وجدت نفسها فجأة أمام واجهة سنما الكابتول بشارع الحبيب بورڤيبه بالعاصمة تنظر إلى الصور المعلقة هناك ، والذى استرعى انتباهها صوره طفلة فى حوالى سن السادسة واقفة بقميص النوم تنظر الى امرأة نظرة ذات معان بليغة وكثيرة ، ، جلبتها تلك النظرة فأخذت تتفرس فى عينيها السوداوين الصغيرتين ، انها نظرة حادة وأليفة فى نفس الوقت ، نظرة فيها شىء ليس هو بالجرأة ولا بالكبرياء وانما هو شىء أعظم وأفخم منهما بكثير سبق أن رأتهما فى عينى ابنتها .
إنها تحب ابنتها كثيرا ، تحبها أكثر من نفسها ولم تكن تتحرر من هذا الحب رغم أنها كانت تريد أن تتحرر لفرط ما لقبوها « بالدجاجة الام » . ولكثرة ما نصحوها بأن تدع البنت تعول على نفسها ولكن هدا الحب كأنما هو سلك كهربائي التف حول كامل أجزاء جسدها فلم تستطع منه فكاكا .
وتذكرت اليوم الذى رأت فيه تلك النظرة الحادة والاليفة فى نفس الوقت فظلت مطرقة صامتة شاردة تضغط بكلتا يديها على مظلتها مرددة فى نفسها : « لن أنسى ذلك اليوم أبدا حيث كنت محل استنطاق كمتهمة فى قبضة الشرطة » :
أين أبي ؟ أريد أن أعرف من أبي ؟ ما اسمه ؟ كيف هو ؟ كيف شكله ؟ أطويل أم قصير ؟ أأبيض أم أسود ؟ أنحيل أم بدين ؟ أميت هو أم حى ؟ اليوم لن تفلتى منى يجب أن أعرف ومن حقى أن أعرف » .
أحست بمغص شديد فى أمعائها وبآلام مبرحة فى مؤخرة رأسها ، فلفت جسمها النحيل فى معطفها الطويل متناسية أوجاعها ولكنها أحست باغماءة
وانقلبت الصور الى أشباح مخيفة فوضعت يدها على فمها كاتمة صرخة حادة ومديدة بامتداد أكدارها ، صرخة مكبوتة فى جسدها منذ سنين، منذر أن ولدت ولم تبشر بها العائلة لانها أنثى ، منذ وفاة أمها ومنذ ابتعادها عن زوجها وتذكرت اليوم الذى رأت فيه بأم عينيها خيانة زوجها لها تلك الجريمة النكراء التى لم تستطع أن تغفرها له بالرغم من اعتذاراته وتوسلاته لانها تعتبر الخيانة الزوجية جريمة ، فالسارق عندما يسرق اما لانه فى حاجة ماسة الى المال ورأى أن السرقة هى السبيل الوحيد لسد حاجته وإما لغزيرة فى نفسه.
اكتشف أن زوجها من الصنف الثانى فرأت من الافضل أن تحرره من قيود الزواج . استفاقت من غيبوبتها وقفزت من هواجس نفسها على صوت أحد المارة فهى واقفة على حافة الرصيف واذا هو يهمس لها : آه .. إنه لم يأت ، لقد نسيك ونسى موعدك هل ترغبين فى أن أحل محله ؟ وهنا تذكرت ميعادها مع بهاء بنزل افريقيا فنظرت فى الساعة ورجعت الى البيت يائسة .
دخلت غرفتها وأغلقت الباب وظلت واقفة حذو الهاتف تحدق فيه ثم مدت إصبعها الى الثقب ولكنها سحبت يدها : « أأطلبه وأعتذر له أم أدع الامر للغد ؟ فاننا نلتقى عادة كل يوم سبت على الساعة الخامسة مساء بمقهى تونس ، إنى أحس بتعب شديد ويجب أن أنام ولكن قبل النوم علي بأخذ قبلتى الليلة من إبنتى شهناز » .
