بالابار الارتوازية والمؤلف اذ يتعرض لهذا الموضوع يتعرض له بذهن العالم المدقق الذي لا يقبل الاقوال المرسلة على عواهنها بل لابد له قبولها من مناقشة وفحص بمجهر العلم وتحليل علمي مقبول . وبهذا مثل لنا الذهنية العلمية لعلماء العرب اروع تمثيل واصدقه . وبهذا وضع ايدينا على كنزتمين من تراث العرب العلمي في هذا الموضوع القيم الذي كنا والذي لا يزال جمهرة الناس في الشرق والغرب يعتقدون انه من مستنبطات معامل الفكر الغربي وحدها ، مع ان " مصانع العقل العربي " قد استكشفته قبلها ببضعة قرون ، فالمؤلف اذن قد اعاد نصل الحق العلمي الى قرابه وسابق الحوادث والآراء الفطيرة فسبقها وكشف عن مساوئها .
قال . " وقد ذكر قوم انهم يصعدون الماء من قرار البئر الى عند (١ ) فمها حتى يجرى على وجه الأرض بانابيب رصاص (٢ ) موصلة بعضها الى بعض بمقدار ارتفاع البئر وقد ركب سافلها على ثقب في حجر مطبق على منبع الماء في قرارها يستهل المؤلف هذا البحث العميق بهذا التمهيد العلمي ليعطف عليه فينقده على أضواء تجاربه ومشاهداته ثم يأتي بعد ذلك ومن كل ذلك بفصل الخطاب الذي يكشف عن المقدمة والنتيجة ، ويكشف عن. السبب والمسبب حيال هذا الموضوع الخطير طبقا لمرئياته وقد استهل نقده العلمي الفاحص معقبا على دعوى أولئك القوم بقوله : " وذلك من المحال إلا بشرط اذكره " . . فما هو هذا
الشرط الذي يذكره لاصعاد المياه من باطن الأرض الى ظاهرها ، ولم تخترع بعد " الطلومبة الرافعة للمياه ولم يعرف الناس غير السانية والساقية والدولاب . ان المؤلف وهو العالم الحصيف لم يشأ ان يخدع المزارعين المعاصرين له وبعبارة اصح ) المائيين ( بالنقول الفجة التى لا نقوي على نار التحقيق العلمي ، فهو مرشد وهو مخلص لبني ملته وجلدته فمن واجبه ان يصدقهم ، وان يصحح مقاييسهم لا ان يوافقهم على دعاواهم الخاطئة فى نظره . . وهو يعرف ان دعوى أولئك القوم لا تخلو من زيف وتضليل لعقول السذج من ) طلاب الماء ( فعليه اذن مهمة التقويم والتسديد ، وذلك ما صنعه اذ يفيدنا " ان من طبيعة الماء ان يتطلب المنحدرات فلا يمكن ان يرتفع من تلقاء نفسه هذا هدم بمعول التحقيق العلمي للنظرية التى ارسل بها اولئك القوم الى الآفاق يخادعون بها الناس ، فيدعون انهم استطاعوا رفع المياه العميقة من تلقاء نفسها ، وجهلوا ان لهذا الارتفاع سببا خلقيا يجهلونه فالماء لا يرتفع من منحدر بذاته مطلقا . " والعلة الحقيقية التى ترفع الماء الى فم البئر فى هذه الوضعية هي ان مادة هذا الماء المرتفع اليه ، من مكان اعلا من موضع البئر ومكمن الماء علوا يسامت او يرتفع عن مستوى سطح فم البئر نفسها فاذا حصر ذلك الماء المستقر فى جوف البئر والقادم من مكان عال عن الجريان فى مسارب الأرض التى حول قرارته بان بني في اصل البئر دائرة بالآجر والنورة وبأن اطبق عليها حجرر رحي ضيق ووضع على الثقب انبوبة رصاص ارتفاعها ارتفاع البئر وطم ما حولها بالطين المخلوط بالنورة طما محكما يمنع ترشح المياه الى ما يحيط بالبئر من ارضين واستمر ذلك العلم الى عند ( ١ ) فم البئر فان الماء يخرج من فم الانبوبة متصاعدا بحكم انحصار مادته حالة كون هذه المادة قادمة من مكان معتل وبذلك تتصاعد تصاعدا طبقيا الى اعلا حتى تتدفق من فم البئر "
