الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

جولة ف دنيا الخيال

Share

خرجت من نادى الحضارة الاروبية ، كاسف البال مضطرب الفكر ، حزين القلب مما شاهدته ، واطلقت الجنان لرفيقي يذهب بي انى شاء ! ويدخل بي اى مكان اراد ! ولولا الامل باني ساري ما يسرني ويسرى عنى هذا الالم العظيم ويزحزح عني هذا الغم الثقيل ولولا الرجاء باني ساجد فيما بين هذه الخطوب افراحا بما سأشاهده فى هذا العالم الجامع من أصول للنهضة الاسلامية ، التى ظهرت بوادرها فى عالمنا الحسى لولا ذلك كله لاعرضت عن هذه الجولة ولعدت من حيث اتيت وخرجت من حيث دخلت بيد ان فى الامل بقية ، وفى حبل الرجاء اتصالا

وهكذا سرت حذاء رفيقي تاركا امري لله ثم له وما هى الاخطوات حتى عرج بي ذات اليمين ، واذا بنا امام باب ضخم من حديد ، وكانه باب مدينة عظيمة ، مكتوب فوقه هذه العبارة : ) نادى الهمجية ( ؛ فقلت اعوذ بالله اللهمجية ايضا نادى ؟ ! وسألت رفيقي عن الامر فاجابني بان نادى الهمجية من اكبر الاندية الموجودة فى دنيا الخيال !

فقلت وهل لبضائعه رواج ) وكنت جازما بان جوابه سيكون سلبا واذا به يفاجئني (نعم) ! خرجت من فيه كما تنطلق القنبلة من فوهة مدفع

قلت : يالعجب ! وكيف ذلك وقد كادت الهمجية تندرس معالمها من عالمناه فقال : ليس المراد بالهمجية هنا ما تنسبونه انتم الى العصور الخالية من بساطة وصراحة الح مما تسمونه صحيحية فى عرفكم وليست هى فى الحقيقة بهمجية ،

وانما المقصود بالهمجية هنا اشياء كثيرة تطلقون عليها فى اصطلاحكم اسماء التمدن والرقى والحضارة ، وهي فى عالمنا الخيالي بالعكس من ذلك تماما !

قلت : ماذا تعنى بكلامك هذا فاني لم افهم ماذا تريد ؟

قال : ) موضحا ( ليكن فى علمك قبل اى شئ ان هذا العالم يمثل اصول الحقائق المجردة وان كنتم تسمونه عالم الخيال .

فقلت : هذا حسن ! وبودى لو زدتني ايضاحا .

قال : أوليست المدافع والقنابل والرشاشات والغازات الخانقة بانواعها تمثل فى عالم الوان الحضارة والرقي ؟

قلت : أجل

. . قال : أليست هذه كلها مزهقة للارواح سافكة الدماء مدمرة للعمران متلفة للمزارع والاشجار

قلت : أجل وبغاية السرعة

قال : وهل من الحضارة اتلاف النباتات ، وهدم البناءات وتيتم الاطفال وترميل الازواج ، وتثكيل الامهات ؟ .

قلت : كلا ! وانى الان اتضح لى مغزى كلامك وتبينت ان هذه المخترعات هى أقرب الى الهمجية منها الى الحضارة

ثم قال أوليست هذه المقاهي الكبيرة ؛ والمسارح المزركشة واختلاط النساء بالرجال من انواع الرقى وعناوين التمدن فى نظر المتمدنين منكم ؟

قلت : من غيرشك

قال : وأية فائدة يستفيدها الواحد منكم من هذه الأمور سوى اضاعة ماله وتلويث شرفه ، وفساد دينه وعقله ، وتدهور اخلاقه . فتفكرت فى كلامه كثيرا فوجدته حقا جليا لاغبار عليه .

ثم قال : ألا تسمع فى كل يوم بان فلانا افلس ، وفلانا انتحر وسبب فقر ذاك وانتحار هذا هو أما خسارة فادحة في احد المقامر ، وأما حب شيطانى قضى عليه بهذا العمل الشنيع وهكذا تقع هذه الوقائع المزرية فى بلدان الحضارة عندكم فى كل يوم قلت : حق والله ما تقول .

