الى القارئ
إنه ليحز فى نفوسنا أن نلاحظ ، بمناسبة ما يطرأ بين الفينة والاخرى من أحداث سياسية أو اقتصادية أو ثقافية فى بلاد الغرب عامة وفى البلدان التى سبق أن استعمرت شعوبا أخرى ردحا من الزمن ثم اضطرت اضطرارا الى الانسحاب عند عجزها عن قهر نضال تلك الشعوب ، استمرار ظاهرة التعصب والعنصرية ومركب التفوق والاستعلاء .
فقد أثار سراح الزعيم الفلسطينى أبو داود - بعد اعتقاله بالعاصمة الفرنسية فى ظروف غامضة - موجة من الانتقادات والسخط على الحكومة الفرنسية تقاطرت بها صحف فرنسية وانقلوسكسونية كثيرة فكشفت مرة أخرى عن الوجه المعادى للعرب والمسلمين . . أما الصحف الصهيونية فقد كانت فى مستوى . . حقدها الدفين وعنجهيتها المألوفة .
وبمناسبة اغتيال النائب الفرنسى " جان دى بروى "(Jean de Broglie) لاسباب ترجع ، فى أغلب الظن ، الى تصفية حسابات خاصة ، تبنت هذا الحادث منظمة يمينية متطرفة تسمى نفسها بآسم " شارل مرتيل " وهو القائد الفرنسي الذى يدعى بعض المؤرخين أنه أوقف زحف العرب عند مدينة " بواتيى " فى أوائل القرن الثامن مسيحى ، فعبرت بلسان أحد المنتسبين اليها فى مكالمة هاتفية مع وكالة فرانس بريس عما يضمره جانب من الفرنسيين من حقد واحتقار نحو العرب وخاصة العملة المهاجرين أصيلى شمال افريقيا . فقد جاء فى كلامه بالحرف الواحد : " لقد تم اغتيال السيد " دى بروى " بآعتباره شريكا فى مسؤولية احتلال بلادنا من قبل اللصوص
الأفارقة وبالفعل فان أعداءنا الحقيقيين هم مواطنونا الاوروبيون المنحلون أكثر من الفائض البشرى الذى يبتلعنا . . . إن القوى الحية فى وطننا الاوروبى ستناضل أكثر فأكثر ضد غزو هذا العالم الثالث الذى لا يندمج والذى كان الغزو الالمانى فكاهة بالنسبة اليه " . ويقدم نادى " شارل مارتيل " نفسه كمنظمة قومية متطرفة تريد الكفاح " لحماية فرنسا الفرنسية من كارثة الغزو الجزائرى " ، و " تقاوم الاجانب الذين يأتون ليسلبوا الفرنسيين شغلهم . فليس هناك من وسيلة غير العنف !.."
ولا ينتظر بعض العنصريين أحداثا خاصة لاستغلالها كما سبق ذكره ، والتصعيد عما يعتمل فى أحشائهم من نوازع الحقد والكراهية ، بل يعبرون أحيانا بكل وقاحة عن حقيقة احساساتهم نحو العرب المسلمين ، مثل ما يفعل " جيرار دى فيلى " Gerard de Villiers الذى كتبت عنه المجلة الفرنسية " بارى ماتش " (1 ) مقالا جاء فيه : " إنه لا يجارى فى العنصرية . فهو ليس من أولئك الذين يقولون : " لست عنصريا ولكن . . . " . . إنه يجاهر بعنصريته متوخيا فى ذلك أقصى حدود الاستفزاز إذ صرح منذ ثلاث سنوات لأحد الصحفيين اليساريين : " هناك أجناس سفل وأجناس عليا " . وعندما نقرأه ندرك بسرعة أن للشر فى نظره ألوانا ، إنه أسود ، أصفر ، وأحمر بالمناسبة . أما الأبيض فانه بالنسبة إليه لون البراءة . بيد أنه يحتقر العرب أكثر من سواهم إذ يقول : " إنى أضعهم فى أسفل السلم ، مباشرة بعد الكلاب ! " فهم فى نظره " مكثف العيوب البشرية "un concentre des defauts humains .
والملاحظ أنه أمام حملة الاستنكار التى شنتها بعض الصحف اليسارية ضد هذه التصريحات ، وبعد أن اتخذت الحكومة التونسية قرارا بايقاف بيع المجلة المذكورة ، نشر بها هذا الكاتب العنصرى توضيحا يدل على النفاق والمراوغة ، جاء فيه قوله : " هناك استشهادان بخصوص العرب يمكن أن يدخلا فى روع قرائكم أننى تفوهت شخصيا بتلك العبارات . إنى أنكر مثل هذا التقديم لأفكارى . فالاستشهادان مأخوذان من أقوال بعض شخصيات رواياتى الذين لا أشاطر آراءهم بالضرورة " .
