الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

حبة اللوز، ( قصة )

Share

ان غادرت مضجعى أكثر من خمس مرات فى الليل ، وأثرت ضجة كبرى فذلك قليل

فقد كنت شغوفا الى حد كبير باصطياد الفئران وبعبارة صريحة ، بمشاهدتها وهى تصارع الموت . . تتخبط بأرجلها الصغيرة وتستغيث بئاذانها اللطيفة ، وأنوفها الجميلة الدقيقة وأسنانها العجيبة وبكل جسمها الذي أرهبه ، وأنزعج لو يلمسني ، خاصة اذا كنت أفكر فى موضوع جدى .

وكلما سمعت دوى المصيدة ، وكثيرا ما أسمع ذلك منذ أن انتقلت الى المنزل الجديد ، وكانه دوى قنبلة ، او انفجار لغم ، من عيار ثقيل . . القيت بالغطاء بعيدا ، وأسرعت الى اشعال الضوء والجرى الى المطبخ حيث أجد خبيثا وقع فى كمين ، وحالما أبصره يصارع الموت ، ويحاول التخلص من المصيدة اصبح بلهجة الظافر المنتصر :

- يا خبيث . . اتريد اكل اللوز . . ؟ كل وقل هذا ما جناه على ابى . . يالها من نهاية عجيبة تنتهى اليها أيها اللعين ، انها دعوات أمك المسكينة ولا شك . . ألا تستطيع أيها الفار أن تكف عن الطمع ، وتدخل الحياة من أبوابها . . ؟

واستمر كذلك فى الزمجرة واللعن والتشفى الى ان يصرع الموت الفأر وتغادره الحياة ، وتمتد ساقاه ، ويشمله السكون ، فلا حركات جميلة رشيقة أحبها ، ولا شئ سوى نقطة دم فى أنفه الجميل العجيب ، وآنذاك أتناول المصيدة بكل حذر كأنما أخشى أن لايكون قد مات وألقى بالجثة فى صندوق الاوساخ ، ثم أعيد نصب الكمين نصبا محكما بالغ الخطورة ، وأغسل يدى جيدا وأعود الى فراشى حتى أسمع الدوى المهول ، فأعيد الكرة ..

ثم .. وثم .. حتى يغلبني النعاس فأنام - والحق يقال - مرتاح الضمير هادىء البال ، كأنما أنجزت عملا جبارا ، والذي لاشك فيه هو انه ليس نقص الفئران المتكاثرة فى المسكن الذي يبدو أنه كان مهجورا ، ليس ذلك ما

يجعلنى أنام مرتاح الضمير بل هو ممارسة هوايتى العجيبة ومشاهدة الفئران وهى تصارع الموت بأرجلها الصغيرة وآذانها العجيبة وأنوفها الدقيقة الى أن يصرعها الموت ، وتبقى نقطة الدم فى أنوفها ، أو على المصيدة قرب حبة اللوز

وكما يقولون من لم يؤمن بالموت فلينظر حوله الى ماشيد الناس وهجروه لغير رجعة . . كذلك أنا ذات ليلة فعوض أن أصيح بلهجة الظافر المنتصر كالعادة . . أمام الجثة التى تصارع الموت . . عوض ذلك داهمني حزن عميق، ووقفت واجما كأنما أرثى لتلك الجثة الهامدة وفي رأسى كانت ألف علامة استفهام تتحرك . . كما تتحرك الجيوش أهبة لشن هجوم أو لصد اغارة

وبعد فترة يعلم الله أكانت قصيرة أم طويلة بلغ الى مسمعي صوتي الخافت :

- انه أنا انه ملايين الشباب . . ملايين الشباب مثلي وليس الفار . . ان الشباب فى نظر المجتمع العربى بل فى نظر المجتمع العالمى فار احب من احب وكره من كره . .

ثم عدت الى غرفة النوم ، ثقيل الخطوات ، متداعى الافكار ، وفى مخيلتي حبة اللوز التى فى المصيدة وقطرة الدم التى فى أنف الفأر ، وألف سؤال . . لم اصعد الى السرير لانام بل جلست على مقعد وأطرقت مفكرا ، وبعد هنيهة ارتديت معطف الغرفة الصوفى وتناولت مفتاح الباب الخارجى فأسرعت وأغلقته اغلاقا محكما ، كان ذلك بمثابة خطوة أولى فى تنفيذ قرار تغيير البرنامج تغييرا كليا

وحين عدت الى مضجعى أقسم أن النوم لاتخامرنى ولو ذرة واحدة منه ، كما لو أنى أنهيت المقدار الذى قدرلى ان أنامه فى حياتى .

