أخذت تشعر بالطمأنينة عندما رأيت الأضواء وظهرت لك المحطة من بين البناءات المهترئة التى تمتد حيثما نظرت فى أطراف المدينة النائمة . . . كانت الشوارع والأزقة خالية الا من بعض عمال البلدية المنتشرين كالأشباح على الرصيف يجمعون الاوساخ فى خفة ورشاقة خوفا من أن يفاجئهم المطر القادم وبعض السيارات تمر فى سرعة فتبهر المكان بنورها ثم تمضى تاركة وراءها على الارض المبللة خيوطا سوداء مستقيمة الى ان تبتلعها ظلمة الليل . . دبت فيك حركة هائلة أحسست أثناءها بحرارة ونشاط بعد أن تجمدت مفاصلك وأنهكك الخور والأعياء اللذان أصابك من فرط السير . . . كان الظلام شديدا وكنت تكره أن تسير فى ظلام كان كل شئ حولك ينبئ بقدوم مطر غزير .
كنت تتبين الطريق فى جهد على ضوء فوانيس كهربائية قليلة تفصل بينها مساحات كبيرة . . كنت ترفع رجليك الثقيلتين من الارض الموحلة وتضعهما فى حذر خوفا من أن تقعا فى بركة ماء فتتسخ أدباشك . . كانت الريح قد هدأت وسكنت أشجار الشارع وبدأ ضباب يلف المدينة . . نظرت الى ساعتك فى حركة عصبية ثم أعدت يدك فى تعثر الى جيبك وأخذت تتسلى بترديد لحن أغنية فرنسية دون وعى وفجأة انتشرت أنوار قوية فى المدينة واختفت فى لحظة ثم همى المطر . . . أسرعت نحو جدار لتحتمى ولما اشتد هرولت ووقفت تحت شجرة ثم مضيت تحدق فى خيوط المطر وهى تتكسر فى عنف على الارصفة وتتحول الى سواق صغيرة تتدافع فى سرعة نحو منحدر من الارض على يمين الشارع . . . أحسست بانقباض . . تمنيت لو لم تغادر مكانك فى هذه الساعة المتأخرة من الليل . . حتى الحافلة لم تأت . . . وتملكتك هواجس شتى وتجمعت صور مخيفة فى رأسك كنبضة عنيفة . . . ربما لن تأتى بالمرة . . . ولماذا ستأتى ؟ المدينة خالية كل الناس يغطون فى النوم . . . وتذكرت ليلى وتخيلتها وهى نائمة وشخيرها يتعالى فى الغرفة فتحركت شفتاك المطبقتان عن شبه ابتسامة ثم اندفعت يدك الى جيبك تبحث عن علبة السجائر ولما عثرت عليها أخذت واحدة منها ثم أشعلتها وشرعت تدخن . . شعرت بشئ من الحرارة والدفء يسرى بين أصابعك . . . خطوت بعض خطوات تحت الشجرة .
. . نظرت الى سروالك الترقال فى إمعان . . . تذكرت ليلى مرة اخرى مرت بخاطرك أفكار سخيفة . . تبولت . . عدت الى لحن الاغنية الفرنسية تردده بصوت مرتفع هذه المرة لكنك مازلت تحس بكآبة وقلق . . . حركت رأسك . . انفعلت ثم أرسلت نظرك فى المدينة . . ومن بعيد لاح لك شبح يتحرك فى الضباب . . كان يشق خيوط المطر فى جرأة . . ظهر لك فى بادىء الامر أنه يبتعد عنك ولكنك سرعان ما تبينته على ضوء الشارع عندما اخترق الظلمة انه رجل فاجأه المطر بلا شك فأتى هو أيضا الى هذا المكان ليحتمى . . وقف الى جانبك وهو يلهث . . . أزال عن رأسه قبعة مبللة . . مرر يده اليمنى فى قوة على وجهه ثم حياك بصوت مرتفع كأنه يخشى أن لا تسمعه وبعدما رددت مضى يتكلم وهو يتحسس صفحة وجهه . .
- المطر غزير ألا ترى ذلك ؟ - بلى ! - أتنتظر الحافلة أنت ؟ - نعم . . وأنت ؟ - أنا أيضا أترقبها . . وفرق بينكما صمت طويل قاطعه قائلا : - كم الساعة الآن ؟ - العاشرة ليلا - آ . . . لقد قرب منتصف الليل
وعاد الصمت ففرق بينكما . . كان ينظر كثيرا الى المدينة وكان لا يستقر له نظر . . . كان يبتسم من حين لآخر . . . . وكنت أنت تتابع حركاته فى صمت . . . ولما طال صمتكما نظرت اليه ونظر هو اليك . . . كان يلبس بذلة عمالية زرقاء . . وكان شعره منفوشا وكان وجهه صامتا قال وقد بدت لك عيناه حمراوين جاحظتين على بصيص من نور الشارع : - ما أغزر هذا المطر !
ابتسمت ويقيت تنظر اليه وسكت هو كأنما بحث عن أشياء أفلتت منه ثم عاد يتكلم بلهجة استعطافية :
- هل لديك سجائر . أحس انى تعب مكدود . . نسيت أن اشتري ما يلزمنى .
