كان " نبيل " يفكر عند هبوط الطائرة العائدة به الى الوطن - الارض المقدسة - يفكر في ان يلتقي بمستقبليه من اهله ومعارفه واصدقائه الا انسانا واحدا افلح في ابعاد ذكراه يسيرا عن خاطره وكاد ينساه ولو الى اجل .. ولكن هيهات . .
كان " نبيل " يريد ان يلتقى بكل انسان الا ذلك الواحد المائق الذي يبصر في طالعه كل طيرة من طيوف الشؤم والوحشية . . وقد كان ابعد ما يكون عن ذكراته فى مثل تلك اللحظات فهو منشغل البال بأمه الولهى عليه وباخوته وذوى قرابته الذين طال انتظارهم لاوبته وأصبح هو في شوق مبرح اليهم وكأن العام الكامل الذي تغرب فيه عنهم أمسى فى حسبانهم يعد بعشرات السنين . . وقد كان هو ينوى الهجرة حيثما كان ولكن تقاليد الاباحية الحديثة لم تكن لتتفق مع آرائه ومبادئه القومية القويمة . . فانسان متدين مثله لا يمكن بحال ان يقسر النفس على العيشة فى بيئة منحلة تغاير كثيرا البيئة السليمة المحافظة التى نشأ فيها . . ولقد كان يظن انه فى المستقبل يستطيع مجاراة الجو
والائتلاف به حتى يهيئه لحياته الرتيبة ويتكيف مع نفسيته . . غير انه اصبح يضيق ذرعا مع مرور الايام ببقائه هناك وهو يرى الفوارق تترى ونفسه تثور على الاوضاع وعادات المدنية الزائفة فى تحرر المرأة ووضاعة المجتمع . . الخ . . فاذا به يقرر العودة الى الوطن وعواطفه القديمة ، وذكرياتها الاليمة فى طريقها الى الاستجمام مع أن قلبه يلح ويهفو ، والجرح في هذا القلب لا يلتئم . .
ما كاد نبيل ينزل الى الشارع - فى وطنه - لاول مرة حتى ابصر أول ما أبصر بذياك الانسان . . ذلك الوجه الكريه له يفاجئه عن قرب برفقة بعض صحبه فيقتربون منه .. يحيونه ويهنئونه بسلام الوصول .. وتمنى نبيل لو انقلبت كفه الى حزمة من الشوك يصافح بها تلك اليد القاسية التى امتدت اليه وكأنها يد ابليس التى حلت عليها اللعنة . . أية صدفة عمياء هذه التى القت امامه بمن لا يرغب حتى فى لقيا ظله او خياله وعندما ابتعد يسيرا احس نبيل كأن غيمة سوداء انجابت عن أفقه غير انه راح يفكر في تلك الانسانة البريئة التى تعيش فى ظل هذا الشؤم ..
ويتهالك جسمها فى احضانه الموبوءة التى سجنها بها أبوها العنيد ، وهي زهرة تتفتح للحياة فلا ترى الا ظلام وجودها لتفنى فيه وتذبل قبل أوانها هذه المسكينة ما أمرها وما حالها ؟ وما هى حياتها ؟ كيف تراها تقضى ايامها معه ؟ أتراها تفكر فى كما افكر انا فيها واهجس بذكراها آناء الليل واطراف النهار . . ؟
بعض استفسارات مما كانت تدوم فى رأس نبيل وتصطخب بها ذاكرته فلا يجد ما يعللها او يلاشى بعضها حتى يجلس فى المساء الى كبرى أخواته يسألها عن تلك وما بلغها من خبرها . . فيعرف انها تعرضت منذ بضعة شهور لخطر المرض وانها تعيش معتلة حزينة كما يعهد . . فما زاد على أن ارسل بطرفه الى السماء فى تأمل طويل ثم طوى نظراته الساهمة على سحابة من الدمع السخين وصدره يند بآهة عميقة تتضعضع لها الاضلاع ، وهو يغمغم : ترى كيف استطيع عونها . . ؟