ان النوم وظيفة يؤديها المرء وأنا لم أكن حينذاك متفرغا بل وحتى مستعدا لاداء هذه الوظيفة الاجبارية . . لقد كنت منشغل البال بشئ آخر . . لقد اعتقدت الفا في الف ، انني فأر مثل كل الفئران . . ولا اتميز الا بالتفكير والتدبير ، فلربما الفأر المسكين حين تضطره ظروفه ووضعيته الى الأكل يقدم على حبة اللوز التى في المصيدة يشتمها بأنفه الجميل ، ويتأهب لقرضها بأسنانه العجيبة دون أن يتعظ حتى بأخية الذى قضت عليه حبة اللوز ، أما أنا فاننى عكس ذلك . . رغم وضعيتى وظروفى اتخذت قرارا وعدلت عن البرنامج . . انني اتعظت بالفأر دون أن أقصد ذلك . .

وبينما أنا كذلك أتخبط فى لجج عاتية من الافكار السوداء ، ويسودني اضطراب وقلق شديدان اذ بالباب يطرق طرقات خفيفة فقلت فى نفسى :

- ها قد جاءت . . ترى هل أتركها تدق حتى تيأس فتذهب أم أقوم وأفتح الباب ، وحالما تدخل أصفعها صفعتين حادتين وأطردها شر طردة .

دق الباب مرة أخرى ، ولست أدرى كيف نهضت بعصبية وأسرعت الى الباب الخارجى دون أن أرتدى حتى معطف الغرفة الصوفى . . . ففتحته وبالفعل كانت هى ، ودخلت فورا وارتمت على قائلة :

- أكنت نائما ؟ لقد طرقت كثيرا ألم نتفق على العاشرة . .؟

تخلصت منها ثم خطوت الى الوراء خطوتين وفاجأتها . . فاجأتها بصفعة على خدها الايمن ثم بأخرى على خدها الايسر

فتحت فاها مشدوهة وبقيت تنظر الى بعينين حائرتين ذليلتين . . وكنت أنا ارتجف أكاد أحطم أسنانى ، كنت فى أشد الغضب ، ولا أفكر الا في شئ واحد هو الانتقام . . الانتقام من المرأة وحتى من نفسي ، ولما تحركت شفتاها وهمت أن تتفوه بكلمة ، وقد تساقطت دمعتان من عينيها السوداوين الكبيرتين . . أطلقت يدى اليمني في جنون ، فكانت صفع ثالثة حادة جدا ، وبأعلى صوتى صرخت :

- أغربي . . أخرجي ، لا أريد أن تلتقى عيوننا منذ الآن . . أسرعت مذعورة دونما التفاتة خارج الباب وأغلقته وراءها ، وانتظرت حتى سمعت باب دارهم يفتح ثم يغلق

عدت الى غرفة نومى أزمجر ويداى فى خصرى :

- حبة اللوز . . نقطة الدم . . الفأر أرفض . . أرفض أن أكون جثة هامدة فى مصيدة وقرب فمى حبة لوز وفى أنفى نقطة دم . . صحيح اننى فأر محكوم عليه أن يأكل ، ولكن سرقة ، غير أنثى فأر ثائر ، فأر يستطيع ان يقول : ارفض

استلقيت فوق السرير مصمما على النوم ولم أكن قرير العين ولا مرتاح الضمير مثلما هو الحال حين ألقى بفار فى صندوق الاوساخ وأعيد نصب المصيدة نصبا محكما بالغ الخطورة ، وأعود الى فراشى كنت فى الحقيقة حزينا ثائرا ، مشوش الافكار

تململت قليلا ثم شعرت بالهدوء يعود الى وابتسمت وأنا ألقى على نفسى السؤال التالي :

- هل أحسنت صنعا . . ؟ وهل كان قرارى وجيها وعادلا . .؟

وبطبيعة الحال يكون جوابى على هذا السؤال هو اعادة الحكاية من أولها , فتململت مرة أخرى ثم أطلقت العنان لمخيلتي تستعيد خيوط الحكاية :