هذه نظرية علمية كاملة التكوين كاملة الاجزاء منسقة التفاصيل يبسطها لنا المؤلف بسطا دقيقا ، ولا نظن ان ( العلم المائي )الحديث توصل إلى نتائج
اسمى منها وأدق ، اللهم الافي الوسائل والأدوات وبعض الجزئيات التى لا تؤثر على جوهر النظرية ولا تقل من حد قوتها وانسجامها ودقة تكوين هيكلها النظم
وخواص العيون الفوارة . كيف تزاد المياه فى العيون بطرق مصطنعة وكيف يتوقي من نقص مياهها ؟ وكيف تعرف العيون القابلة للزيادة والقابلة للنقص
هذه بحوث متسلسلة جلاها المؤلف وبسطها بسطا وافيا جميلا برهن على تقدم العرب ابان عصرهم الذهبي السالف في المعارف التطبيقية التى يفاخر بها الغرب فى العصر الحديث .
ولابد من البحث في حريم القني والابار ، والبحث فيه من وجهتين . الوجبة الدينية والوجهة الصحية والعلمية . وقد عقد لكل جانب من هذه الجوانب فصلا خاصا به ، واستهل الفصل الاول بتعريف حريم القتي " فقال : " حريم القناة : الأرض التى يتحلب ماؤها اليها " . . وهو كما ترى تعريف على مبسط جميل مستوعب . وقد شرح بعد ذلك مزايا هذا الحريم من الوجهة الصحية بالنسبة للماء واستفاض فى اقوال الشرع فيه وتحديده وتحليل ما يحيط به من بحوث ، وبين حكمة الشرع فى تقدير وتقرر هذا الحريم وقاية للصحة العامة من التلوث بالفضلات والاقذار التى من شانها ان تتسرب في باظن الارض الى مياه القنوات .
وبعد ما فرغ من ذلك كله التفت الى الجانب العلمي من بحث الحريم فحدد حريم القناة الطبعي لها بخمسمائة ذراع حتى يمنع ذلك تحلب المياه الأخرى اليها من آبار مجاورة او تحلبها الى مياه اخرى مجاورة وذلك طبقا لما ورد به الشرع حسب بيانه ، وبذلك واءم بين نتائج العلم التطبيقي وما يقرره الدين الاسلامى الحنيف مما يبرهن على مطابقة العلم الصحيح للدين الصحيح وقد اختتم هذا البحث بقوله وليس لاحد ان يتعرض لحريم قناة غيره بناء عليه او زرع فيه او غير ذلك والسبب في ذلك واضح فانه يبطل الباعث الذي احتفظ من اجله بالحريم وهو خياطة ماء القنوات او الآبار بتخصيص منطقة " حياد " لها تمنع " احتكاك " مياهها بالمياه والفضلات المجاورة حتى لا تتأثر او تؤثرفيها
ولاشك أن احتفار القنوات والآبار من الموضوعات الجديرة بالدراسة ، ولهذا خصص لها المؤلف قسطا من بحوثه . والذي يهمنا فى هذا الصدد اكتشاف الطريقة التى كنا نخالها وليدة أواخر عهد القرون الوسطى ، أى القرن الثامن والتاسع الهجربين حول كيفية تفنيت الحجارة الصعبة التكسير وتليينها وفي ذلك يقول المؤلف : " وإذا أريد تلتين الحجرأ وقد عليها بخشب ناره اقوى النيران كالفضا وخشب البلوط والعفص وشجر الجبال وأشجار الفاكهة وان صب عليه النفط وأوقد فوقه نار لينه (١ ( .