ان قصة حب نبيل الخالد فريدة في نوعها بالنسبة لهذا العصر الذى تطغى فيه الماديات ويندر وجود عشق سام فيه . . هذا العشق الذي عرفه قلب نبيل فتي غريرا فى بنت احلامه " سميرة " ولم ينعم به الا لحظات . . تفاوتت فى زمن حالم مر كالحلم الجميل هو كل ما يمكن ان يحسب من حياة الانسان الشاعر . . انه عمر الزهور التى لا تلبث ان تتبدد بين عزيف ريح أسود عاصف في ساعة من ساعات الطبيعة الغاضبة بيد انسان متمرد لا يفهم ولا يتورع من تحطيم كأس زاهرة طاهرة كما فعل بحب " نبيل وسميرة "
المتبادل . . وقلب نبيل بعد ان يئس من هذا الحب وقد ابتلاه القدر بسميرة وقضاها لغيره . . حاول الكثير ان يسلوها وينسى غرامها المجنح وان يحب غيرها ويلقى الستار على ماضى عذابه ولكنه كان ( كباسط كفيه الى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ) . . عرف فى رحلته الكثيرات الفاتنات كما احب من استطاعت ان تؤثر في مشاعره ويستلهم منها بعض فنه ولكنها كانت كسحابة صيف لم تلبث ان تلاشت عن ظلته وجرفتها عواصف حبه القديم فان قلبه لم يعد يحتمل حبا آخر .. والجرح فيه لم يبرأ ولو ان حبه لتلك مقضى عليه ولا امل فيه . . تنبأوا له كثيرا بانه سيسلو وينسى كل شىء من ذكريات غرام صباه الاول وانه سيحب اخرى غيرها ويبدأ حياة جديدة غير أن شيئا من هذا لم يقع ، وقد مرت سنون ليست بالقصيرة ويعتقد هو بانه لن يقع البتة فى مثل حبه القديم ، لان الارادة هكذا فرضت عليه وقلبه الذي تفتح بتلك لاول مرة لن يجد بعدها من تملأ الفراغ الذي تركته . . فهو يشدو دائما بضميره الصادق مع الشاعر القديم :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما القلب الا للحبيب الاول . . .
ذلك هو غرام نبيل الجبار الذى يفتك به وهو رضى الفؤاد شديد الصبر نسمعه في كل ذكرى او فكرة تعبر بخياله يردد هذه المقاطع الخفيفة من اغنية معروفة :
حاسبت روحي على الايام اللى انقضت
من حبى معاك
لقيتها اكثرها اوهام ضاعت ما بين
صدك وجفاك
واللى انحسب من عمري
راح وانقضى من بدري
فهو لا يكاد يستمع للموسيقار الفنان يشدو بهذه العبارة الحزينة حتى يسبح بخاطره في عالم الآهات وبطرفة فى دنيا الظلمات يستشف ما وراء الحقيقة المؤلمة ولا يبصر سوى اللوعة تعزف الحان الحرمان . . ومرت عليه أيام حتى كان ضحى اليوم الثالث والثلاثين وقد كانت الساعة تشير الى الرابعة والنصف حيث نقرت على الباب أنمل دقيقة تستأذن نبيلا لصاحبتها في الدخول وهو جالس على مكتبه يخط بعض الرسائل ومنها رسالة كانت موجهة اليها تحير عليها اليراع ولم يسطر بها غير البسملة . . والتفت الى الباب ليجد الهيكل الملفح بالعباءة الحريرية السوداء ولا يبين منه سوى الكفين وصوت ناعم راعش يقول : الحمد لله على سلامتك يا سيد نبيل .. فتسارعت ضربات قلبه واقشعر جسمه للمفاجأة الغير منتظرة الا اذ كانت فى الحلم فلا يفهم من سر هذا الانفعال الغريب الا انه امام ( تلك ) قد هبطت اليه من عليين وهمس في نفسه كيف ولم جاءت ؟ وتمالك مشاعره واجابها مشيرا بيده الى اريكة دانية منه : سلمك الله يا سميرة . . كيف أنت ؟ تفضلى . . طمنيني عن احوالك عساك بخير . . !
