الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

حب وفلسفة

Share

جلس الدكتور بالمير وراء مكتبه الخشبي  الفخم وجلست أمامه الآنسة - مارتن - فى ملابسها الرسمية البيضاء فالتقط الطبيب قلما وأخذ يلهو برسم خطوط لا معنى لها على قطعة من الورق وهو  متسائلا بقوله

اذن فأنت  نعم يادكتور  لي

فهمهم الطبيب . وهو ما ض في التخطيط  والرسم كعادته بكلمات غير مفهومة وكانت جين مارتن الممرضة بالعيادة تعرف  فيه ذلك من سنوات . . تعرف انه يلهو  على الدوام بمثل ذلك عندما يغرق فى  الحديث مع شخص ما ، كما كانت تعلم  أشياء أخرى غير عادية وشخصية عن هذا  الطبيب النفسانى اللامع الموفق البالغ من  العمر السادسة والثلاثين عاما اتم العلم  كتلك الشمس التى كانت تغمر الغرفة  بأشعتها الذهبية الغاربة فى ذلك اليوم  القائظ لقد كانت تعرف انه ألف كتابا هاما عن القرد والانسان وهو عبارة عن دراسة عامل الشعور فى انعكاسات الحبل الشوكى

السفلي كما كانت تعرف أن اسمه هو  - جوناثان - وليس - جون - كما يدعوه زملاؤه وأصدقاؤه وأنه  قد خطب مرة فتاة ففسخت ما بينهما من خطبة بينما كان  يعمل كطبيب بالجيش فى الحرب العالمية الاول وقد عرفت ذلك من  الآنسة - سينتسمون سكرتيرته  التى شفعت حديثها ذلك بقولها اما في الوقت الحاضر فأن الطبيب غير معتزم مطلقا على الزواج فلم   ادنى شك فيما صرحت به فقد قضت بمكتبه ثلاثة وعشرين  شهرا لم تلحظ فيها انه فكر فى شئ من  ذلك وقال الطبيب وهو يواصل لهوه  بالتخطيط والرسم : لا يسعى الا ان اصرح

لك بدهشتى ، فالواقع ان خروجك هذا  يعد كصدمة لى فانت التى اعتمد عليها  في العيادة يا آنسة مارتن .

- اعرف ذلك يا دكتور واننى جد آسفة .

- ليس من شك في انك غير راضية  بالمقام هنا

- الواقع انني لست غير راضية بذلك . .

- يظهر أن المسألة مسالة نقود ؟  - كلا . . أبدا انها ليست مسألة  نقود البتة

- لعلك لم تنسجمي مع الآنسة  سمبسون

انني احب الانسة سمبسون حبا                                                                               جما وقد استمتعت بالعمل معها طوال                                                               المدة التي قضيتها بالعيادة

- ذلك ما كنت اظن  فقد كان يبدو عليك دائما  

فاضطرب   وهي ترد عليه  قائلة : أعتقد اننى   الغبطة بالطبع فقال الطبيب : من حسن حظك أن لك طبعا كهذا ولا غرو الست جميلة بحق قبل  كل شئ وبعده ، فأعتدلت جين فى مقعدها   قائلة : شكرا لك يا دكتور

فرنا اليها الطبيب قائلا : لاتشكريني ولكن  اشكرى من انعم عليك بالتمتع بهذه الخلقة  الحسنة . . وعاد الطبيب الى لهوه  بالتخطيط والرسم ثم واصل كلامه قائلا  لا يبعد انك لا تريدين السفر الا بقصد  الزواج ، فردت عليه في لهثة مسموعة :  آه . . كلا . . كلا . .

فقال : يبدو ان الفكرة قد افزعتك . . فقالت : كلا لم أفزع ولكن فقط . . فقال : والآن ما دمنا بهذا

الصدد أريد أن أسالك لم لم تتزوجي بعد ؟

فقالت جين : لأنني كنت جد مشغولة  بالعمل والكسب ومع ذلك فاننى  لن اتزوج  الا اذا . عن حب