ألقت بجسمها فوق السرير وأغمضت عينيها لتنام لكنها لم تنم فأنقلبت على بطنها ثم انقلبت مرة أخرى على جنبها الايسر وضغطت برأسها فوق الوسادة لكنها لم تنم صورة بهاء عالقة بعينيها وبكامل جدران الحجرة انها فى كل الاماكن ، فى الستائر ، فى الباب ، فى النافذة ، فى المنضدة ، فى التليفون : لما لا أطلبه ؟! ولكنى لم أذنب فلقد لبست أحسن فساتينى ووضعت أثمن العطور وهيأت نفسى أكثر من العادة فمن المذنب اذن ؟ من المذنب يا ترى ؟! لا أحد !!! ولكن كيف ؟! ما الذى أصابنى هذه الليلة ! أيكون بهاء ؟ أيكون الحب أم الاثنان معا ؟ وتكورت كلمة الحب فى فمها ، إنها تفضل كلمة التعود والالفة عن الحب لانها ترى أن هناك مصلحة تربط بين اثنين مع التعود والالفة .
ولكن ما مصلحتها من بهاء ؟! وما مصلحة بهاء منها ؟! إن المرأة بصفة عامة تبحث عن الاستقرار ! همها الوحيد أن تتزوج ولكنها لم تفكر أبدا فى الزواج ثانية ... إنهما هى وبهاء يلتفيان فى جميع المستويات لذا قد تكمن المصلحة هنا .
سمعت صوت قدمى المربية تزحفان فى اتجاه حجرة ابنتها فقفزت من سريرها مهرولة وخرجت تركض : « ما لها ابنتى ؟ ما لها شهناز ؟ » فردت عليها المربية بصوت خافت كى لا تزعج البنت : « لا شىء يا منال لا شىء » إنها مربية مخلصة وأمينة ولولاها لما استطاعت الأم أن تعمل خارج البيت ولولا هذه الأم لما وجت المربية بيتا أصيلا يؤويها .
فى الصباح فتحت عينيها على قبلة لذيذة حارة من شهناز ولشدة لذتها أغمضت الأم عينيها مرة أخرى متصنعة النوم طالبة المزيد ، فقبلات ابنتها تحيى فيها الامل وتزرع فيها حب الحياة وتزداد رغبة فى أن تعمر أكثر لترى شهناز عروسا سعيدة فسعادتها فى سعادة ابنتها ووجودها فى وجود ابنتها.
اقتربت شهناز من أمها وقالت لها : « صباح الخير يا أمى ، لقد انتظرنك البارحة لكن النوم طاردنى كثيرا فكنت أقول له : ابتعد عنى واذهب فى حال سبيلك ودعنى أنتظر أمى ولكنه لم يسمعنى وتغلب علي ، أمى إنى أحبك يا أمى أحبك كثيرا » .
أخذت الأم ابنتها بين ذراعيها وأطبقت عليها بكلتا يديها حتى أصبحتا جسدا واحدا وقالت لها : « وأنا أيضا أحبك يا حبيبتى وليس بعد حبك حب ! »
رددت فلا نفسها : « هو ذا الحب الصادق ، إن الاطفال لا يكذبون ولا يعرفون الخداع فى العواطف والمشاعر » .
