الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

حجة الوداع

Share

تسطع شمس السنة العاشرة الهجرية على الكون وقد أعز الله الاسلام وأزال دولة الشرك والاصنام ونصر نبيه الكريم وخذل اعداءه ودخل الناس فى دين الله أفواجا ، وأشرق نور الايمان وهاجا والأذان يدوي فى جبال مكة وبطحائها ، وقد جاء الحق وزهق الباطل ، والوفود العربية ترد المدينة تتلقى القرآن من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتستجلى محياه الوسيم ، والوحى يقطر سلسلا من رب العاملين مسفرا عن صبح اليقين ، وبشائر الغزاة الفاتحين تنشر ، وأصنام الشرك فى الجزيرة تهدم واعلام التوحيد تخفق ، لقد اكمل الله الدين وأتم النعمة ورضى الاسلام دينا لعباده هؤلاء رسل نبى الله عليه الصلاة والسلام تنادى فى الاحياء والعشائر ، ألا إن الرسول يريد الحج فى هذا العام فمن اراد أن يحج معه فليتهيأ وليأت المدينة ، فيجتمع بشر كثير تموج بهم المدينة يقصدون كلهم الحج مع المشرع الاعظم ليتأسوا بافعاله ويهتدوا بمناسكه هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم راكبا ناقته القصواء قد أهل من ذى الحليفة يلبى صاعدا شرف البيداء والمسلمون محرمون ملبون بين يديه ومن ورائه وعن يمينه وشماله لا يحصيهم قلم كاتب تزهو بهم الصحراء ويموج بتلبيتهم الفضاء وجبريل رواح وغداء ينزل بالنور المبين . على خاتم النبيين .

لله در ركائب سارت بهم تطوى القفار الشاسعات الى الدجى

قصدوا الى البيت العتيق وقد شجا قلب المتيم منهم ما قد شجا

نزلوا بباب لا يخيب نزيله وقلوبهم بين المخافة والرجا

هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف صحابة لأفضل نبي ، لم يشهد التاريخ البشري صحبة أتقى ولا أنقى ولا أصدق ولا أحق من صحبة هؤلاء الابطال الاوفياء

رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ؛ هم أكثر من مائة الف حاج ؛ تسيل بهم البطاح والفجاج يتبعون خطى الرسول فى عبادته ونسكه وينقلون سنته وينشرون شريعته لا معارض منهم ولا مرتاب ، والرسول بين ظهرانيهم والوحى ينزل عليه وهو يقول " خذوا عنى مناسككم " وهم ينقلون منه دروس الحياة ليخوضوا غمارها على ضوء الحقيقة واليقين والاسلام . هذه البدن تساق مشعرة مقلدة مسخرة تهدى لرب البيت العتيق . منها مائة بدنة لرسول الله هى من شعائر الله لنا فيها خير ، " ومن يعظم شعائر الله فأنها من تقوى القلوب " والناس بمكة ينتظرون قدوم النبى ليحجوا معه والحرم الامين يزهو طربا باجتلاء طلعة الداعي البشير ، يزداد الشجون ويهتز تيها الحجون ، وتشرق ثنية كداء وتدوى جبال مكة بالتهليل والتلبية والتكبير واذا الرسول راكب يلبى معه أصحابه .

على الطائر الميمون يا خير قادم واهلا وسهلا بالعلا و المكارم

ويدخل الحرم الشريف الرسول عليه السلام مكبرا فيقول عند رؤية البيت " اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة وبرا " ويطوف ويستلم الحجر ويصلى ويشرب من ماء زمزم ويسعى بين الصفا والمروة

