تسألني يا جورج : من أنا ؟ ! ومن حقك والله أن تسألني . وتريد أن تتحدث إلى ؟ ومن حقك والله أن تطيل معى الحديث ؟ .
كنت تظن أنك تدير عجلة الوجود بنفسك ، فإذا بك ترى اليوم أنك لست وحدك الذى تدير هذه العجلة . وكنت لا تبصرني ، فلما وقفت بجنبك ، وأمسكت بأذنك ، أحسست بوجودى ، ونظرت إلى نظرة ابتسمت لها ابتسامة الاطفال ، فعجبت لامرى . ولعلك خلتنى قوة أخرى من قوى الطبيعة التى اكتشفت سرها وسخرتها لاغراضك . ولكنني رأيت في عينيك العقليتين أنك أحسست مع ذلك بأن هذا الذى يقف بجنبك صامتا قد يكون قوة من نوع خاص ! وكنت تتحدث للوجود بلغتك الجافة ، ولم تكن تعرف من لغة الحياة إلا قليلا . فصعب عليك فهم الكثير من أسرار كائناتها ، وشق عليك تحليل العظيم من مقوماتها . فلما رأيتنى بجنبك صامتا باسما ، قلت فى نفسك ساخرا : قد يوجد فى النهر ما لا يوجد فى البحر ، ورغبت فى التحدث إلى قليلا .
نعم يا جورج ، أنا وانت اليوم نقف وسط هذه الطبيعة الجميلة الفاتنة . انظر معى ، وآنس وجودك ولو وبعض الوقت . آلا ترى إلى تلك الزهور المتفتحة الباسمة التى لا تعرف من الحياة إلا عذب ابتساماتها ؟ . ألا ترى إلى تلك العصافير المغردة الحالمة التى لا تعرف من الحياة إلا شدو انفعالاتها ؟ . ألا ترى إلى تلك الاشجار المخصرة الباسقة وقد مدت ظلالها ؟ ألا ترى إلى تلك الفراشات الناعمة السارحة ؟ ألا ترى إلى تلك المياه العذبة الهادئة . . ! أنا خرجت من هنا يا جورج ، من قلب الطبيعة الحي ، من أعمق أعماق هذه الكائنات التى تراها . خرجت قوة فيها من قوى الحياة ما فيها فخنقتنى ، وعذبتنى ، وقيدتنى يقيود من حديد قاتلة . رأيت فى نورا فطمسته ،
ورايت عندي مواهب فمحقتها ، ورأيت لي الطبيعة هذه فأغمضتها . خرجت وفي من حمال الحياة ما في هذه الكائنات ، خرجت وفي من رقة الحس ما فيها ، خرجت وفي أعماقى من سر الخلود ما في أعماقها . فلما رأيتني ، رأيت في قوة رعبت فى استثمارها ، ورأيت لي حرية أزمعت كبتها ، فامتصت دمائى ، وخنقت أنفاسي ، وشوهت إحساسي ، وحرمتني حق الحياة بين هذه الكائنات . . دخلت بلادى لتهذبنى كما تدعى ، فما بالك عذبتني أقسى العذاب ؟ ودخلت بلادى لتمدنى في عندك بالحياة . فما بالك امتصت دماء الحياة من برىء عروقى ، وبذلت حبار الجهود لقتل بذور الوجود من أعماقي دخلت بلادى لتمتعني بجديدك ، فما بالك استخدمت كل جديد للقضاء على قضاء كنت تظن أني لن أقوم بعده ؟ وفاتك جورج أن لقوى الحياة ما ليس لقواك . وفاتك أنك وإن اضعفتني وأنهكتني ، فإنك لن تستطيع أن تنتزع بذرة حي الاندفاع من داخلى . فاحتفظت بالرغم عنك بسر التجدد والتحرر ، فلما نادتني الحياة بصوتها الخالد ، تحرك في ما سكن ، واضطرب في مهجتى ما هدأ ، ونبض قلبي نبضات جديدة وقفت لها وقفة خاشعة ! وكنت أظن أنك ستفهمني ، وتكفر عن ذلك بالاسراع لنجدتي . ولكنك رأيتني فأحرقتني . وما كان لك أن تفعل ذلك يا جورج!!