وهذه الوسيلة أوهاتان الوسيلتان وان كانتا تفيان بالمرام غير انهما بطيئتان ومرهقتان للاعصاب ، ومبيدتان للخشب وللنفط ان وجدا ، كما حدث فى القرن التاسع الهجرى حينما احتفرت فاطمة خاتم " كريمة السلطان سليمان قناة عين زبيدة من فوق منى الى مكة بهذه الطريقة العتيقة المنهكة فاحدث ذلك الصنع ازمة حادة فى الخشب والحطب والعمال واقتضى جهودا مرهقة وأموالا مكدسة ووقتا مديدا وتطور المدينة أمر مسلم به وبحسب كل أمة أن تنهض بالقسط الذي عليها النهوض به فى عصرها الخاص بها وقد شاهدنا بعد ذلك تطور وسائل " تليين الحجارة المستعصية بواسطة " الغام البارود وهو حلقة جديدة فى سلسلة تطور الحضارة والصنائع تلته وتتلوه تطورات اخرى يستحيل معها العمل البارودي الى اسلوب عتيق مرهق ، بما اخترع وعما سيخترع من وسائل التحطيم الكهربائية فالذرية حسبما هو مرتقب من ادخال " الذرة فى الصناعة الحديثة وناهيك ممن استطاعوا ان يحطمو الذرة فيحطموا بها مدائن وعساكر فى لحظة خاطفة أو لحظات .
وقد ادرك مؤلفنا حقيقة هامة هي ان الحجارة التي في باطن الأرض هي ألين من الحجر الظاهر للشمس فان الحرارة الكمينة فى باطن الأرض مع الرطوبة من شأنها اضعاف قوة الحجر على كل حال ووهيج الشمس مع اليبوسة من شانها أن تقوي الحجارة وتكسبها بعض المناعة .
وفي أثناء بحثه المسهب عن طبيعة البخار فى الآبار والقنوات وتحليل ذلك علميا وتقديم وسائل علاج البخار تطرق الى نصيحة صحية قيمة للقنائين ) اى حافري القنوات ( قال : " وطعام القناء في تربة متبخرة يجب أن يكون لطيفا ويحتاج أن يتجنب كل ما يكون فيه الثوم والبصل والأشياء المنتنة الريح " وهكذا يقوم المؤلف بدور العالم الموسوعي الذي يحيط موضوع بحثه بنظرات علمية شاملة لكل نواحيه ومتعلقاته .
ولا يريد المؤلف الفاضل الا ان يستقصى جزئيات موضوعه فهو الآن يفصل لنا كيفية اصطناع البرابخ على مقتضى القواعد الهندسية وكيفية نصبها ويقصد بهذه البرابخ (١)لانابيب الفخارية التى يجرى فيها مياة العيون . والدليل على ذلك انه وان لم يصرح بمادتها فانه يومئ اليها ايماءا لا محيد لنا عن اعتبارها معه فخارا حيث قال في معرض كلامه عنها : " وإن طلى داخلها قبل نصبها بالشحم المذاب والدهن كانت أحفظ للماء " فطلاء أنابيب الفخار ، او برابخه على حد تعبيره هو قضية لها اشباه ونظاير في عرف البنائين والقنائين وصانعي البرك فى هذه البلاد فقد ادركنا ولا نزال نشاهد بعضها يدهن بالشحم المذاب تقوية لها وسدا لماعسى أن يحدث فيها من خلل او مسلم بفعل الشمس والرياح فلا يترشح فيها الماء المكيث الى أرضها ولا الى جوانبها
وقد دفعه الحديث عن البرابخ الى الحديث عن النورة التى تستعمل فى وصل بعض البرابخ ببعض على منهجه الموسوعى فى البحث ومن ثم انتقل الى بحث سياسة الأرض الناشفة بغير وضع البرابخ في مجرى مياهها ففصل كيفية ذلك بما هو مستعمل فى " العيون " الموجودة لدينا حتى الآن .
