الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

حديث، الكتب, عمرو بن قميئة، الشاعر، الجاهلي، الخالد

Share

-١-

من من منا لا يذكر قول أمير الشعر العربى القديم ، امرئ القيس :

بكى صاحب لما رأى الدرب دونه

وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له : لا تبك عينك انما

نحاول ملكا او نموت فنعذرا

لا أزال كلما تذكرت هذين البيتين ، تنهل عيني بالدموع ، كأنى أنا صاحب تلك الرحلة الفاشلة ، او عمرو بن قميئة صديق امرئ القيس فى رحلته الغريبة هذه .

وكان لقيصر أمبراطور الروم آنذاك نفوذه فى أرض الشام على حدود جزيرة

العرب ، وكان هذا النفوذ داعيا لبعض العرب في خصوماتهم القبلية الى الاستعانة به فى ترجيح كفة على كفة ، وقوم على قوم .

وكذلك فعل امرؤ القيس فقد حاول الاستعانة بقيصر لاعادة ملك بيته بنى كندة اليمانية ، وكان جده الحارث آكل المرار قد أقام لنفسه ملكا على قبائل نجد نحو عام ٤٨٠ م أى قبل ميلاد الرسول بنحو قرنين من الزمان ، ولم يستطع آباء امرئ القيس المحافظة على هذا الملك فضاع ، وقتل بنو اسد اباه (( حجرا )) .

وكان جوستنيان قصير الروم ينتهز مثل هذه الخلافات ليحرك باصابعه فريقا من العرب يستعين بهم على القضاء على نفوذ الفرس القديم في أطراف الجزيرة العربية

من ناحية امارة الحيرة . ودعا جوستنيان فى بعض الروايات امرأ القيس الى القسطنطينية ليدبر أمر اعادة ملك آبائه اليه ، ورحل امرؤ القيس واصطحب معه في رحلته هذه صديقه الشاعر المعمر الحكيم عمرو بن قميئة .

ويذهب بعض الباحثين الى ان الذى قام بهذه الرحلة هو فيس بن سلمة ابن عم أمرىء القيس .

ومهما يكن من أمر فان الذى يعنينا هنا هو عمرو بن قميئة ، الصديق الحميم لامرئ القيس ، وصاحبه في رحلته الطموح هذه .

-٢-

وابن قميئة والده سعد بن مالك من بكر من ربيعة من تزار بن معد بن عدنان .

وكان قومه ينزلون في اليمامة والبحرين ، حتى أرض الجزيرة عند الفرات ، ولذلك سميت هذه المنطقة ديار بكر .

وقوم شاعرنا عمرو ، اكثر العرب شاعرية وشعراء ، فمنهم : المهلهل ( ٥٣١ م ) خال أمرئ القيس ( المتوفي عام ٥٦٠ م ) ، والمرقشان : الاصغر والاكبر ، والاكبر عم الاصغر ، والاصغر عم طرفة ، ومنهم الاعشى والحارث بن حلزة ، وطرفة ، والمتلمس خال طرفة ، والمسيب بن علس ، وسواهم من أعلام الشعراء الجاهليين .

ولابن قميئة عمه اسمه مرثد بن سعد ابن مالك .

وعمر عمرو حتى تجاوز التسعين من عمره .

وقد شهد الاحداث الكبيرة في الجزيرة

العربية التى كانت تدور فيها قبل الاسلام ، وطبعته هذه الاحداث بطابع الحكمة والخبرة والتجربة ورزانة العقل ، وحصافة الرأى .

وكان يشتهر مع ذلك بحماله وحسن خلقته حتى كان الناس يخالونه لروعة صورته أميرا مترفا من الامراء المنعمين .

-٣-

وما اكثر ما حدث في حياة ابن قميئة من أحداث ، حتى ليروى أن امرأة عمه مرثد دعته ، وأرادت ان تبثه فرط هيامها به . فقال لها :

لقد جئت بأمر عظيم وما كان مثلى ليدعى لمثل هذا والله لو لم أمتنع من ذلك وفاء لعمى لامتنعن منه خوف الدناءة والذكر القبيح .

وخرج مغاضبا لامرأة عمه ، التى قدمت ما شاءت أن تقدم من وشايات عن زوجها مرثد ضد ابن اخيه ، فخرج ابن قميئة الشاب مهاجرا الى الحيرة يمدح ملكها النعمان .

ومرت الايام . .

وخرج ابن قميئة مرة اخرى الى أرضي قيصر مع صديق شبابه ورجولته امرئ القيس .

وانتهت الرحلة بمقتل امرئ القيس بالقرب من أبواب القسطنطينية ، وبضياع أخبار صديقه عمرو بن قميئة ، فلم نعد نسمع عنه شيئا ، والظاهر انه مات آنئذ وذلك نحو عام ٥٣٠ م . فى بلاد قيصر .

وضاعت آمالهما معا . .

وذهبت حياة شاعرين كبيرين من الشعراء العرب الجاهليين الخالدين . .

-٤-

وفي حياة ابن قميئة حدث آخر هو طلاقه لزوجته سليمى ، وما قاله فى ذلك من شعر حزين مؤثر .

