ان الجولة الجديدة فى معركة الوجود العربى التى ابتدأت يوم الغفران وانتهت عسكريا فى نظر البعض ليلة القدر لا تزال فى الواقع مستمرة منذ عشرات السنين ، سواء فى مستوى الثورة الفلسطينية - التى هى الاصل - او على الصعيدين الدبلوماسى والاقتصادى وستتواصل حتى يعلو الحق وتسترد الكرامة . ومع ان الحرب بنهايتها الا ان بعض الحقائق أصبحت اليوم تفرض نفسها فرضا على العدو قبل الصديق
ان استبسال الجيوش العربية واستماتتها وإيثارها الموت الشريف فى ساحة الوغي على الهروب والاستسلام ، أعاد الثقة ورفع الرأس ومحا بالخصوص آثار العار التى لطخت جبين الامة العربية بعد فضائح 1967 .
وتغيرت نظرة الشعوب الينا . كان الناس يشفقون علينا عندما نحتكم اليهم ونطلب عدلهم ، وكأننا في حالة تخاذل وموقف سؤال وراء بابهم ، وكان أنصار اسرائيل ينتدرون بنا ويضحكون علينا ، فأصبحنا اليوم بفضل كفاحنا وشجاعتنا نظهر أمامهم بمظهر القادرين الكرماء ونفرض أنفسنا فرضا
وكان الصهاينة محاطة عسكريتهم بهالة من الاكبار والاعجاب ، معتبرة حضارتهم من أرقى الحضارات حتى أوهموا الناس زمنا طويلا أن جيشهم لا يقهر ، فاذا المقاتل العربى يكشف عن تهافتهم ويعرى ضعفهم وتناقضهم ويدخل فى نفوسهم القلق والحيرة بعد أن تباهوا بأنهم سيدقون عظامنا دقا فاذا بكيانهم يرتج ويندق . . . لولا المدد الخارجي !
ثم ان ابعادا جديدة اتضحت اكثر من ذي قبل بفضل هذه الجولة الجديدة وتجلت بالخصوص بمناسبة فرض وقف اطلاق النار . ذلك ان الكيان الصهيونى المفروض انما تشد ازره بعض الدول الامبريالية وتريده سرطانا فى جسم الامة العربية الاسلامية كي تبقى فى تخلفها وأوهامها واستهلاك بضاعة الاقوياء المادية والروحية
ولعل وراء هذا الصراع السياسي العسكرى الاقتصادى صراعا آخر هو جوهر القضية والسب الاول فيما نقاسيه من المحيط الى الخليج من متاعب ونعني به الصراع الحضاري . فنحن نؤمن بأن العقد الصليبية لا تزال قائمة تفعل مفعولها وبأن القوم لا يزالون يضمرون لنا الاحتقار والازدراء وان اعتناءهم بنا لا يخلو من مركبات هولاكية ، أين منها ما اصاب بغداد على أيدى المغول وما ضاع من نفيس مخطوطاتها ودرس من مجيد معالمها ! ونؤمن بأن " الانبطاح
الثقافى " يزيد فى تعاظمهم وخيلائهم ، بل ان اثبات كياننا الثقافي والحضارى هو الذى سيفرض احترامنا عليهم طال الزمان أم قصر ، كما ان ربح المعارك العسكرية والاقتصادية يجعلهم يقدروننا حق قدرنا ويتناولون الى الحوار المجدى معنا .
فان اشنع الهزائم ليست سلخ الارض وضرب الجيوش واتلاف العتاد بل اصابة روح الامه فى الصميم والقضاء على حضارتها لذلك لا بد من مواصلة الكفاح لمحو اثار الهزيمة الثقافية التى منينا بها منذ أحقاب طويلة عندما زالت الثقة فى أنفسنا وأصابنا الوهن وأضعنا روحنا
وان رسالة المثقفين واهل الرأى بالغة الخطورة فى هذه الظروف اذ عليهم ان ينهضوا بأمتهم ويستأصلوا جذور اليأس والشك التى أورثها الانحطاط وعمقها الاستعمار وتسابقت أجهزة الاعلام والثقافة الصهيونية والمؤسسات التابعة لها او المموله منها ، الى دعمها والتمويه على الاجيال الصاعدة وتسميم عقول وعقليات النخب العربية الطالعة وتلهيتهم بالمعارك العقائدية الزائفة
ان على المثقفين والادباء العرب اليوم أكثر من أى وقت مضى واجبا مقدسا يتمثل فى رفع الاحساس بالمذلة ونزع المهابة والخوف من الصهاينة وأنصارهم والمساهمة فى اعداد القوة لمقاومة العدو ، وهي قوة ليست مادية وتكنولوجية فحسب بل هى معنوية وروحية كذلك ، حتى تواجه الامة العربية مصيرها بعزيمة أشد ووعى أعمق وتناضل من اجل الحياة الحرة الكريمة بقدم أثبت واستعداد للتضحية أوفر طاقة وأطول نفسا .
وان عليهم أن يفرضوا أنفسهم فى الاوساط الثقافية والفكرية العالمية ويرفعوا الغشاوة عن الكثير من زملائهم فى الغرب ممن يعتقدون ان فلسطين أرض بدون شعب لشعب بدون أرض ، وأن يكشفوا عن زيف الصهيونية فى المسرح والسنما والادب والموسيقى وبواسطتها جميعا
اليس من العار - مثلا - أن يعود مفكر مثل ج ب . سارتر الى شنشنته القديمة فيساند في هذه الايام بالذات اسرائيل الصهيونية ويتخوف من زوالها
ان حرب العاشر من رمضان المبارك منعرج ايجابي خطير فى معركة الكيان والوجود الحق
ولا يسعنا الا ان نباركه وان نترحم على من استشهدوا كي يحيا أبناؤنا حياة العزة والكرامة ، وان نحيى المجاهدين من فلسطين ومن كافة البلاد العربية وخاصة مصر وسوريا تحية الأكبار والاعتزاز ، سائلين الله أن يثبت أقدامنا ويؤلف بين قلوبنا ويهدينا الى طريق القوة والنصر حتى نشفى من داء الصهيونية والامبريالية ونفرض ذاتنا المتميزة الطريفة بين مختلف شعوب العالم وتساهم حينئذ فى خدمة السلم والتآخي والحضارة الانسانية
الفكر