وقد خصص ثلث كتابه - بعد ذلك للموازين الهندسية التى توزن بها الأرضون لانشاء قنوات المياه ولمعرفة مقدار صعود مكان عن مكان بينهما بعد قليل
أو كثير ، وفصل الوان الموازين وقال : ان منها انبوبة الزجاج ومنها صفيحة الصفر ، وقد اوضح طرق الوزن بهما ، بعدما أوضح كيفية صنعهما الهندسي ثم تحدث عن اختراعه " لبعض الموازين التى تتلخص ميزتها فى أنها لا تحتاج الى " خط الخيط " وقد تحدث عن كيفية عملها وما يقوم عليه شكلها من النظريات والبراهين والعمليات الهندسية ، تحدث عن ذلك حديثا مسهبا ، وقال " إن هذا الميزان الذي استخرجه هو أجود من جميع الموازين وأروح للعمل وأصح إذا كان الوزان به حاذقا " ودراسة هذه الموازين هي مفيدة لأنها دراسة لمرحلة واسعة اجتازها هذا العلم من العلوم التجريبية على أيدى اسلافنا العرب وانها وان كانت بنسبة التقدم العلمي الحديث قديمة الا ان دراستها ضرورية لمن يروم المسير بعلمه الى الامام ، لأنه بذلك يفهم العناصر الاولى التى ساهمت فى هذا التطور الحديث فيستطيع ان يقارن بين الماضى والحاضر فتتوسع مداركه ، ومن عرف الاصل معرفة جيدة سهل عليه معرفة الفرع واستيعابه ومن درس الاسباب واستوعب المقدمات هانت عليه معرفة النتائج والمسببات
وقد سرد المؤلف بيانا بعدة أدوات لوزن السطوح والأرضين وقياس ارتفاع الجبال ، وقد قتلها كلها درسا وبحثا وتبسيطا ، ولم يكتف بالبحث المجرد فى كل ذلك بل أتبع البحث بتمثيل أحدث الطرق العلمية فى الفنون التطبيقية ، وهي طريقة تصوير ما يبحث فيه من ادوات آلات تصوير يقربه الى الاذهان ويجعله واضح الاجزاء والترا كيب والعناصر : وكذلك رسم جميع الموازين التى تحدث عنها فى كتابه وقد بلغت رسومها سبعة عشر رسما متقن الفن رائع التصوير واضح القسمات والاجزاء .
وما يكاد يفرغ من بحث الموازين حتى ينهض بنا الى بحث معرفة انشاء القنوات وقد افتتح هذا الفصل بنظرية موائمة لارائه العلمية التى مربك تلخيضها حيال الاماكن التى تكون غزيرة المياه ، فقال : " وخير مواضع القنى ان تكون على بطاح ما بين الجبال الدائمة الانداء والثلوج او فى شعابها
الخ ، وانتقل من هذا الى بحث الوقت الملائم لإنشاء القنوات فقال إنه " يمكن ذلك فى وقت قلة المياه وغير خاف ان القنوات انما تحتفر وتنشأ فى باطن الأرض فكان لزاما على المؤلف - وهو البحاثة المستوعب أن يتحدث فى حفظ استقامة النقوب ) الديول ( تحت الأرض في اليابس والمنبع ، وقد استهل هذا الموضوع بتوجيه نقد لاذع الى جماعة " القنائين المعاصرين له الذين يدعون الصناعة " - " لأنهم يعوجون المجاري والنقوب في اليبيس وينزلون فى قرار الارض أكثر من الواجب أو يصعدون عنها ثم اذا فرغوا من فتح النقوب الى الآبار وانشاء اليبيس قوموه بتوسيع النقب وهذا من الفساد العظيم للقناة وخصوصا إذا كانت التربة رخوة " . . وقد سلط مجهر فنه الى تقويم هذا الخطأ الشائع واصلاح هذا الفساد الذائع معتمدا على العلم وعلى الموازين الدقيقة واستفاض فى ذلك استفاضة العالم الحصيف ذي التجربة الواسعة . . فأنت إذا أنشأت القناة على الأصول العلمية التى رسمها المؤلف فانك بحاجة الى حفظها من الخراب . والمؤلف يسير معك في هذا البحث ايضا ويطلعك على وسائل حفظ القنوات بعد إنشها من الخراب . ومن أهمها أن تكون مكسوحة نظيفة وخصوصا فراهيجها مما يجتمع فيه من الطين وينبت في قراره من الطحلب " ويفيدك بأن معظم خراب القنوات من خراب افواه (آبارها ) قصباتها ( ومن شروط استدامة عمرانها ان يكون لها " متفقد " (١ ( يتاملها شهريا لرفع ما يسقط بها من طين وتكسح من اللازوب .