قال : إذا فالرق والحضارة والتمدن كلمات حق استعملت عنه كم فى باطل واعتزمت الاعراض عن هذا النادى وترك زيارته ، لولا ان رفيقي أرغمن على الدخول فدخلت من هذا الباب الكبير فوجدت بابين آخرين ؛ عن اليمين والشمال ، مكتوب على الاول بحروف كبيرة بارزة هذه الجملة : ) همجية حسية ( فالقيت نظرة من ثقب بالباب فاذا بداخله محل فسيح محتو على جميع اسباب الدمار ، المدافع فاغرة الافواه كانها اسود مغضبة كاشرة عن انيابها ، والغازات ملتو بعضها على بعض ، كانها ثعابين سامة متلاصقة ، فقفلت هاربا من هذا المنظر المخيف ؛ وذهبت قاصدا الباب الشمالي ورفعت رأسي الى حيث اللوح الموضوع فوقه ، واذا مكتوب فيه بحروف مزخرفة : ) همجية معنوية ممتازة ( . ففهمت ان هذا القسم يحتوى على الدسم المسموم ، فدخلته فوجدته مطابقا كل المطابقة لاسمه حيث كان مشتملا على جميع الملاهى بانواعها من مقامر ومسارح وما اشبه ذلك ، وكم تعجبت لما رأيته غاصا يخلق كثيرين لا يحصى عددهم

ثم خرجنا من نادى الهمجية هذا وقطعنا مسافة طويلة وصلنا بعدها الى بناية هائلة مكتوب على بابها : ) دار الاثار العامة ( . وهذه البناية هي قصر عظيم مرتفع يصعد اليه الصاعدون من سلم حجرى عال ، فدخلناه واذا فيه اندية كثيرة مكتوب على باب كل ناد اسمه وقومه ، كنادى الآثار اليونانية ، ونادى الآثار الرومانية وغيرهما - وبعد برهة وجدنا نادى الآثار الاسلامية ، فدخلناه كم سررت لما رايته حافلا بمفاخر الاسلام الذي انقذ البشرية من

تلك الهمجية التى كانت متورطة فيها ، والتي ستغرق لا محالة - فى محيطها اذا لم يعل شأن الاسلام . وكم ابصرنا فى هذا النادى من مخترعات اسلامية عجيبة أطبقت عليها أجفان الحدثان فصارت نسيا منسيا ، وكم رأينا فيه من مكتشفات تنسب الان الى اقوام ليس لهم فيها شئ سوي نقلها من الاسفار العربية وادعاء اكتشافها وتجولنا فى الاندية فمن غرفة الى غرفة حتى دخلنا قاعة خالية ليس فيها اثاث وآثار ما ، اللهم - سوى علم كبير معلق من وسطه فى السقف بواسطة حبل متين ، ومربوط مقدمة هذا العلم بحبل ؛ ومن مؤخرته بحبل ، فبدا طرفاه مثل كفتى الميزان ، فاذا جذبت الحبل الذي في مؤخرته ارتفع العلم ورفرف بجناحيه المبسوطين ، وانكشف جماله ، رونقه الجذاب وبدا ما يحمله بين طياته من معاني الكبرياء والسمو الخالد . واذ جذبت الطرف الاخر وهو الحبل المربوط بمقدمته انتكس وطأطا الرأس بدا  كانه مقلوب ؛ وكل من الحبلين يخرج من حفرة عميقة فى جوف لارض فسالت رفيقي عن هذا العلم العجيب ، وعن وضعيته الغريبة ؟

فقال : أما هذا العلم ، فهو علم مجد الاسلام العام ، وأما هذان الحبلان فاحدهما وهو الذي فى مقدمة العلم يمسكه قوم يريدون الحط من مكانة الاسلام ، وثانيهما وهو المشدود بمؤخرة العلم بجذبه قوم يريدون اعلاء شأن الاسلام فطالعت من النقب المنبعث منه الحبل الذى في مقدمة العلم فرأيت اقواما كثيرين ملتفين حول الجبل وكلهم شاد لهذا الحبل جاذب اياه بقوة خارقة . وطالعت من الغار الثاني فظهر لي اناس معدودين مشمرين عن سواعدهم ماسكين الحبل بايد من حديد جاذبين بقوة جبارة . ولما رأيتهم على هذه الحالة رق لهم قلبي ، وانحدرت على خدي دمعة حارة شفقة عليهم من ان تشول كفتهم وترجح كفة الاخرين ! وصحت في ذهول : رحماك اللهم بهذا البقر القليل الذين يسعون بما ملكوا من جهود لرفع لواء دينك الحنيف ، فلولا عونك الربابي لهم ، ولطفك بهم ، واحاطتك لهم بعين العناية لما

استطاءوا ان يثبتوا في موقفهم لحظة ، ولما استطاعوا القيام بهذا العمل الخطير ومقاومة هذا الجمع الغفير وهم افراد معدودون ؟