قال كلماته ببطء وحذر شديدين والبشر يطفر من محياه . . وما كادت تجلس حتى وقفت ثانية تمد يمناها اليه مصافحة وتزيح النقاب عن وجهها المشرق بيدها الاخرى قائلة : نحمده سبحانه الذي لا يحمد على مكروه سواه . . ووقف لها نبيل ويدها فى
يده لحظات بينما نظراتهما تتعانق وتتناجى فى صمت . . وياله من صمت بليغ جليل . . وحين انفصلت يداهما كان الكفان مبتلين من العرق ، وبينما هى تجلس مسح نبيل بكفه على شفتيه وجبينه وراحت هي تفرك كفها في الكف الاخرى وتراقب الباب مما استلفت نظر نبيل فقال من هنا ؟ قالت بعدم اكتراث : أختى تنتظرنى قال : لتدخل . . قولى لها . . قالت : انها تريد ان تترك لنا حرية الحديث قال : لا . . حرية الحديث ستكون بمحضرها هي ما دامت قد جاءت معك قولى لها تدخل . . والقت سميرة نظرة فاحصة على قسمات وجهه المنصرف إلى ما أمامه من أوراق ثم قالت تدعو أختها : ( تعالى هنا . . اجلسي معنا هكذا يريد سيدى نبيل ) ودخلت تأخذ مكانها بجوار اختها دون ان تسفر او تنطق بكلمة واحدة . . فقال نبيل بعجب دون ان يلتفت اليهما : كيف جئتما ؟ ألم تخشيا من احد يراكما ؟ . . فاجابت سميرة وفى صوتها رنة حزن عميق : ( منذ علمت بمجيئك وانا اتحين الفرص لتكون وحدك في البيت وكانت ( الغسالة ) الطبية القلب هي رسولى حتى عرفت منها خلو الجو اليوم ) . . وتنهدت بأسي ثم ساد صمت طويل كان خلاله نبيل فى حيرة يتشاغل بالكتابة وسميرة تراقبه متحيرة مثله وفى نفس كل منهما شجون وحديث يريد كلاهما ان يفضى به للآخر ولا يجرؤ فقد الجم جلال الموقف لسانيهما ، وكان الهوى وحده يتكلم حتى قالت سميرة بحياء : أما لهذه الكتابة من آخر ؟ . . فيجيبها بنفس لهجتها : ولكنني بها أتسلى والا
فأى شى اجده غيرها ؟ قالت بشئ من الجراءة : حتى ولو كانت ( هى ) بالقرب منك ؟ . . فقال مبتسما بتكلف : ولو ! يا سميرة لانني أعيش بالالم العظيم بدلا من الامل العظيم الذي كان . . أو تدرين بان حياتي اصبحت بعدك ظلمة مالها ختام . . ولكنها هذه هى المشيئة التى ليس لنا بها يد . . والانسان العابث كان هو السبب فى غربتنا . . قالت : كل شىء مما كان لن يغير أمرا في علاقتنا . . قال : هذا صحيح ولكنك أنت اليوم لغيرى وبقدر تحسن احوالك اكون من السعادة بمكان ولو كنت أشقى بحبك بما لا يمكن ان يحتمله انسان انصبت عليه كل مصائب الدنيا . . قالت : أو تظن اننى اهنأ فى ابتعادنا عن بعضنا ؟ قال : أعرف ما انت فيه ولكن هذا هو المقسوم لنا اذ لا فائدة ترجى من علاقتنا اليوم وخير لى ان أتعذب من اجلك والاقي صروف الالم والاشجان من أن احاول التفكير فى الوصول اليك حبك يا سميرة لن ينقص ان لم يكن فى ازدياد . . حبك لم يستطع ان يزاحمه أى هوى آخر بأية انسانة فاتنة . . فلقد استعرضت الكثيرات ولكن السحر القديم ظل وسيظل طلسما قاهرا عن أى دخيل أو عابر اننى افهم حبك ووفاءك وهذا حسبي وثقى بانني سأبقى وفيا لك ما دامت الانفاس تتردد فى صدرى . . اما موعد لقيانا الكريم فهناك . . هناك فى العالم الآخر حيث لا سلطة لانسان ولا وجود لمكره وخداعه . . هناك ستكونين لى واكون لك كذلك اليوم الذي تعارفنا فيه بقلبينا ومشاعرنا وروحينا الطاهرين ونحن
فتيان صغيران على اننى سوف اكون دائما على اتصال بك من حيث لا تعرفين لا تفقد احوالك واكون المنقذ لك فى الساعة التى ارى فيها ان الواجب يامرني بانقاذك فهذا الواجب المقدس لن احيد عنه او اتجاوزه لانه السهم الذى سيسدده حبنا الخالد في اللحظة الاخيرة فى نحور الظالمين ولو شاء الله ساعئذ فاننا سنكون لبعضنا ولن انسى انك اليوم تعيشين فى شبه قفص بل سجن ( ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب ) ، ولكنني أنا الآخر أسير على اشواك فى صحراء جدباء وسجنى هو حبك العظيم وأملى فيك ألم لا ينتهى وزادى هو اليأس ، أجل اليأس يا سميرة فتصبرى مثلى وهنا دار بوجهه الى اوراقه - وكان موزع الطرف بين جليستيه وفضاء الغرفة فى اضطراب ظاهر - ومد يده الى كتيب يسجل فيه بعض الاستشهادات الرائعة لمن سبقوه واذا بهذا البيت يطالعه فى أول الصفحة التى قلبها :