نظرت الى الساعة ورمت بفستانها فوق جسدها وخرجت مهرولة نحو محطة الحافلات ، وقفت فى المحطة والمطر ينزل بغزارة وهى تنظر الى العالم كيف يلهث وراء الحافلات، يقذفون بأجسامهم داخلها . وجاءت الحافلة (رقم4) المتجهة الى منوبة الضاحية الجميلة الكثيرة الخضر فقفزت بعجالة وجلست بجوار امرأة عجوز ذات عينين صغيرتين لا رموش لهما كأنما هما ثقبان ثابتان فوق وجهها. واضعة بين رجليها سلة صغيرة ، وكانت كلما أسرع السائق أو «تدعثر» فى
احدى الحفر الكثيرة بالطريق صرخت بأعلى صوتها : « لم كل هذه السرعة يا بنى ، سر على مهلك فأنا شخصيا لا رغبة لى فى الموت ، إنى أحب الحياة وأحب أن أعيش » فيضحك الجميع وتثير ضجة كبيرة وتكثر التعاليق وتتحرك الايدى والسيقان كما يكثر القرص والرفس ويغتنم بعض المكبوتين تلك الفرصة الثمينة ليفشوا ما فى أنفسهم من غرائز .
أطلت منال من خلال الزجاج فرأت مبنى مستشفى الامراض العقلية على مقربة منها فقفزت مسرعة نحو عملها ، إنها تعمل سكرتيرة بالمستشفى منذ سنة فقط فلقد كانت تشتغل بشركة حرة للتصدير والتوريد لكن سيادة المدير العام للشركة هذا الرجل المحترم فى نظر الناس وفى نظر زوجته وأطفاله بسمته المزيفة فوق جبينه وسبحته التى لا تفارقه أبدا قد اطردها شر طرد لانها رفضت تلبية رغباته الحيوانية . وكم من ضحية فضلت السكوت والرضوخ والخضوع ! من أجل لقمة العيش وخشية التسكع فى الشوارع بحثا عن عمل مفقود .
دخلت مكتبها وشغلت مكيف الهواء الساخن ووضعت معطفها ومظلتها فوق كرسى مجاور وأخذت السماعة لتطلب بهاء واذا ببهاء يقول :
- ألو منال ! صباح الخير ... أين أنت البارحة يا صعبة المنال يا منالى ؟ - كيف أكون منالك وأنا صعبة المنال كما تقول !؟ - أنت فعلا صعبة المنال ولكنى استطعت تدريجيا اقناعك بأنك منالى . - ثقتك بنفسك عماء ! - وهل تشكين فى ذلك ؟ - لا أبدا ..! - كالمعتاد اذن ! الساعة الخامسة . - إن شاء الله .
أرجعت السماعة الى مكانها وراحت تفكر : « كم من مرة قلت له : إنى لا أرغب فى الفشل مرة ثانية ! وإن حبى لابنتى ليس بعده حب ! وإنى أخشى
عليها من الصدمات النفسية وأخاف أن تضيع من يدى . وكان يسعى جاهدا الى اقناعى بأن لا فشل مرة ثانية ويدعونى الى التفكير بالعقل وليس بالعاطفة » .
وبينما هى على تلك الحال ، دخل الحاجب وبين يديه ملفات بعض المرضى الخارجين اليوم من المستشفى . - صباح الخير سيدة منال ... كيف حال شهناز ؟ - بخبر يا عم محمود وأنت ماذا فعلت فى قضية ابنتك ؟ أطلق زفرة طويلة حبلى بمظالم كثيرة وقال بعينين غشتهما سحابة دموع محبوسة . - أين العدل يا بنيتى ؟ هل تعتقدين أن العدل مع ضعفاء الحال مثلى ؟ لا يا بنيتى العدل مع من يملكون الاموال الطائلة ، إن القضايا تشترى يا سيدة منال ! - والجانى خطيب ابنتك ألم يعترف بما اقترفه ؟ - لقد أنكر كل ما نسب اليه واتهمها بأنها تعرفت على شاب آخر وهو الذي أفقدها بكارتها . - كلب نجس . وأبنتك كيف حالها ؟! إنى لم أصعد لزيارتها اليوم ، حتى ملفها الطبى ما زال عند الدكتور علاء .