وخرجنا فبدا لنا على شق النادى الايسر ، بستان زاهر ناضر ، ذو اشجار ملتفة باسقة ، وازهار عطرة فاتحة ، وفواكه طيبة لذيذة ملونة ، وفي داخل هذا البستان قصر ظريف لطيف ؛ ابيض ناصع ، يظهر بياضه الفضى من بين الاشجار المشتبكة المحيطة به من جميع الجهات ، وكأنه بدر مستتر فيما بين السحب الكشفيفة يلوح شعاعه اللماع تارة ، ويختفى اخرى ، فادهشني جمال هذا القصر وحسن . موقعه ، وتمنيت لو ادخله ، لأفرج عن قلبي هذا الغم الالم الذي تغشاه ولاطرح من فوق اكنافى اعباء هذا الهم الشديد الذي يحملته ، وكم زاد عجب واندهاشى لما رايته ) اى القصر ( محاطا بجنود مسلحين فسألت صديقي عنه . فقال : ان هذه البناية هي نادى اللغة العربية وهذه الاشجار والازهار هى معانيها العذبة الخلاية .

فقلت : جميل

قال : وهؤلاء الجنود هم التصانيف التى الفها علماء السلف والخلف لحراسة قصرها من الكائدين والناقمين والحاسدين .

فقلت : جزاهم الله خيرا.

ودخلنا القصر فاذا به محتو على ثمان وعشرين غرفة على عدد الحروف العربية من غرفة الالف الى غرفة الياء ، وفي كل غرفة دوائر معارف ، مما ينطوى تحت ذلك الحرف ، من العلوم والفنون والآداب .

ودخلت الغرفة الاولى ، واذا بجدرانها محجوبة بخزائن رصفت فيها الالفاظ العربية ونسقت تنسيقا حسنا برهن على ذوق فنى واقتدار جم ، وسرنا من غرفة الى اخرى حتى احطنا علما بجميع ابحاثه ، ولاحظت ان جميع خزائنه مغلقة فسألت رفيقي لم اغلقت هكذا ؟

فقال لعدم مساس الحاجة اليها اليوم ، فاغلب العرب الذين هذه لغة اجدادهم واغلب المسلمين الذين هذه لغة قرآنهم وحديث نبيهم ، هجروها واعرضوا عنها وولوا وجوههم شطر اللغات الاجنبية والرطانات الاوربية يتكلمون بها ويؤلفون

فيها ؛ فى اللزوم وغير اللزوم ؛ ويتباهون باتقانها ، ويقدسون متعلمها ويحتقرون المتمسكين باذيال تراث لغتهم العربية الكريمة النجار ، لا لاتساع قاموس هذه اللغات الاجنبية ، ولا لسمو تعاببيرها ورشاقة مبانيها بالنسبة للغتهم السامية الواسعة ، بل اتباعا أهوج وتقليد اعمى

فقلت . واين هم هؤلاء الاشخاص يا اخي ، فاني لا اعرف فى بلادنا من يعنى بالتكلم او الكتابة بغير اللسان العربي المبين ، بيد ان العامة لا تنطق بها فصيحة كما قررت ودونت بل تلحن فى أكثرها .

قال : لا تقس على محيطكم يا أخي ! فلعله على ما تقول ، ولكن المسلمين والعرب منتشرون فى مختلف اصقاع البسيطة من المحيط الاطلانطيكي إلى المحيط الهادى ، ففي المغرب تجد المثقفين باللغة الاجنبية اكثر وأعلى شأنا وارفع مقاما فى نظر الامة من المثقفين باللغة العربية ، وهكذا الحال في كثير من ديار المشرق ايضا . وفي بلادك تجد الاغلب من المنتسبين إلى الادب لا يأخذون من لغتهم بالحظ الوافر الذي يكفل لهم التفوق والبراعة بل يكتفون بالفتات القريب البسيط وكثير منهم اولئك الذين يجهلون حتى قواعدها البسيطة ! وكم قرأت فى صحفكم عبارات ملحونة منحطة تزعزع الخليل وسيبويه والجرجانى من اعماق قبورهم ومع هذا فلا انكر انه توجد لديكم فئة معدودة على اطراف الاصابع ، هم الادباء بحق ، وهم جنود اللغة العربية الامناء الذين يدافعون عنها ، ودعاتها النبهاء الذين يحرسونها من تأثير المهوشين وذوى الاغراض والكيد الدنئ بمقامها الرفيع .

ثم قال : ما بال هؤلاء تخلى أغلبهم عن ميدانة ، حتى اصبحت صحافتكم ميدانا لأطفال الادب ؟

قلت وانا ايضا مثلك لم افهم السبب الذي الجأهم لهذا التخلى ، وانما ارجو الله ان يوقظهم من سباتهم ويوفقهم لاداء واجبهم

ثم خرجنا من هذا النادى ، وتوجهنا إلى غيره .

اشترك في نشرتنا البريدية