بباعث

فقال الطبيب ان الحب مسألة جوهرية فى الزوج  الزواج مرة  كمجرد مسألة غريزية  لامفر منها فلم يجد ذلك  شيئا واننى لا ألوم خطيبتى خطيبتى  السابقة على فسخها للخطوبة ، فقالت جين : لماذا الم تحبها ؟ فرد الطبيب قائلا : كلا . . فتنهدت جين وقالت : هل سبق لك أن أحببت أحدا ؟ فرفع الطبيب بصره اليها ونظر نظرة تائهة كأنما يريد أن يتذكر ثم ابتسم وقال : نعم لقد احببت مرة وأنا فى الحادية عشرة من العمر ، فقالت جين فى هذه السن ؟ فقال الطبيب : كنت مغرما  ببنت بالمدرسة التى كنت بها بالقرية  وكانت بنتا ممتلئة الجسم مشرقة الطلعة ذات عينين زرقاوين وشعر ذهبى لامع ، لقد كنت انظر اليها كملك هبط الى من السماء ، فقالت جين : هل صارحتها بحبك ؟

فقال الطبيب  ) كلا فقد كنت خجولا و كلما   استطعت عمله  هو ان ابعث اليها                                                                برسم قلب فيه سهم كيوبيد فقالت جين  وهل عليك بعد ذلك

فقال كلا  لم تفعل  فقالت  جين أمر يؤسف ولكن ما الذي                                                                                                     يا ترى آل اليه أمر حبيبتك  ذات الشعر الذهبى تلك ؟

فقال : لقد كبرت وتزوجت بسائق  أوتوبيس .

فقالت جين : امر مؤسفا حقا ، فقال   الطبيب : حسنا لقد خرجنا عن الموضوع

قال ذلك وعاد الى مواصلة رسمه وتخطيطه  العابث ثم واصل كلامه قائلا : انك لم تبدى  بعد عن السبب الذى دعاك الى ترك العمل  معي ؛

وقالت   ان يكون  لابد ان يكون ولم                                                                                                 سبب                                                                                                    يقدمن على عمل ثمة داع له ومن أين لك أن فأنت . .    تعرف عني ذلك   هو اننى ممرضه لا بأس بها . . و  لقد قلت عني اننى  جميلة ولكنك في الواقع لم تكن تلحظني  أو . . فقال الطبيب : لقد كنت الاحظك طبعا  فقالت : لم تكن تلحظني في الواقع . . أقصد انك . . فالقى الطبيب القلم من يده على المكتب وقال : ماذا تقصدين ؟ انك  لم تجيبيني لم تريدين ان تتركى العمل  فما اظنك بعد انقضاء يوم طويل متعب تأتين الى هنا بقصد ابداء رغبتك فى ترك العمل من غير ان تدرى عن السبب الداعى لذلك فقالت جين : قد يكون لذلك سبب لا علم  لى به . . فقال الطبيب : انك تدرين . .  فقالت : ولماذا أدرى ، فقد يأتي الانسان احيانا عملا من الاعمال من غير قصد بل بمجرد الغريزة والفطرة ، فنظر اليها الطبيب وهو يخلل بأصابعه لحيته الشقراء المدببة ، ثم التقط القلم واخذ فى التخطيط والرسم  وهو يقول : اتذكرين يا آنسة مارتن انك قلت لى مرة انك قرات كتابي فهل فهمت ما به حقا ؟ فقالت جين : أعتقد اننى فهمت اهم ماجاء به . فقال الطبيب : اذن فقد .

عرفت أن بكل جهاز عصبي . . - جهازك  العصبى مثلا - كتلة من الالياف العصبية تسمى القناة الهرمية وهى تمتد من المخ حتى نهاية الحبل الشوكى ؛ فقالت جين : نعم يا دكتور ، فواصل الطبيب حديثه بقوله : او بمعنى آخر لقد عرفت أن هنالك  انصالا بين المخ والمراكز العصبية المنعكسة  السفلى ؛ فقالت جين : نعم يا دكتور  فقال الطبيب وهو يلهو فى اهتمام  بالتخطيط والرسم : كما عرفت ايضا ان  هذا الاتصال او الارتباط يفسر أن الناس يكونون شاعرين بما يأتون من اعمال  حتى ولو كانوا منساقين بدافع من الغريزة والفطرة ؛ فقالت جين : حسنا لقد فهمت ذلك فقال الطبيب : اننى اعتبر قناتك العصبية الهرمية فى حالة حسنة منتظمة وعليه فانك عندما اعتزمت أن تختفى من حياتي . . فقاطعته الفتاة قائلة : من حياتك يا دكتور بالمير ؟ فقال الطبيب مستدركا : اقصد من غرفة عيادتي ، فعندما قررت أن تخرجى كنت من غير شك شاعرة بما أنت  مقدمة عليه كما تعرف تماما ايضا ما حملك على ذلك الإقدام  فى مقعدها ،  وقالت : من السبب   ولكنني ومن غير  ان يرفع التي  بيده هتف لماذا  لا تصارحينى فلم ترد عليه  جين بكلمة فرفع بصره اليها : فرأى عينيها تحمقان فيه  اخاذ ثم تكلمت قائلة : لم يسبق ان صرخت فى وجهى    بهذه الصورة قبل  فقال الطبيب  معذرة . . فواصلت جين كلامها قائلة : لا حاجة بك الى مثل هذا فمما يروقني أن   تكون كما اعهدك دائما بالمظهر الانسانى