ومما فقاله فى هذه المأساة من شعر :

يا ابنة الخير انما نحن رهن

الصروف الايام بعد الليالى

عبس الدهر وانحنى لى ، وقديما

كان ينحى القوى على أمثالى

اقصدتنى سهامه اذ رأتنى

وتولت عنى سليمى ، فيالى

لا عجيب فيما رأيت ، ولكن

عجب من تفرط الآجال

ويروى ابو الفرج في كتابه (( الاغانى )) ( ١٥٨:١٦ - طبعة الساسى ) ان ابن قميئة أول من قال الشعر من نزار .

ويذكر للرزبانى في كتابه (( معجم الشعراء )) ص ٢٠١ طبعة القدس - أنه أول من قال الشعر وقصد القصائد .

والمعروف أن المهلهل هو صاحب هذه المأثرة البيانية الجليلة ، وأنه أول من نقل الشعر من ظور الاراجين والمقطعات الصغيرة الى مرحلة القصيد ، فهو أول من قصد القصائد ، وافتتحها بالنسيب ، وأول من هلهل نسج الشعر أى هذبه ورقعه ، وشعره من أعلى طبقات شعر المتقدين كما يقول ابن نباتة ، وهو من شعراء نجد المتهدين .

-٥-

ولندع ذلك كله الى ديوان ابن قميئة ،

الذى يعنينا فى هذا المقام ، والذى من أجله سقنا هذا الحديث .

وبين يدى الآن هذه الطبعة الجليلة لديوان عمرو بن قميئة التى صدرت فى نحو خمسمائة صفحة عام ١٣٨٥ ه / ١٩٦٥ م ، فى عدد مستقل من اعداد مجلة معهد المخطوطات العربية التابع الجامعة الدول العربية ، والذى يتولى رياسته اديب عربى كبير هو الدكتور مختار الوكيل أحد المؤسسين القدامى لجماعة أبولو الشعرية ، وصاحب كتاب (( من رواد الشعر الحديث فى مصر )) ، وصاحب عدة دواوين بعضها مطبوع .

وديوان ابن قميئة بتحقيق الشاعر الاديب المصرى الكبير حسن كامل الصيرفى أحد الاعضاء القدامى المؤسسين كذلك لجماعة ابلو ، وقد عرفناه من قبل في تحقيقه لديوان البحترى الذى صدر عن دار المعارف المصرية .

وقد حقق الشاعر الصيرفي ديوان ابن قميئة عن مخطوطته الوحيدة المحفوظة في مكتبة الفاتح بالقسطنطينية ، ورقمها ٥٣٠٣ ، وتقع في اثنتى عشرة ورقة .

ويقع هذا الديوان فى نحو الخمسمائة صفحة الا قليلا ، فهو يحتوى على مقدمة للشاعر الصيرفي في ٦٤ صفحة ، وتشتمل على دراسات واسعة عن الشاعر والديوان .

ويلى ذلك قصائد الديوان بشروح واسعة ، وتقع في ١٢٠ صفحة ، ثم يورد الصيرفى بعد ذلك ، الشعر الذى ينسب لابن قميئة مما لم يرد في مخطوطة الديوان ، بشروح طويلة مستفيضة كذلك . ويقع وهذا القسم فى نحو ٢٥ صفحة .

وبعد ذلك يذكر الفهارس العامة للديوان ، وتقع فى ٢١٦ صفحة وتشتمل على ما يلى :

فهرس للقصائد فهرس للمقطوعات المنسوبة للشاعر فهرس للآيات القرآنية

فهرس للاحاديث النبوية فهرس للامثال فهرس لابيات الشواهد فهرس لأنصاف الابيات فهرس للأرجاز

فهرس للاعلام فهرس للقبائل فهرس للبلدان فهرس للحيوان فهرس للنبات

فهرس للوقائع والايام فهرس معجم الشاعر فهرس المعارف العامة فهرس المراجع

وهو عمل علمي رائع حقا ، ولا نملك الا التنويه به ، والثناء على جهد المحقق الجليل الاستاذ حسن الصيرفي فيه .

- ٥ -

ونحن نذكر ان (( لايل )) المستشرق الانكليزى طبع عام ١٩١٩ ديوان ابن قميئة في كمبردج ، كما نشر كذلك ديوان عامر بن الطفيل .

ولكن فرق كبير بين ما صنعه (( لايل )) فى الديوان ، وصنيع محققنا العربى الكبير الصيرفى فيه .

فالصيرفى يملك كل وسائل البحث العلمي

من الملكة والموهبة والذوق الشعرى والاطلاع الواسع والاحاطة الكثيرة بالمراجع

ولا شك أن هذا الديوان جدير حقا بالاهتمام والتقدير والاكبار .

ولا نملك الا أن نوجه ثناءنا وحمدنا الى : الشاعر الصيرفى محقق الديوان

ومعهد المخطوطات العربية الذى خص هذا الديوان بالصدور في عدد كامل من اعداد مجلته المشهورة

والدكتور مختار الوكيل الذي تبنى اخراج الديوان .

( الرياض )

اشترك في نشرتنا البريدية