لم يكد يمر يومان على استقرارى فى المسكن الجديد الذى اكتريته حتى كانت ابنة جارنا تقف أمام بابهم المحاذى لبابى كلما كنت خارجا أو داخلا ، وتسلط على نيران عينيها المبتسمتين تفحصاننى فحصا مدققا ، محرجا جدا خاصة واننى زيادة على شيئ من الاحتقار أكنه لها منذ فهمت من عينيها أشياء مريبة ، من عادتى احترام الجار مهما يكن ، الامر الذي جعل كل جيرانى السابقين يعطفون على ، فيتولون تنظيف محلى وترتيبه ، وغسل ثيابي ، ويأسفون أشد الاسف حين أغادرهم

ولما بادرتنى فى اليوم الثالث بالتحية لم أجد بدا من الرد عليها ، فابتسمت وحركت شفتياى ، ولو أننى شعرت بعد ذلك بالندم ويقلق وخوف من مكروه متوقع الشئ الذى جعلنى لا اعود يومها الى المنزل الافى ساعة متأخرة من الليل وانقضت أيام ، أغادر المنزل مبكرا ولا أعود الا متأخرا . لكى أنصرف الى هو ايتى ، انصب الكمين تلو الكمين حتى يغلبنى النعاس ، واعتقدت أن الجارة نسيتنى أو انصرفت عنى فراودنى شىء من راحة الضمير والاستقرار الا انه صادف فى يوم أحد أن نهضت متأخرا وفتحت النوافذ وكان صوت المذياع مرتفعا قليلا ، فلم تمر الا لحظات قلائل حتى كان الباب يدق ولما فتحته فوجئت بها . . هى جارتنا التى بادرتنى :

- صباح الخير .

- صباح الخير . . أهلا وسهلا . .

- حضرتك منصور . .؟

نعم

- لانه . البارحة جاء أحد يسأل عنك ، .. بالله لماذا تتغيب كثيرا . . ؟

- شكرا : هل عرفت اسمه . . ؟

كلا . . لم اكلمه ، انما سمعت بابك يدق فخرجت ولما لم يجبه احد تأمل الرقم ثم انصرف . .

- أشكرك جدا يا آنسة . .

- راضية . . لاشكر . . أرجو أن لا أكون قد أزعجتك . .

بالعكس يا آنسة راضية . .

- لا تتغيب كثيرا .

قالتها وعيناها تقولان شيئا آخر ، ثم ولت وسرعان ما دخلت ، بينما أنا ما أزال واقفا . . لست أدرى لماذا . .؟

" انما سمعت بابك يدق فخرجت . . بالله لا تتغيب كثيرا " - مرت فترة طويلة وهاته الكلمات ثابى ان تنتزع من راسى ، والى جانب ذلك كانت ريح أزمة نفسانية تهب بين الحين والحين

ما الحكاية ، ما البداية ، ما النهاية ، من هى ، من أنا ، ماذا تريد ، ماذا اريد ، وهل انا او هى . اريد او تريد شيئا . . القد المعتدل . . العينان الدعجاوان . . الوجه الاسمر المستدير . . الحركات المريبة . . تحذيرات " العطار " لى منها . . هجومها العنيف . . عزوبتى وشبابى . . الفراغ المهول الذى يطغى على حياتى . . مقدار مقاومتى . . وهل للمقاومة معنى؟ والى أى حد تكون ..؟  لست أدرى . . لست أدرى . . " انما سمعت بابك يدق فخرجت . . بالله لماذا تتغيب كثيرا " . . واشياء كثيرة من هذا القبيل تتجمع على كلها فى وقت واحد طيلة أيام الى أن نزلت الى الميدان والتقيت واياها فى الميدان . . صارت تأتينى الى المنزل كلما رغبت فى ذلك وصرت لا أغادر المنزل الا أوقات العمل ، ونسيت نفسى ، ومبادئ احترام الجار ، وزال الاشمئزاز والقلق والحوف

واستفقت من غفوتى ذات يوم ، كنت واياها نجلس على مقعدين متلاصقين ببعضهما ، نشاهد فيلما سينيمائيا . . وآليا صدرت حركة من يدى ، فبادرت وامسكتها ثم همست فى اذنى :

لا تفكر فى مثل هذا . .

لماذا . . ؟

- ان الانسان لايكون مالكا لقطعة أرض حتى يكون مالكا لعقدها . .