فحملق الطبيب فيها وقال : وهل دار بخلدك قط انني غير ذلك ؟ فقالت : آه . . انني  على ثقة ، انك رجل انسانى ولكن ولكن ماذا ؟ فقالت : اعنى ان جهازك  العصبى منتظم ايضا ، فقال الطبيب :  طبعا هو منتظم ، ولكن ماذا تقصدين بذلك ؟ فقالت : اعنى انك شاعر بما تعمل  بسؤالك لى كل هذه الاسئلة . . فقال :  اننى شاعر طبعا بذلك فقد قصدت بها  أن اعرف السبب لخروجك كيما اعمل على  ارضائك واغرائك بالبقاء ، فقالت : وهل تريدنى ان ابقى  فقال الطبيب  جدا . . فقالت على  المكتب فقال   الطبيب هل من الضروري أن تعرفي لماذا   لقد سبق ان فعلت ذلك  أننى  فى حاجة اليك فأنت الوحيدة التي   اعتمد عليها في العيادة فقالت : هل                                                           انت في حاجة الي فقال نعم فالعيادة                                                            لم تنتظم الا بمجيئك فقالت آه اذن  فالعمل هو الذى يتطلب بقائى ؟ فقال والتسويد - طبعا هو ذلك وما هو ما اردت  ان اخبرك به - فقالت جين : فهمت ، ثم  وضعت يدها على المكتب ونهضت قائلة :  إذا أمسكت عن التخطيط والرسم فسأخبرك  عن السبب فى خروجى ، فتوقف الطبيب ،  ولكنه لم يرفع بصره اليها بل لبث يتأمل ما خطه من رسم وقد بدا صوته غريبا عندما قال : تكلمي ما هو السبب في ذلك ؟ فقالت  جين : انني احبك لقد وقعت في شرك غرامك  منذ اكثر من عام بل من أول يوم أتيت  فيه الى هنا ، ولا أريد أن أبقى واتعب نفسى  بحب لا طائل تحته لأنني اعرف انك لم  تفكر قط فى أن تحبني بل استطيع ان  أقول انك لم تنظر الى قط كفتاة ، ويبدو

لى انك لن تحب أحدا مطلقا ما حييت انما  أنا فلا أريد أن أحطم قلبي هنا على غير جدوى ، وعليه استودعك الله يا دكتور بالمير ، قالت ذلك واستدارت متجهة صوب الباب  وهى لا تكاد تبصر خطى  قدميها  الطبيب  قائلا مارتن انتظرى قليلا : فقالت كلا . . كلا . . دعنى اذهب من فضلك فأنا . . فقال : ارجعي : إلى هنا قلت لك فردت قائلة : فقال : ولكنى اريد ان اطلعك على أعجوبة  ستدهشين لها فقالت : ماذا ؟ أعجوبة . .  فقال : نعم تعالى وسترين . . فرجعت اليه  فى فتور ، وكان ما زال يتأمل الرسم  الذى بيده ثم قال : انه مثال ممتاز  لرغبة لا شعورية حادة . . فقالت وهي تتقهقر  الى الوراء : إذا كنت تريد أن تتكلم فى  علمك النفسى فدعنى أذهب الى شأنى من  فضلك فقال الدكتور بالمير : انظرى هنا  قال ذلك وأمسك بمعصمها وأشار الى  الرسم الذى بيده قائلا : لقد رسمت هذا  من غير شعور بما اصنع . . فلم تتمالك  أن هتفت : آه . . جوناثان . . ما هذا ؛  وكان بالورقة ، داخل اطار من التخطيطات  كيوبيد  الحب ،  هل تعنى لا بد  اننى اعنى طبق  الاصل للرسالة الفرنسية التي بعثت بها الي  البنت التي احببتها في مستهل حياتي  فقالت جين هي البنت الوحيدة  التى احببتها حتى الأن ؛ فقال الطبيب  نعم . . حتى الآن ، قال ذلك وانفجر ضاحكا ثم احتواها فى ذراعيه فى عناق حار  طويل . .

اشترك في نشرتنا البريدية