مدريد وطليطلة :
بعد أن فرغنا من رؤية معالم قرطبة والزهراء قصدت ورفيقى الشريف زيد التوجه الى (مدريد )عاصمة اسبانيا فامتطينا القطار السريع صباحا منها فوصلنا بعد تسع ساعات مساء ونزلنا بمحطتها الكبرى وامتطينا سيارة اجرة واشرنا للسائق أن يذهب بنا الى اقرب فندق وكلما مررنا على فندق وجدناه مملوءا بالسواح والزوار حتى عثرنا اخيرا على نزل فى رابع دور فى بعض العمارات فيه غرفة خالية باجرة دولارين ونصف لكل شخص مع الاكل فاسترحنا من وعناء السفر
وتعشينا واخذنا مضاجعنا ونمنا . وفي وضح الصبح صلينا ، وتناولنا فطوراخفيفاو خرجنا نتفرج على معالم البلد الكبير فاذا هو آية فى الجمال والبهاء . وتقع مدريد (١ )على احد روافد نهر تاجه وعلى هضبة وسيعة وهي مركز مهم للمواصلات الداخلية وذات مطار للمواصلات الخارجية ، وقد لعبت الحرب الاهلية فيها عام ١٩٣٦ م دورا كبيرا وقاومت حصارا استمر قرابة شهر فرضه الثوار بقيادة الجنرال (فرانكو )الذي لم يزل حيا ، بيده مقاليد الحكم منذنحو ثلث قرن من الزمان . وتتوسط مدريد اسبانيا وقد كانت فى القرن العاشر الميلادي أحد الحصون العربية ثم استولى عليها (الفونسو السادس ) حاكم قشتالة فخرجت عن حكم العرب نهائيا كغيرها من المدن والحصون وما زالت فى توسع وازدهار حتى بلغ عدد نفوسها اليوم ما يزيد عن مليون نسمة . وبعد تجوالنا
قليلا في داخل البلد توجهنا إلى دار سفارتنا السعودية على أمل ان نجد أحدا من معارفنا السعوديين وبعد وصولنا اليها التقينا هناك بصديقنا السيد عبدالمحسن السمان فرحب بنا أجمل ترحيب وأصر ان نكون ضيفيه ، فى ذلك اليوم فانتهزنا الفرصة للسلام على سعادة السفير السعودي (٢ ) ثم صاحبنا السيد عبدالمحسن الى شقته الانيقة وتناولنا غداء شهيا لم نتناول مثله منذ زمان وسألنة عن آثار العرب فى مدريد ، فعلمنا أن لا اثر هناك يذكر الا المكتبة العربية في (قصر الاسكوريال )وهناك (متحف الرادو ) و (متحف الفن الاسباني )والقصور الملكية وجامعة مدريد التى بها اربعمائة الف مجلد فعولنا على زيارة هذه الاماكن وفى اليوم الثاني التقينا بالسيد محمد عطية من اخواننا فدعانا للغداء على مائدته واجتمعنا عنده بالاخ صلاح مطبقاني والسيد حمود الخلف وبعد الغداء عرض علينا أن يذهب بنا فى سيارته الى بلدة طليطلة القريبة من مدريد على مسافة ساعتين منها فكنا خمسة فى سيارة انا ورفيقى الشريف والسيد عبد المحسن السمان والأخ صلاح والسيد محمد عيطة
موقع طليطلة : تقع طليطلة على ع عد على نشز منيع عظيم الارتفاع تحيط به أودية عميقة واجواف غائرة يتدفق منها مياه نهر ) تاجه ( ويحيط بها النهر من ثلاث جهات مساهما فى حصانتها ومناعتها وكان العرب يسمونها " هدينة الإلاك " لانها كانت دار مملكة القوط ، وفتحها طارق بن زيلد في أولى فتوحاته فوجدها خالية قد فر منها اهلها فغنم غنائم طائلة منها . ويروى المؤرخون ان موسى بن نصير والى المغرب
الذي اشترك معه طارق فى الفتح كان يجر الدنيا مما احتمله من غنائم الاندلس من مال ومتاع حين عاد الى الشام ومن الجواهر ونفيس الامتعة ما لا يقدر قدره ويقول ابن حيان الاندلسي ان مائدة سليمان التى غنمها طارق كانت مصنوعة من الذهب ومرصعة بفاخر الدر والياقوت والزمرد
اثار بطليطة :