ورب عذر أقبح من ذنب ! ولئن آندرجت هذه الكتابات وتلك المواقف فى سياق تاريخى واجتماعى وعقائدى معين ، فعبرت عن مخلفات الحروب الصليبية ونطقت بمنطق القوم
الذين أشاد بعض علمائهم وسياسيهم فى القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين خاصة يتفوق الجنس الآرى على الجنس السامى وخصب الحضارة اليونانية المسيحية فى اوروبا الغربية ، وعقم ما سواها من الحضارات وخاصة الحضارة العربية الاسلامية ، فانه يسوؤنا ان نلاحظ ان بعض الكتاب الشبان المنتسبين الى النزعة اليسارية ، الحاملين لألوية التقدمية والمناوئين للاستعمار والإمبريالية يقعون من حيث لا يشعرون فى مهاوى العنصرية ومغبة إثارة البغضاء بين الأجناس .
إن آخر ما طالعت رواية طويلة ( 426 صفحة من الحجم المتوسط ) للكاتب الفرنسى اليسارى " جان فرنسوا بيزو " بعنوان " المسقطون " ( 1 ) نشرت فى أواخر عام 1976 ، وهى تصور مغامرات طالب فرنسى ، جنسيا وعقائديا وسياسيا واجتماعيا وتنتهى به الى الفشل وخيبة الامل والانكسار واجترار الاوهام بعد أن شارك مشاركة فعالة فى أحداث 1968 الطالبية و " ناضل " مع رفاق له لبناء مجتمع جديد وعاش تجارب نفسانية شتى فى فرنسا والولايات المتحدة خاصة .
والذى يهمنا فى هذا المقام هو أنه فى تصويره لنماذج بشرية عديدة خص طالبا جزائريا بصفحات ثلاث من قصته ألصق به فيها من صفات العنف الجنسى والخبل ونزعة الغزو والسطو ، ما من شأنه أن يورث فى نفسية قرائه - حتى الشبان والتقدمين منهم - مركب الاحتقار إزاء هذا الشباب الجزائرى ، والشمال الافريقى والعربى عامة ، الذى تنحصر شمائله فى قوته البدنية وقدرته على إشفاء غليله الجنسى ، أما عواطفه الانسانية ، وشخصيته الثقافية وبصماته الحضارية فلا شئ يذكر منها ! وأما مشاعره الوطنية فهى مقصورة على الحقد والغل وإرادة التشفى من الغرب بالكف عن تزويده بالبترول وهى المادة الاستراتيجية التى تحسس لها العالم المتقدم فى السنين الاخيرة وتصدى لمقاومة البلاد المنتجة لها الحريصة على حسن استغلالها للخروج من التخلف وبناء نهضتها ، وذلك بكل الوسائل وفى مقدمتها الحملات الصحفية المغرضة التى تزيد من حدة الانفعال والتعصب فى مستوى الجماهير .
ولعله من المناسب أن ننقل هذه الملامح التى تصف العربى الوحيد الذى ورد ذكره فى هذه القصة الطويلة ، حتى ندلل على ما ذهبنا اليه ونستخلص منه العبرة .
" لم يكن " هوق " ، دائما على وفاق ولكن " جان بيار " كان يقتسم شقة كبيرة متصدعة مع " لندرى " وهو طالب سينغالى ممنوح يدرس علم الاجتماع
والاثنولوجيا ومع جزائرى ثورى فارع القامة هو " ابوست مرات " الذى كان أول من دفع " هوق " لملاقاة كارل ماركس .
سمى " ابوست مرات " لان سريره كان يحدث صريرا . كان هذا الصرير يستحق التعريج . فى مدينة " قرينويل " كان " جان بيار " و " لندرى " و " هوق " ينظمون ضربا من السهرات السارة يشربون خلالها للتخفيف مما يشعرون به من مرارة . كانوا جالسين قبالة الحائط الحاجز . وبجوارهم كان " ابوست " يجامع .
كان ذلك يبدأ بأنين ، صوت امراة مضروبة تئن بلا أمل وخلال خمس عشرة من الدقائق التى لا تحتمل كان السرير يأخذ ايقاعه فى اهتزاز . وكان الجماعة ينتظرون والعرق يتصبب منهم نهاية هذه العاصفة المعدنية وتتناول " جان بيار " جرعة من الخمر بتقزز الصفراوى ثم يمسح فاه . كان " لندرى " يضحك و " هوق " لا يخفى حسده وغبطته . يا لــ " ابوست " المخبول هذا ! كانوا يتصورونه صاعدا نازلا من طرف حبله الغليظ ، كقواس كنيسة جننه الناقوس . كانت غرفته تصلصل والسرير يقرع أرضية الغرفة ، ثم يعان طنين قوى نهاية القربان .