تعثرت يدك وأنت تبحث له عن سيجارة وبعدما سلمته اياها أشعلها ثم راح يدخن . . .
- غريبة هذه المدينة ، انظر . . . . على أى شكل ترى هى ؟ وبقيت يده معلقة لحظة طويلة وعيناه مشدودتين اليك ولما رآك صامتا أردف :
- ما أجمل هذا الصمت . . ما أجمل هذا السكون . . . انى أحس براحة كبيرة . . . راحة لم أعهدها من قبل . . ما أجمل أن تقفر المدينة ويهجم الليل وتخلو هذه الازقة أحس أن المدينة طاهرة نقية كالهواء وانى احتضنها دون ان تماننع
وصوب نظره نحوك فشعرت أن عينيه الجاحظتين تلتهمانك من فرط الحدة . - ألا تحس أنت بغربة وسط هذه البنايات وهذه المنازل . . . وهذه السطوح . . . . وهذه الوجوه الحمراء . . . وهذه الانوار وهذه الافواج من السيارات ؟ ؟
كان وجهه التريض بعكس اكفهرارا وكان صامتا . . سكت ثم نظر الى المدينة من جديد وعاد الى حديثه - تسكن هنا فى تونس ؟ - لا ٠٠ أنا من قرية تقع فى جنوب القيروان
- آ . . القيروان . . . انها مدينة جميلة . . خصوصا يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم . . . الناس يأتونها من كل صوب وحدب ويتزاحمون على قبر " سيدى الصحبى " أريد أن أستوضحك فى أمر . . . لقد قالوا انه يوجد هناك عمودان من المرمر ولا يستطيع أن يمر بينهما المرء الا اذا كان قد فعل خيرا . . . كم تمنيت أن أزورهما أنا اعرف أنى سأدخل بينهما دون عناء وأمر كما لو كنت أمشى بين غصنين طريين . . انى أصلى منذ أن كنت طفلا . . . لم اشرب الخمر قط وأحب الفقراء وأتصدق أحيانا كثيرة . . وانصت الى ما يقوله الامام فى خطبته كل يوم جمعة . . .
كان يحرك يديه كثيرا ورأسه كثيرا وكانت عيناه تبرقان على ضوء الفوانيس الكهربائية الشاحب . . . اجتاحته نوبة من السعال فاحمر وجهه المحنط الطويل وبرزت عروق عنقه خضراء كأغصان شجرة خريفية وبعدما استراح قال وهو يلف أعلى معطفه حول رقبته
- انه مطر شديد . . . انظر الى المياه كيف تجمعت فى الطريق . . . انه الطوفان . . . انه الطوفان . . خطا الى الوراء والتصق بجذع الشجرة ثم ركز عينيه فى المدينة كالخروف ومضيت انت تجتر أوهاما ماضية لكنه أخرجك من عالمك
- وماذا تفعل هنا ؟ - أدرس . . . ألا ترى محفظتى ؟ . - آ . . لم أكن ذكيا . . صحيح . . صحيح . . انها محفظة لى ابن يدرس ايضا . . انه مثلك . . عيناه سوداوان وهو قصير القامة . . عجبا انه مثلك تماما . . وهو صامت دائما انى احبه كثيرا . . ما أجمل الأبناء . . انهم خير ما فى الدنيا . . اسمه عمر وهو ذكى . . قال لى المعلم انه سيكون رجلا عظيما
ولم تدر كيف تكلمت - أمد الله فى أنفاسك وابتسم هو - وفي أى مدرسة تدرس : - فى الجامعة
- تلك البناية الضخمة . . أعرفها . . أعرفها جيدا انها بجانب الحبس الجديد شعرت ان كلامه طريف وأردت أن تضحك لكنك تمالكت عن ذلك وبقيت منصتا اليه - اذن انت طالب ! - نعم
- انهم يتحدثون عنكم كثيرا فى الاذاعة ابتسمت وتحسس هو صفحة وجهه
لقد تأخرت الحافلة . . . لا بد أنه طرأ عليها عطب فى الطريق أو منعتها المياه من السير ! ! كل شئ حول يؤكد لى ذلك . . خسارة . . ما أقسى أو ينتظر الانسان شيئا ولا يأتيه . . .
خطا الى الوراء سكت مدة قصيرة ثم قال وهو يدخل يديه الى جيبيه . - ألم تبتل ملابسك أنت ؟ . . ألم يلحقك الوحل ؟ أحس أنى أموت بردا - اصبر قليلا . . . ستأتى الحافلة . . سنمتطيها سترتاح أجسادنا على مقاعدها الوثيرة . . . سنجد فيها اناسا آخرين انتظروا هم أيضا الحافلة مدة طويلة . . سنتحدث كثيرا . . سنضحك كثيرا . . سنمزح كثيرا . . سنشعر بالدفء والطمأنينة
داهمكما خوف كبير عندما أرعدت السماء . . تسمر كل منكما فى مكانه . . تبادلتما النظر فى صمت . . أخذ المطر يكف عن النزول . . شعرتما بالدفء لكنه سرعان ما اشتد وعادت الخيوط تنكسر فى عنف على الرصيف