وبالالي ماالة من وظلت طليطلة مزدهرة فى عصر الخلافة الاموية زمن عبد الرحمن الناصر ومن اهم وعاراتها المسجد الجامع المعروف ) بباب مردوم ( الذي بناه موسى بن على سنة ٣٩٠ وبعد سقوط الخلافة الاموية بقرطبة وقيام ملوك الطوائف استقل بنو ذى النون بطليطلة واقام ملوكها القصور العالية والآثار الرائعة منها القصر الذى بناه المأمون يحيى ووضع فيه بحيرة في وسطها قبة وسيق الماء إلى رأس القبة على تدبير المهندسين فكان الماء ينزل من أعلى القبة حولها وبها آثار قصر عربي يعرف بقصر ) جاليانا ( وقد غير الفونسو السادس المسجد الجامع فنصب فيه ناقوسا وحوله الى كاتدرائية . ورأينا فى تجوالنا آثار سور البلد والقلعة ومسجد القلعة وبيت الامام وبالاحرى بيت قائد القلعة ورأينا الجامع الذي تحول إلى كاتدرائية . وبعد المغرب رجعنا من حيث اتينا واذا بالأخ صلاح يدعوا للعشاء فى احد مطاعم اللحم المشوى : الكفتة . والطيور . فقبلنا الدعوة وصحبناه الى المطعم وتعشينا لذيذا ، دعينا بعدها الى مسرح الليدو المشهور فرأينا الرقص وسمعنا الغناء الاسبانى من مشهورات الغوانى كما سمعنا الغناء الممزوج بالنغم العربى حم العربي
) فرانكو آراب ( وبالجملة كانت ليلة ممتعة وفي اليوم الثالث دعينا الى حفلة غداء في ضواحي مدريد فلبينا الدعوة شاكرين وفي المساء سمرنا بدار السيد عبد المحسن السمان . وفي اليوم الرابع قصدت انا ورفيقى الشريف زيد ، زيارة ) الاسكوريال ( وهي على مسافة ساعة من مدريد وشاهدنا القصور الملكية وما تحويه من تحف فنية وشاهدنا السجاد الفاخر المعلق على جدر القصر من الحرير الخالص والصوف . وسألت رفيقي الذي زار ايران هل رأى مثله هناك ؟ فقال : إنه لم ير مثله فى مثل دقة صنعه وجميل رسومه ثم عرجنا على المكتبة العربية فاذا بها مملوءة بالمخطوطات العربية فى مجلدات مذهبة شاهدنا منها مصحفا مذهبا وكتابا فى خواص حيوان البحر مزينا بالرسوم البديعة وكتابا فى التاريخ . وقد قام بزخرفة وبناء هذه القصور كبار مهندسى الاسبان فى عصر الفونسو السادس ، ويقال ان هذه المكتبة العربية كانت لاحد امراء العرب مرسلة من المغرب فغنمها الاسبان واتوا بها إلى مدريد
العودة الى الوطن
. . وبعد ان متعنا انظارنا من التحف النفيسة هناك ، وبعد ان شفينا النفس ببعض بلاد الاندلس ، اهتاجت قلوبفا للرجوع للوطن الغالى .
وقبل ان نختم مقالتنا هذه نقول : ان العرب تركوا في الاندلس من الآثار الخالدة ، تلك المباني الرائعة ، والمساجد الكبيرة ، وفي الجسوم العيون السود والشعر الاسود ، وفي اللغة كثيرا من الاسماء العربية نذكر منها على سبيل المثال من اسماء الزهور : الياسمين ) جاسمين ( الريحان ) ريان ( وعن الفاكهة :
البرقوق (بركوك )النارنج (نارنجو ) وهن المأكولات : الارز (ارزد )الباذنجان (بدنجان )الترمس (ترمس )الزيت (زيتو )الزيتون (زيتونا )، وهن الابنية : القبة (كوبا )الطوب (ادوب )المنار (المنار ) الغرفة (كورفه )الضية (دية )القنطرة . (كنت )وهن الالبسة : البرنس (بورنوس ) الازار (ايزار )المخدة (مهددة )الجبة (جوبا ) المهراس (مهراز )وغير هذا من الكلمات كثير
قضينا أربعة ايام في مدريد كاربع ساعات مضت ، لم ندر نهارها من ليلها . فقد أنسنا بأخوان لنا سعوديين احتفوا بنا وطعمنا على موائد كرمهم ومتعنا انظارنا من معالم الاندلس الحبيبة ذاكرين أيام عزها الغابر ويوم كانت ترفرف على مدنها الراية الاسلامية ويوم كان شاعرهم يردد بلسان الفخر والاعجاب :
يا أهل اندلس لله دركمو
ماء وظل واشجار وانهار
ما (جنة الخلد )الا في دياركمو
ولو تخيرت هذى كنت اختار
لا تختشوا بعد ذا أن تدخلوا سقرا
فليس تدخل بعد الجنة النار
رحلتنا برية الذهاب جوية الاياب :
لقد سبق أن ذكرنا أن هذه الرحلة الطويلة من القاهرة فطرابلس الغرب فتونس فالجزائر فالمغرب فالاندلس قطعناها برا فأحببنا ان نرجع جوا . ففي اليوم الخامس تكرم علينا الاخ صلاح مطبقاني فجاءنا بسارته وصحبنا إلى المطار فقصد رفيقي الشريف القاهرة ، وقصدت انا بيروت بطريق روما ومنها الى المدينة المنورة بسلام .
) انتهت الرحلة (