كانوا منهوكى القوى . و " أبوست " يعيد الكرة . كان هذا البربرى يحمل لحية شيخ وكان يغزو النساء البيض . كان يسطو عليهن فى الظلام دون أن ينتبه اليه أحد ، وتتلاحق النساء فى معسكره الحذر .
كان " أبوست " يعزف على أوتار ثلاثة : يدرس العلوم السياسية بالكلية ، ويعلم الحروف الهجائية للعملة المهاجرين ، كما يعلم حفيدات " جول فيرى " كيف يصرخن كالاميين . وللاحتفاظ باللياقة البدنية ، يقوم أيام الاحد بتدريبات على العدو . كان " أبوست " لا يختلط بالفرنسيين فقد كان سيدا. انه لا يحتقر اولائك الذين غلبهم شعبه وتصرخ نساؤهم تحته ولكنه لن يتزوج امرأة من الشمال ، فهى تفتقر إلى الحرارة ثم ان ذلك لا يتلاءم مع الاشتراكية العلمية .
ماذا يصنع موبوءان حين يلتقيان فى مدينة صغيرة . انهما يخلعان القناع ويتصافحان بغبطة . وهكذا أصبح " هوق " بسرعة الصديق الفرنسى لـــ " أبوست " . واكتشف فيه " هوق " الاجنبى ، الاجنبى الحقيقى ، ذلك الذى لا يشاطرك جلدك ولا ربك ولا نظرك .
. . . كان " أبوست " صارها : " ينبغى أن نكف عنكم البترول انى أفضل أن أحفر الأرض بالمعول على أن أبيع بثمن بخس ، المورد الوحيد الذى بامكانه تمويل اقلاعنا " قال " لندرى " : " هل تتصور ؟ ان غينيا تستورد قدور الالومنيوم ! " .
. . . " لندرى " ينتفض قائلا : " هل قرأت " فانون " Fanon " ؟ ان التقاء الحضارات ليس الا من دجل الاستعمار الجديد . انكم انتم الذين ألبستم نساءنا رافعات الصدر " .
٠٠٠ كان " هوق " يكتشف بالتذاذ مر ، مازوشية الابيض المعقد . نعم ، لقد اكتشف العرب الصفر ، نعم ، كان الزنوج يعرفون النفخ فى آلة السكسو ، نعم كانوا يعرفون اصوات الريح ، نعم كانوا يحسنون فتح أذهانهم ، نعم لقد فقدنا الطاقة السائبة ، الحرية السائبة ، الكبرياء السائبة . لقد ولد " هوق " فى مطمور عطن لجنس متعب : كان رأسا بلا جسم موصلا بآلات تقتحم القارات .
كان " أبوست " يتشنج كل مرة : " اسمع ! كفى اختصاصا فى الزنوجة ، كفى زنوجة ، كفى غناء زنجيا ! عندما تكون التقاليد رجعية ، نلقى بها جانيا ! " .
كان " لندرى " على وشك أن يفترس ابن الشيخ " اسكت " أبوست " ! أنت أيضا من فصيلة الجائرين ! ".
ولعله من الجدير بالملاحظة أنه الى جانب فصيلة العرب " الجائرين " يوشك " لندرى " السنغالى افتراس ابن الشيخ فتتجدد بذلك الصور التى ورثها بعضهم عن أمهاتهم وآبائهم منذ نعومة أظفارهم حول افتراس الافارقة السود للبشر !
وإنما توسعنا فى الحديث عن هذه القصة لأننا كنا ننتظر من الأدباء الشبان والثوريين أن يتخلصوا من مركباتهم الموروثة ويعملوا بالقلم واللسان على استئصال جذور العنصرية سعيا الى بناء عالم أفضل يكتشف فيه البشر انهم إخوة بعضهم لبعض بالرغم مما يفرق بينهم فى الجنس والثقافة والحضارة . . . لأننا لا نزال نؤمن بوحدة المصير الانسانى ونسعى الى تنشئة الأجيال الصاعدة على المحبة والوئام والتسامح ، وهو عمل لن يكتب له النجاح الا اذا اعتمد على مخططات تربوية وثقافية واعلامية تؤمن بها كل الشعوب وتضعها كل الحكومات والحركات الشعبية موضع التنفيذ .
وتبقى مسؤولية المثقفين فى مستوى الرؤية والنقد والتنبيه والتحليل والتعبير عظيمة وتاريخية . وسنواصل هذا النضال من أجل الانسان لاننا بقدر ما نؤمن بشخصيتنا القومية ونعمل من أجل إشعاع قيمها الخالدة ، نتمسك بانسانيتنا ونؤمن بتضامن البشر فى كرامتهم وتعاونهم السليم حاضرا ومستقبلا .