فان ابك نفسي ابك نفسا نفيسة
وان احتسبها احتسبها على ضن
وقرأ البيت بصوت مسموع بينما ظلت سميرة فى ذهول تجفف عينيها حتى احمرتا ولما لحظها نبيل قال برقة وابتهال : صونى هاتين العينين الحبيبتين يا سميرة من أجل حبنا وكفانا عذابا فوق العذاب الذى نعانيه فاننا سنجتر أيامنا مصفدين بحرماننا رضينا ام ابينا . . لهيب قضى علينا فلنفن فيه كيفما شاء حتى يلوح السحر غدا او بعد غد . . ولم تقو سميرة على كتمان ما يعتلج فى نفسها من تلك الرغبة الجامحة فى فنائها فيمن تحب وتتمنى وصله ولو للحظات تبل الصدى العارم
الطويل وتشفى بعض الاوام الملتهب فى صدرها الخاوى . . . فقامت من مقامها ووقفت على قيد خطوة من نبيل ملتصقة بدرج المكتب الايمن ثم قالت وهى تضع يدها على كتفه : الحقيقة اننى اصبحت ارى الحياة وضيعة كئيبة فى البعد عنك ، ولقد تعرضت للهلاك المحقق فى مرضتى الاخيرة وكأننى حييت لاراك . . فلماذا نقضى على نفسينا بالحرمان والكأس أمامنا ؟ انها بين ايدينا الآن فلماذا نخشاها ؟ وراح صدرها يعلو ويهبط وفي عينيها الكليلتين ذبول الشبق واللهفة . . واخذ نبيل بيديها بين كفيه يقبلها وتنحني هي تقبل رأسه ثم يقول بشبه ابتسام وصدره يتضرم بالحنين وانظاره متعلقة بناظريها الساهمين : ليت كل الذى يصيبك يصيبني وحدى بدلا منك . . ما الذي نفعله ونحن في أسر الواقع ؟ أرأيت يا سميرة لو كنا فى غير هذى البلاد لاختطفتك وهربت بك منذ اللحظة التى هموا فيها بتقرير مصيرنا . . . انت يا حبيبتى الساعة لغيرى . . وراءك الزوج الذي فرضوه عليك ودفنوك في ظلال حياته القاتمة . . وهذا الشبح كاف لان يبعدنا عن بعضنا حتى تنتهى أو يأتي قبل هذه النهاية الوقت الذي يحتم على الواجب فيه انقذك . . . ثم نكون لبعضنا لو شاء الله . . كفى ياسميرة صابرى مثلى وقاومى الواقع بإرادة حبك وبايمانك بهذا الحب . . واصرح لك بانه قد يعن لى ان اتزوج قريبا او بعيدا سعيا لانتظام حياتى وليس هذا معناه اننى سأنساك . . لا يا حبيبتى حبك الذى ولد مع عواطفى وانا فتى
سيحيى معى حتى يوم الخلود كما ان زواجى لن يغير شيئا فى الموقف ولن يمنع من أن نكون لبعضنا في الساعة التى انقذك فيها إذا اردت انت .. ثقي وآمني بكل ما أقوله لك فالعالم وما فيه لا يزن مدرة من حبنا العظيم وأبصر الأثنان بالادمع السخينة تتلألأ فى المحاجر فافلتت ايديهما وجفف نبيل أدمعه بطرف كمه بينما اخرجت سميرة منديلها الحريرى المعطر تجفف العينين الساحرتين وتلقى به على المكتب وتهم بالخروج فيستوقفها نبيل بالاشارة ويناولها صورة حديثة له ويقول : اطمئني يا سميرة فالارادة التى ارادت حبنا وتآلفنا لن تنسانا من الرحمة . . وتأخذ منه الصورة لتضعها فى صدرها بتأوه فيتأوه نبيل مثلها ويقف لها حتى تخرج واختها خلفها تردد بصوت خفيض : ( الرحمة الرحمة . . متى تأتى هذه الرحمة ) ويعود نبيل الى مكانه ويأخذ المنديل بين كفيه وهو يقول وانظاره فى ابتهال تتلمس صفحة السماء الصافية التى تطل عليه من الشباك : اللهم لا تطل عليها الوحشة والكآبة . . انقذها ، والطف بقلبينا الطاهرين فان ذوى النفوس اليائسة ليس لهم الا رحمتك او حتى قطرات منها . . أليست قد وسعت كل شى . . ؟ وامسك بالقلم يخط على رسالة ( تلك ) هذه العبارة
( اننا حينما ندعو للحب السامي أن يسود قلوب الناس ويوحد غاياتهم انما نريد ان يفهم هؤلاء ايضا ان لا فرق بين عواطف الجنسين ( هو وهى ) الحب يا قوم رسالة الحياة السعيدة ورفقا . . رفقا بالقوارير . . )