- كتلة عظام فوق السرير وكما تعلمين فهى ما زالت فى غيبوبه دائبة ، آه يا سيدة منال ابنتى كانت كالوردة فأذبلها ، كانت شعلة من الحركة والحيوية فأطفأها وأخمدها ، لكن الله موجود سوف ينال جزاءه ! آه لو ترجع بى الايام الى عشرين سنة خلت ، عشرين سنة فقط ، لأخذت بثأرى منه ولكن كما تعلمين فانى قاربت الستين عاما ولم تعد لى القدرة حتى على حمل هذين الملفين ، آه لو تعلمين مدى ثقة ابنتى به ! بل مدى ثقة العائلة كلها كبيرا وصغيرا به . تصورى يا سيدة منال انه لا يرفع عينيه عن الارض ، لا نسمع صوته الا نادرا ولكن لا تأمن النيران عند خمودها كما يقال . جز على أسنانه متصنعا عدم الانفعال ثم أطبق الباب وراءه بهدوء وخرج .
مسكين عم محمود ! بل مسكينة ابنته ! كل ذلك لانها تبلغ من العمر احدى وعشرين سنة أى تعتبر راشدة فى نظر القانون . إن المرأة بصفة عامة
وخصوصا المرأة المرهفة الحساسة مهما بلغت سنها فهى دوما تنشد الكلمة الطيبة وتتأثر بسرعة بل تتغذى كلاما عذبا مثلما نجد ذلك عند بعض الرجال فليس كل الرجال أشداء لا يتأثرون وليس كل النساء الراشدات قويات لا يتأثرن .
أخذت أحد الملفات لتسجل تاريخ خروج المريض فانتابتها دهشة عظيمة وقالت مرددة فى نفسها : « يا إلهى لقد تعرضت الى هذا الاسم العديد من المرات ! فاطمة بنت علي ... ما القصة يا ترى ؟ ما لها هذه المرأة تروح وتغتدى !!؟. دفعتها نفسية حب الاطلاع الى أن تفتح ملفها : سنها لا تتجاوز الثلاثين سنة ، متزوجة وزوجها هو الذى يمضى عند دخولها وخروجها من المستشفى ، إنها امرأة ثرية جدا ويدعى زوجها حسب أقواله أن المال سبب مرضها هى وتعاسته هو .
سمعت نقرا على الباب فأغلقت الملف بعجالة وأخذت قلما متصنعة الكتابة ثم رفعت رأسها فاذا بالعم محمود يعود ثانية : - نعم يا عم محمود . - زوج المريضة فاطمة بنت علي على الباب . - ليمضى طبعا . - نعم يا سيدة منال كالعادة . - اسمع يا عم محمود ، أدخل زوجته قبله هذه المرة .
دخلت الزوجة ملفوفة فى لحاف أبيض ناصع يلوح منه وجه مطبق طويل ، له عينان غائرتان وخدان بارزان لشدة هزال جسمها ، تمشى بخطوات بطيئة كشيخ هرم لكثرة ما امتلأ جسمها أقراصا منومة ، ان الناظر اليها لاول مرة يحسبها ميتا يريد الحياة .
أجلستها على كرسى بجوار مكتبها وتجاذبت معها أطراف الحديث ثم أدخلت زوجها وقام بتلك الحركة الآلية المعتادة وذلك التكرار المعهود وأخذ ضحيته بكل جرأة وخرج . يا لمظلمة الحياة ..! كم من مظلوم محبوس وكم من ظالم طليق يجوب الشوارع والطرقات بكامل الحرية مزدوج الشخصية يلعب ألف دور ودور فى اليوم الواحد بل فى الساعة الواحدة أو أقل منها. مسكينة هذه المرأة ! إن زوجها يريد الاستيلاء على أموالها بأية طريقة كانت فرأى أن ترددها
على المستشفى مرارا وايهامها بأنها غير سليمة عقليا أنجع طريقة للقضاء عليها نهائيا .
فى المساء شقت طريقها فى اتجاه مقهى تونس بشارع الحرية وعند وصولها لمحت بهاء فى انتظارها ، إنه دائم الحرص على مواعيده معها . يسبقها كى لا يدعها تنتظر ، إنه يخشى عليها كثيرا من الغضب والانفعال فكما أنها سريعة الغضب فهى سريعة الضحك ، كثيرة المزاح أيضا .