- لكن لا بد من مشاهدة الارض ومعرفة موقعها وصلاحيته . .

- لا تفكر في مثل هذا . .

وسكتت وسكت ، وحاولت ان انشغل بحوادث الفيلم ، لكن البداية والنهاية ، بداية علاقتى بجارتى ونهايتها تراءت لى ، فحالت بيني وبين الشاشة .

شعرت بالسأم والضجر فاقترحت عليها أن نغادر القاعة ، وفى الطريق قلت لها :

- ان علاقتى بك يجب أن لا تتجاوز . . . لقد حان ، أن أصارحك .

لا ياسيدى . . ماذا تظنني ، انني لست كذلك . . ذكرتني بحقائق قالها لى العطار ، وفى انطباعاتي الاولى عنها . . فصممت على أن لا أرد عليها ، ولا أضيف ولو كلمة أخرى . . غير أنها قالت :

- أمتزوج أنت يا منصور . .؟

بلى انما أمي صممت على أن تزوجنى بابنة عمى ، وبالفعل تم ما أرادت وعقد قرانى على ابنة عمى . .

ورغم أننى مصمم على أن لا أضيف الى هذه الكذبة ما يمكن أن يكشفها ، أضافت :

- أهى هنا . . أم بالبلدة . .؟

- بالبلدة ..نقطن دارا واحدة..

- منصور ، لم لم  تقل لى قبل الآن ، لقد فهمت . .

- كان عليك أن تفهمى قبل الآن ، اسمعى ، اجعلي نصب عينيك أن  العلاقة يجب أن لا تتجاوز . . .

-والا..

- والا كما تشائين . . لك نصف دينار . . .

- أخرص . . أخرص ، لقد اهنتني أكثر مما يجب ، كان عليك أن لاتكلمني

- أنت التى كلمتنى..

- بل أنت . . لقد ..

كنا قد وصلنا قرب الحى الذى نقطن فيه ، فافترقنا ومنذ ذلك اليوم ، بدأت أتغيب كثيرا عن المنزل ، أخرج مبكرا ، وأعود فى آخر الليل ، الى أن كنت داخلا ذات مساء فالتحقت بي ، دخلت وأغلقت الباب بيد ها ، ..

حدقت فيها ، كانت تبتسم ، عيناها الدعجاوان كانتا تنمان عن شىء يثير الاعصاب وكفى . .

ومرة أخرى لم أتمالك . . فنزلت الى الميدان والتقيت واياها فى الميدان . . تعانقنا طويلا ، ولما انتهينا حدجتني بعينيها الدعجاوين المثيرتين وقالت :

- ما بالك تراجعت وقبل أن أقول لها :

كلا . . لم ولن أتراجع . كانت أمها تنادى

- راضية . . راضية . . فأبدت انفعالا ، وقالت متكلفة الخوف :

- أخرج أنت الاول ، وانظر ان كانت أمي خارج الباب أم لا ..؟ ما ان فتحت الباب وخرجت حتى كانت امها قد اختفت

وقفت لحظات أنظر يمينا وشمالا ، ثم أشرت اليها بالخروج ، كنت آنذاك في الحقيقة أشعر باشمئزاز وتقزز لم أشعر بمثلهما فى حياتى ، خاصة لما التفتت وهى داخلة ملوحة بيدها ، وتبتسم . . الا اننى لم أستطع أن امنعها من الاتصال بى ، رغم انها صارت لا تأتينى وتمكث قليلا ، حتى ينبعث صوت امها :

- راضية راضية فتغادرني وهي تتكلف الخوف ، وترتعد ، وتطلب الستر من الله .

= الى أن كان هذا اليوم . . وكان اتفاقنا على أن تأتى على الساعة العاشرة ، وتقصى معى بقية الليل ، لان امها متغيبة عن المنزل واباها اتفقت معه على ان تبيت عند خالتها كما قالت .

وكان الامر ينم كذلك ، لو لم أغير البرنامج فى اخر لحظة ، واتخذت ذلك القرار الخطير حين أدركت أننى والفار سيان ، بل واننى أيضا فأر معرض لكل ما هو معرض له ومثلى كل الشباب فى بلادى .