هذه مكة تزهو طربا بسنا الداعى الى الحق المبين

شع فى بطحائها نور الهدى فسمت ترفل فى مجد مكين

وسر فى الكون اسرار العلا تنشر الحكمة عن اشرف دين

وغدا الظلم صريعا مدبرا عندما أشرق عدل الفاتحين

فانظر الكعبة كم زادت به شرفا يزرى بكيد العابثين

واشهد المشعر إذ عاج به يسأل الله بعزم لا يلين

وسل القرآن كم قام به فى دجى الليل لرب العالمين

وسل المحراب عنه ساجدا فى حصى يغبطه الدر الثمين

وسل المعراج عنه راقيا فوق هام المجد مقطوع القرين

هذا يوم التروية قد عبق نفحه وبرق صبحه والروايا تملأ ماء للرحيل ، والحاج يتهيؤن للمسير الى منى ، والرواحل ترحل والنبى صلى الله عليه وسلم قد ركب فى الضحوة الكبرى قاصدا منى ملبيا فينزل بخفها ويصلى هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم يبيت فيصلى الفجر ويسير مع اصحابه - ضاجين لله تعالى - الى نمرة حيث ضربت قبته فيقيل هناك ويسير عند الزوال الى مصلى نمرة فيخطب خطبتين يبين فيهما المناسك ويشرح اصول الدين ويقرر عقائد التوحيد الصحيح ويهدم قواعد الجاهلية ويحث على مكارم الاخلاق فتوجل القلوب وتذرف العيون ويدوي الفضاء بالتلبية لله عز وجل فينادى المؤذن للصلاة ويصلي الرسول بأصحابه الظهر والعصر مجموعتين مقصورتين ثم يسير الى وسط عرفات فيقف فى سفح جبل الرحمة : "إلال" حيث الصخرات الكبار مستقبلا القبلة ملبيا داعيا مستغفرا ومعه المسلمون ملبون فيباهي الله تعالى بهم الملائكة يقول : " عبادي جاؤونى شعثا غبرا من كل فج عميق يرجون رحمتي فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر لغفرتها أفيضوا عبادى مغفورا لكم ولمن شفعتم له " ويقول تعالى للملائكة " ما يريد هؤلاء منى ؟ فيقولون يا ربنا أنت اعلم يطلبون مغفرفتك وجنتك فيقول : " فهل رأوها ؟ " فيقولون : لا فيقول : " كيف لو رأوها ؟ " فيقولون : " لو رأوها لكانوا لها اشد اشتياقا ورغبة فيقولون :" ويستعيذون بك من النار " فيقول تعالى:"هل رأوها ؟ " فيقولون : لا ياربنا فيقول : " فكيف لو رأوها ؟ فيقولون : لو رأوها لكانوا أشد استعاذة وخوفا فيقول عز وجل": اشهدوا أننى قد غفرت لهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم أفيضوا مغفورا لكم " فهناك تسكب العبرات وتقال العثرات وتفاض الرحمات ويتجلى الله على العباد وتفتح ابواب السماء ويستجاب الدعاء وتضج الاصوات بمختلف الامانى واللغات وإذا الروح الامين يتنزل بالتحفة العظمى والنعمة الكبرى على سيد من حج ولبى واعتمر وطاف بالبيت العتيق وقبل الحجر ( اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى

ورضيت لكم الاسلام دينا ) يزيد الايمان ويسود الاطمئنان وتذوق الارواح حلاوة الرضا وتسكن ببرد الصدق والاخلاص وتغرب الشمس فيدفع النبى صلى الله عليه وسلم  وبفيض الناس والرسول جاذب زمام راحلته حتى إنه ليكاد يمن رأسها مورك الرحل وإذا وجد فرجة نص ، فلما سمع ضجيجا وراءه وضربا للابل استنصت الناس ثم قال : " أيها الناس إربعوا على انفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون . سميعا بصيرا "

فكم خاضع كم خاشع متذلل وكم سائل مدت الى الله كفاه

وكم حامد كم ذاكر ومسبح وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه

ورب دعانا ناظرا لخضوعنا خبير عليم بالذى قد اردناه

ولما رأى تلك الدموع التى جرت وطول خشوع فى خضوع خضعناه

تجلى علينا بالمثاب وبالرضا وباهى بنا الاملاك حين وقفناه

وقال : انظروا اشعثا وغبرا جسومهم وقد وفدوا والكل يطلب مولاه

وقد هجروا اوطانهم وتراثهم واولادهم والكل يرفع شكواه

ألا فاشهدوا إنى غفرت ذنوبهم ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه

فيا صاحبى من مثلنا فى مقامنا ومن ذا الذى قد نال ما نحن نلناه

على عرفات قد وقفنا بموقف به الذنب المغفور وفيه محوناه

وقد أقبل الباري علينا بوجهه وقال ابشروا فالعفو فيكم نشرناه

علي الجزا من المثوبة والرضا ثوابكمو يزم الجزا أتولاه

فطيبوا سرورا وافرحوا وتباشروا وتيهوا فهذا بابنا قد فتحناه

ويصل الرسول للزدلفة فيصلي المغرب والعشاء مجموعتين جمع تأخير ثم يلتقط الحجارة ويبيت بها داعيا ملبيا ويصلى الفجر ثم يقف بالمشعر الحرام ملبيا مكبرا شاكرا لله تعالى على هدايته وتوفيقه ؛ ويدفع عند الاسفار قبل طلوع الشمس مخالفا . للعرب فى الجاهلية فقد كانوا لا يدفعون الاعند الشروق قائلين : " أشرق ثبير كيما نغير " .

عارضا بى ركب الحجاز أسائله متى  عهده بأكناف جمع

واذكرا لي حديث من سكن الجزع ولا تكتباه الا بدمعى

فاتنى أن ارى الديار بطرفى فلعلى أرى الديار بسمعى

ويصل صلى الله عليه وسلم وادي محسر فيسرع محركا دابته ثم يأتى وسط منى سالكا بطن  الوادى حتى يقف مستقبلا الجمرة الكبرى فيرميها بسبع حصيات مكبرا فذاك مقام من انزلت عليه سورة البقرة ؛ ثم يأتى وسط منى فينحر البدن وهى مائة بدنة فينحر ثلاثا وستين بيده الشريفة وهي قائمة متوجهة نحو القبلة ، وفى اقتصاره على نحر العدد إثارة الى عمره الشريف ؛ ويوكل على بن الى طالب رضى الله عنه فينحر باقيهن وفيه دلالة على جواز التوكيل فى نحر الهدايا ثم يحلق رأسه الشريف فيقسم شعر نصف رأسه بين اصحابه ، ويعطى أبا طلحة شعر النصف الآخر ، ويذهب بعد الى مكة فيطوف طواف الافاضة ويعود الى منى وقد قضى جل مناسكه ، ويبقى بمنى بكبر دبر الصلوات ، ويرمى فى ايام التشريق بعد الزوال الجمرات ، ويخطب فى اليوم الثاني ، فيبين للناس ما يستقبلون من المناسك وييسر عليهم الامر ، فيقول لسائله : ( افعل ولا حرج ) . وتتم الأيام المعدودات فى ذكر ، وشهود منافع . . مجالي عبادة ، ومواقف سعادة . ويودع الرسول أصحابه فيقول : لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا ) فتسمى " حجة الوداع " مكة - باب السلام

اشترك في نشرتنا البريدية