أزاح لها المقعد وأدناه اليه فجلست وهى تقول ضاحكة : - لو لم يكن هذا المقعد ؟ أين أجلس ؟ - فى مقعدى . - وأنت تبقى واقفا ؟ هذا غير ممكن ! - اذن ما العمل وكيف الحل أغيثينا ؟ - نذهب الى مكان آخر ... ولكن اليوم سبت والمقاهى كلها زاخرة . - إذن تجلسين على ركبتى . أجابت ضاحكة : - ونعم الجلوس .
ضحكا معا..امتلأ شدقاهما ضحكا شديدا وبأعلى صوتهما حتى نسيا العيون حواليهما ثم انخفضت أصواتهما شيئا فشيئا والتقت عيونهما وتكلما : - آه يا بهاء ! أنت الوحيد الذى تفهمنى ، لو كان انسان آخر وخصوصا فى هذه اللحظة بالذات لفكر تفكيرا حيوانيا واندفع فى الحين وراء غرائزه وشهواته ولكنك تفهمنى كثيرا تفهمنى أكثر من نفسى .
- آه يا منال ! أنت امرأة عظيمة ، عظيمة جدا ، لا مثيل لك فأنت تمزجين بين المتناقضين : بين القوة واللين ، بين سرعة الغضب وشرعة المرح ، بين الشدة والسهولة ... أخذ يدها اليسرى بين يديه مداعبا أصابعها الخمس ، ملامسا أناملها بحنان قائلا : - ما زلت فى انتظار ردك ألم تفكرى بعد ؟! - بل فكرت ، فكرت منذ مدة طويلة ولقد أشرت لك بذلك مرارا .
- أعلم ولكن الا ترين أنك أجرمت فى حقنا نحن الاثنين ؟! - أفضل من أن أجرم فى حق طفلة بريئة لا ذنب لها . - ولكن ابنتك هى ابنتى يا منال ، أرجوك .. انزعى عنك هذه الافكار وانتبهى الى نفسك قليلا ، أنا فعلا أحترم موقفك هذا وأقدس فيك حب التضحية ولكن كونى عادلة . رفعت عينيها ونظرت اليه نظرة إصرار .
فقال لها غاضبا : - إن كنت قد سمحت لك بأن تجعل منى سدا لفراغك العاطفى طيلة سنة ، فلن أسمح لك بذلك مرة أخرى ! نعم واعلمى أيضا أن المشكلة ليست ابنتك بل الحل بيدك أنت ، أنت التى لا تريدين نسيان تلك الحادثة . منال إنى محتاج اليك ، أريدك بجانبى فى كل حين ، بك أنت أستطيع بلوغ أى شأو أرغب فيه ، وجودك بجانبى ينمى عزائمى وطموحاتى ، ألا تؤمنين بالمثل السائر : « وراء كل رجل عظيم امرأة » .
رفعت بصرها اليه قائلة بصوت غاضب حزين وبعيون قلقة ناقمة : - بل وراء كل امرأة فاشلة رجل ! شعر بغضبها فهدأ من روعها كعادته وأخذ يرتب الكلمات من هنا وهناك مؤلفا حكايات كي يغير الحديث .
مرت ثلاثة أسابيع لم تر فيها بهاء ، بحثت عنه فى كل مكان، سألت عنه كل من يعرفه ، بقيت تتردد على الاماكن التى يجلس فيها ، طلبته مرارا فى الهاتف ولكن بدون جدوى ، انها تعلم سبب اختفائه ولكنها لا تعلم أين اختفى !؟..