صوبت سهام بطشك إلى هذا القلب الذى ينبض نبضات الحياة البريئة ، ولكن طعناتك كانت لا تصب سوى جسمى النحيف هذا أما حتى إرادتي ، أما راسخ إيماني ، أما بعيد نظرتى ، أما الا هي اندفاعى ، أما كل هذا فقد كيان بينك وبينه من قدسى حواجز ما كان . فكأن دمي البرئ يسيل هباء فوق هذا التراب الذي خرجت منه ، وكنت أنظر إليك كما أنظر إلى الصغير يحطم الأشياء لأنه لا يعرف قيمتها
كنت اعرف ما أفعل ، وكنت أعلم حق العلم أني في الطريق السوية ، وأن خطواتي ثابتة موصلة . أما أنت يا جورج ، فكنت تسير بلا دليل ، وكنت تضع قدمك على الارض حينا وفي البحر أحيانا . ولم يكن لي من قشور القبة ما كان لك ؟ وكنت تخافنى
مع ذلك أكثر مما كنت أخافك ، لانك كنت تشعر بأن ثورتى لن تمحق لانها ثورة من الاعماق تنبع
فلما نادتك الحياة ، آبيت أن تجيبها حمقا ، فهزتك هزا وفتحت عينيك لترى الحقيقة قوية قوة الطبيعة هذه ، ولترانى بجنبك ماسكا بأذنك . فإن ابتسمت لك الآن ، فلا تحسبن انى من ضعف الذاكرة بحيث أنسى سهامك . الجرح يبرأ يا جورج ، ولكن العلامة تبقى ! فانظر بجسمى وتأمل علامات جراحك ، وقل لى بحق قوتك : ألا يؤلمك ذلك ؟ ! نحن قوم ننسى الماضى ولا نريد أن ننساه لانه جزء من كياننا ، ونبع من أرواحنا ، وغذاء لاحفادنا . ولكننا مع ذلك قوم لا ننافق ولا نخادع . فإن رأيتني أبتسم لك الآن الآن فثق أنها ابتسامة خالصة . نحن قوم نغفر للمخطئين ، ونصفح عن ذنوب المذنبين لاننا نرى العجلة فى كل دوراتها .
نحن قوم تحسنون إلينا ، فنشعر بأن إحسانكم دين علينا ، ونعمل جاهدين حتى يتبين لكم آننا نعترف بالجميل . وتسيئون إلينا فلا ننسى إساءتكم ، وكننا نغفر لكم خالص الغفران .
نحن قوم نغفر ولكننا لا ننسى .
أنت تقف اليوم بجانبي يا جورج ، فأرى فيك الإنسان . أرى فيك كرامة الإنسان وجمال الحياة فيه ، ورقة الإحساس عنده . آراك فأرى فيك قلبك النابض بالبراءة ، وعقلك المتحرك بالحيرة . واراك فأرى ضعفك الذى هو ضعفى ، وعجزك الذى هو عجزى ، واندفاعك الذى هو اندفاعى . .
وأتأمل الطبيعة حولنا ، وأتطلع إلى السماء فوقنا ، وأنظر إلى الطريق أمامنا ، فآراها طويلة مجهولة شائكة ، كل ذرة فيها نقطة استفهام كبيرة ، فاحتار ، وأشعر بطول جهادنا ، وأعلم أنك وحدك الذى تستطيع أن ترافقني في هذه الطريق ، فأحس بأنك جزء منى وباننى جزء منك ، وبأن مصيرنا واحد ، فأنظر إليك ، وتنظر إلي ، وأمسك بيدك ، وتمسك بيدى ، ثم نأخذ الطريق . .