ومن العوارض الملازمة للقنوات انسدادها بطين يقع فيها من سماوة النقب أو من أفواه الآبار . فالمؤلف يشرح لنا كيف نفتح القنوات المسدودة بهذه الوسيلة
ونوه بشروط تسلم القنوات من بناتها وقال ان " سبيل المقدر ان يراها وينزل اليها قبل كسحها ويشارط القناء على تنظيف كل بانجة منها ان كان ) لازوبا أوسوائين ( فان وجد العمل مرضيا كما وقع الشرط عليه وفاه آجرته وإلا نقص منها بقدر تقصيره فيه " .
وقال في معرض هذا البحث : " وكل قناء لا يدخل المقدر الناصح فلا خير فى استبقائه ولا احتياط في عمله
وبهذه الجملة القوية اختتم هذا الكتاب النفيس :
لغة الكتاب وأسلوبه
واذا كان لنا ان نعلق على هذا الكتاب النفيس الذي صغر حجما وكبر علما بعد تلخيصنا له ولمراميه العلمية العالية فان اول ما يلفت نظرنا فيه هو جمال أسلوبه واشراقه ووضوحه وضوحا يجعل فهمه ميسور للقارئين فكأنه لا يتكلم بفصيح الكلام من شدة السهولة والوضوح ، وقد أداه توخيه هذا الجانب من السهولة الى الوقوع فى بعض هفوات نحوية فأدخل مرارا حرف ) إلى ( على الظرف الذي هو ) عند ( وذلك ما لا يرتضيه سيبويه ومريدوه ونحن على يقين بان المؤلف اختار هذا الاسلوب المبسط السهل الواضح عن قصد وهذا القصد هو تيسير الفهم على كل المطالعين على السواء واكثرهم من طبقة الصناع البسطاء فى المعلومات اللغوية . وهذا شأن الباحثين الحصفاء ، إذا كانوا يبحثون فى الموضوعات العلمية الدقيقة التى تتعلق بضروريات الحياة العامة " خاطبوا الناس على قدر عقولهم
اصطلاحاته العلمية
حوى الكتاب جملة وافرة من الاصطلاحات العلمية المتعارفة بين اهل ) الفن المائي ( - انباط المياه الخفية - في عصره ، وهي مرتفع خصب للدراسة والمقارنة والتحليل والتعليق . . ومنها هذه الكلمات " التوأب . البابخات السوائين . اللازوب . الفراهيج " وقد نعود الى بحثها وبحث امثالها من المصطلحات العلمية والصناعية التى كانت تستعمل لدى العرب في فنون الصناعة المختلفة مقتبسوه من الأمم التى فتحوها كفارس والروم والهند ومما وضعوه من الصيغ لما فى هذا من احياء للتراث العربي المجيد وتمهيد لحياة صناعية عربية مستقلة .
وبعد فان كتاب " انباط المياه الخفية " هذا هو كتاب يشع بنور النهضة العلمية في ميدان العلوم التطبيقية لدى الأسلاف من العرب الا كرمين ويحسبنا منه ذلك . ومع انه كان منبعا فياضا لا ينضب لمعرفة الشئ الكثير من مبادئ وأصول هذا العلم الحيوى العظيم ففيه كذلك متعة للنفوس الظامئة الى المعرفة العامة والثقافة العامة في سياحاتها إلى عوالم الفن والفكر والثقافة العريقة وما آحرانا أن نكون كذلك ! فمن لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل .
تم البحث