فكرت فى أن تنتبه لنفسها كما قال لها ولكنها ترددت . فجأة سمعت رنين جرس فارتمت بكامل جسمها على السماعة والتهمتها وراحت تصرخ بلهفه : « ألو ! ألو ! آلو ... » لكن الجرس بقي يرن وانفتح باب غرفتها وأطلت شهناز وبيدها رسالة ... - أمى ما هذه ؟!... - رسالة ...
- ممن ؟ من أبى ؟! تلكأت الأم وأدارت برأسها نحو النافذة قائلة : - من الشغل ... - من الشغل !! لماذا ؟ آه فهمت لانك لم تذهبى الى عملك منذ مدة ولكن لماذا لم تذهبى يا أمى ؟ - لأنى ... لأنى ... مريضة . - سلامتك يا أمى . إنها رسالة من بهاء : باريس 28 - 5 - 82
منالى ... ما زلت على الدوام منالى قريبة كنت أو بعيدة ! شئت ذلك أم أبيت .
كم أنا مشتاق الى محياك المشرق ! الى ابتسامتك اللطيفة ! الى كلامك العذب ! إلى نظراتك الذكية ! أيتها الروح النبيلة التى حملت لى أكثر من معنى للوجود وألمعت فى ذهنى أكثر من حقيقة للحياة يا من تجسمين الحياة ، قريبا أذكرك وبعيدا أتذكرك وما أصعب ذكراك وتذكرك فى البعد والقرب معا ! بتذكرى لذكرياتى أقوى على بعدك ، وبأملى فى لقائك إن شئت أودع الليالي واستقبل الايام راجيا منك أن تتراجعى فى قرارك .. أرجوك يا منالى يا من تركت فى نفسى أروع أثر وضربت لى أصدق مثل . منالى ...
إن حبى لك ليس قصة ولا حادثة عادية تناولتها الاقلام بل هو عاطفة شريفة متقدة فياضة لا يتناولها الا القلب الذى فيه ولد وفيه يحيا ويخلد . أذكر يوم عرفتك .. وأذكر يوم أحببتك ولم يكن الوقت طويلا بين اللقاء وبين الميلاد .. ميلاد تلك العاطفة التى لا ترحم .
منالى ، لقد قسوت علي وظلمتنى ولكن قسوتك لطف وظلمك حلم ، إنى ما زلت أرى فيك الشخصية الفذة ، أرى فيك نصفى الآخر ، نسخة روح ومرآة عواطفى ، إنك ظلى الصادق رغم شدة طبعك وحرارة مزاجك . منالى ...
أرجوك يا منالى دعى حبى لك ينمو سلاما وأتركينا نقترب من بعضنا البعض . أما إن أردت فراقى وهذا ما أخشاه كثيرا فستبقين ضوء البصيرة . وإن أرت معاشرتى فستدومين نور البصر والبصيرة . منالى ...
إنى لا أقدر على نسيانك ، أفكر فيك باستمرار شديد ، صورتك أمامى وحبك فى صدرى ولهفتى الى صدرك الدافىء الحنون تقض مضجعى .
أقسم لك . بحرارة احساسى .. بدفء عواطفى بصدق مشاعرى ان حبك تضيق بكحله الاهداب وينوء بحمله القلب وتيقنى أنى بك معذب وفيك أفكر واليك أحن . فمتى يا منالى تشرق شمس اللقاء ؟ بحرارة شوقى اليك أودعك وبقداسة حبى استودعك لمن لا تخيب ولا تضيع لديه الودائع منتظرا منك جوابا نهائيا ومفرحا يأتى بى على جناح السرعة كطائر يحط بين أحضانك الدافئة .
سلامى الى ابنتنا شهناز أقر الله بها عينك وأراك فيها عز ما تأملينه منها من خير وعلو ونجاح . الوفى على الدوام بـــــهــــــاء
أطبقت الرسالة وراحت تفكر .. ثم حملت ابنتها بين ذراعيها مرددة على مسمعها فى همس رقيق حنون : (( حبك ليس بعده حب ، حبك ليس بعده حب يا ابنتى )) .