تململت فى فراشى وقلت

- انني لا أتجاوز حد الهذيان ، انه الخوف فقط ، اظن أننى أسأت التصرف لقد كان على أن لا أكون شديد التأثر بالمناظر الى هذا الحد ، ولا شك أن رد فعل ضميري من قتل الفار الحيوان المسكين الذى كتب له أن يعيش لصا كان بهذه الصفة ، بالانتقام من المرأة ، وبكبت النفس ، الا أن المهم هو أن أنام ، أن أودي تلك الوظيفة الاجبارية .

لم أكد أتمل مرة أخرى ، محاولا وضع نفسى وضعا يسهل معه النوم ، حتى كان الباب يدق بعنف . . انفعلت ، واعترانى غضب شديد ، لقد ظننت أنها هي . . عادت من جديد . . فارتديت معطف الغرفة الصوفى وخرجت

قال الرجل الطويل القامة الذى اقتحم الباب اقتحاما حالما فتحته :

مفتش يا سيد منصور..

- ستفتشني انا..يعني..

-ستعرف ..

ثم التفت وراءه وقال آمرا :

- تفضلوا . .

فدخل وراءه ثلاثة رجال طوال القامة مثله ، وقف احدهم بالباب ، وسبقني هو وزميلاه الى غرفة النوم ، ورفعوا كامل الغطاء عن السرير ، وتأملوا الفراش مليا ، ونظروا كذلك تحت السرير ، وداخل الخزانة ، وفى كل زاوية . . ثم

نظر الى المفتش الذى اقتحم الباب اقتحاما نظرة عميقة ، وتقدم الى الغرفة المجاورة . . فتحها . . واشعل الضوء ، ولما وجدها خالية من اى اثاث الا بعض الجرائد والمجلات ، القى عليها نظرة خاطفة ، ثم تقدم الى المطبخ وآنذاك قلت له :

- اننى لم افهم يا سيدى المفتش عم تبحثون .

- يبدوانك لم تنم بعد .. ؟ اليس كذلك ؟

فقلت وانا اشير باصبعي الى المصيدة :

-اننى مغرم باصطياد الفئران يا سيدى المفتش ، خاصة بمشاهدتها وهي تصارع الموت انها بكثرة فى هذا المنزل ، ولا انام كل ليلة حتى اكون قد اصطدت خمسة او ستة . . ان الفأر يحب رائحة اللوز بالرغم من انه قاس على اسنانه ياحضرة المفتش .

ابتسم المفتش وقال بلهجة تكاد تكون لطيفة :

- قل لى ، هل لك علاقة بجارتك راضية . .

- ابدا ، اسأل العطار ، اننى اقضى كامل اليوم خارج المنزل . .

- امها تقول انك استوليت على لبها واستهويتها ، وانها تبيت عندك كل ليلة ، وانك تعدها بالزواج . . قل الحقيقة . .؟

- لقد فهمت ياحضرة المفتش . . فهمت . . حين خرجت فى الصباح ذاهبا الى عملى اوقفتنى ، وطلبت منى ان اترك الباب مفتوحا ، الليلة ، وان انتظرها ، لان امها متغيبة ، ولكن لما عدت في المساء ، ووجدتها فى الباب عبست فى وجهها ، ومنعتها من الدخول معى ، لقد حذرنى منها العطار اول يوم قطنت هنا ، انها مثيرة حقا يا حضرة المفتش ، ولكن منظرها مريب ..

فحصنى المفتش بعينية الحادتين ثم قال مخاطبا زميليه

- يبدوان المسرحية ...

ثم استطرد :

-العفو يا سيدى منصور ، حاذر ، وسننظر فى الامر مليا . مد يده مصافحا اياى ، ثم خرج ومعه زملاؤه . . فاغلقت الباب خلفهم دون ان ادرى ما اذا كانوا قد ذهبوا كلهم ام ذهب البعض فقط .

وكان اول ما فعلته قبل ان اعود الى سريرى ان خلصت الفار الميت من المصيدة والقيت به واياها وحبة اللوز فى صندوق الاوساخ

وقبل ان انام عهدى بنفسى اردد :

- " من لم يؤمن بالموت ، فلينظر حوله الى ما شيد الناس وهجروه الي غير رجعة " انه انا . . انه ملايين الشباب مثلى . . وليس الفار . . لقد نجوت من المصيدة بمعجزة ، ولكن لست ادرى كم من شاب مثلى ، وقع فيها وفى هذه اللحظة بالذات .

اشترك في نشرتنا البريدية