بقلم : رئيس التحرير
إذا طرق سمع القارئ أو طرأ على نظره او فكره اليوم ذكر الوظائف والموظفين انصرف ذهنه الى وظائف الدولة وموظفيها فحسب، سواء اكانت هذه الوظائف صغيرة أم متوسطة أم عالية ، وسواء أكان اولئك الموظفون صغارا أم متوسطين أم كبارا ، وسواء أكان موضوع الوظائف اداريا ام اجتماعيا ام دينيا أم سياسيا ام ادبيا أم اقتصاديا أم كتابيا أم غير ذلك . وواقع الحياة يقول لنا ان الوظيفة بمعناها الشامل الدقيق لا تقتصر على الوظائف الحكومية ، وحدها ، وان الموظفين ليسوا بمنحصرين في موظفي الدولة وحدهم ، وان كان الجانب الأغلب فى اعراف الناس واصطلاحاتهم ان الوظائف هي الحكومية ، والموظفين هم الحكوميون.
وسنضرب لك أمثالا وتقدم لك شواهد على ما قلناه..
فأنت تجد لدينا ولدى امم العالم قديما وحديثا ، شركات خاصة وشركات عامة ، وتجد مصانع ومعامل تعود لأفراد ولجماعات مساهمين ، وتجد معارض ، ودكاكين يدير
شؤون ايراداتها ومصروفاتها أفراد وجماعات وتجد مدارس وجامعات ومعاهد أهلية ومعامل تديرها أفراد وجماعات من من الموظفين الاهليين ، ما بين كاتب ومدير ومراقب ومحاسب ومدرس ومهندس وغير ذلك ، وهذه الاعمال التى تدار من قبل من ذكرناهم آنفا هي فى حقيقة امرها وظائف ، لان مفهوم الوظيفة الأشمل هو التزام المرء أو الجماعة بعمل حيوى يتقاضى أو يتقاضون من ورائه ما يفيدهم في المعيشة والمكانة ، ويفيد البلاد في الخدمات والازدهار ، وكل من يقوم بشئ من هذا القبيل هو موظف لانه قائم على ادارته واجرائه.
خصائص الوظائف
وقد فصل لنا علماء الادارة والسياسة والاجتماع الوان الوظائف ، ما كان منها حكوميا ، وما كان أهليا ووطنيا . . وعرفوا لنا مواضع الاستقامة والنجاح فيها ، وأوضحوا لنا كذلك مواطن الخلل والزلل فيها ، وكان هدفهم من وراء ذلك تبصير الموظفين أنفسهم بما يستوجب نهوضهم فيلتزمون به سواء أكانوا حكوميين أم أهليين ، وتعريفهم بمواطن الزلل ، ليتجنبوها على السواء ، وبذلك تسير دفة الحياة الخاصة والعامة على منوال مستقيم متطلع الى الامام . . سليم من الآفات والعاهات .
رسالة قيمة للموظفين
ولعل أجمع رسالة وأحفلها بالخطط النيرة الرامية لارشاد الموظف أيا كان ، الى المثالية المنشودة هي رسالة عبد الحميد الكاتب
الى اخوانه الكتاب . . ففيها تخطيط شامل للتراتيب الفكرية والخلقية والادارية اللازم توافرها في هذه الطبقة الهامة من الناس . ان تخطيط رسالة عبد الحميد لا يقتصر على فئة معينة هى الكتاب ، النافذو الكلمة في عصره وحدهم بل انه يشمل من عداهم من رجال الدولة ورجال الامة الموظفين بهما فى مختلف شؤونها الخاصة والعامة بدون استثناء وبدون تخصيص . . نقول هذا وان كنا ندرك بدهيا ان عبد الحميد انما وجه رسالته الى فئة الكتاب وحدهم . . وذلك لاننا نلاحظ من ثنايا مفاهيمها العامة ، وأهدافها الشاملة انها فى واقعها الفضفاض تشمل من عداهم أيضا كما هو واضح وملموس
يقول عبد الحميد لفئة الكتاب:
"وارفعوا بانفسكم عن المطامع سنيها ودنيها ، وسفساف الامور ومحاقرها فانها مذلة للرقاب، مفسدة للكتاب "
ويصح ان نعطف على ذلك بانها مفسدة لغير الكتاب ايضا من جميع أصناف الموظفين بدون تمييز ولا تخصيص..
ويقول:
وللأمور أشباه ، وبعضها دليل على بعض ، فاستدلوا على مؤتنف (١ ) اعمالكم بما سبقت اليه تجربتكم ، ثم اسلكوا من مسالك التدبير ، اوضحها محجة ، واصدقها حجة ، وأحمدها عاقبة".
ان هذه العبارات الرائعة هى تخطيط سليم شامل لمسالك الوظيفة الناجحة أية
وظيفة كانت ، ورسم لمهابع الموظف الناجح فى وظيفته.
ويقول:
"ولا يقول احد منكم انه ابصر بالامور واحمل لعبء التدبير من مرافقه فى صناعته ، ومصاحبه فى خدمته ، فان اعقل الرجلين عند ذوى الألباب من رمى بالعجب وراء ظهره ، ورأى أن أصحابه اعقل منه واجمل في طريقته " .
وهذا قانون خلقي واداري رفيع شامل لسائر الموظفين ، من جميع الفئات ، واذا التزم به الموظف أو الموظفون وطبقوه بحكمة وروية واتزان فان مآلهم هو النجاح المحقق ومآل وظائفهم النهوض والسلامة من آفات النكسات وجراثيم القلق وتحمل التبعات.
ويقول في ختام رسالته الخالدة:
"وانا اقول فى كتابي هذا ما سبق به المثل :(من تلزمه النصيحة يلزمه العمل ) وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل ، فلذلك جعلته آخره وتممته به"
فلسفة ادارية جوهرية لامعة قوله: من تلزمه النصحية يلزمه العمل ، وهي أحسن ما فى كتابه بعد ذكر الله عز وجل كما قال بنفسه ، ففيها حفز مؤكد للموظف على أن لا يتكاسل فى عمله وأن يقوم به فى احتفال وعناية بالغة واهتمام وأن يدقق في كل ما يوقع عليه أو يأمر به أو ينفذه من تعاليم وظيفته وأعمالها
المنوطة به فان اسناد أعمال الوظيفة التى يشغلها اليه هو بحد ذاته ملزم له الى جانب أن يكون ناصحا فيها ، اداء أعمالها ماجل منها ومادق على خير منوال ، لانها أمانة في عنقه ، أوكل اليه أمرها من ذويها . . واداء الامانة الى أهلها واجب . . واداء أمانة الوظيفة مزدوج . . والشطر الاول من أدائها هو النصيحة لله ورسوله والمؤمنين والمواطنين فيما يقوم به الموظف ويزاوله من العمل فلا يغش ولا يغل ولا يستغل ولا يسلك سبلا غير مرضية ، ولا يهادن ولا يداهن ولا يشمخ بأنفه ولا يستعلي على الناس بل يجاملهم ويلاطفهم ويساعدهم فى صالح أمورهم ويجعل نفسه خادما أمينا لهم لان كرسي الوظيفة مهما استقر فهو عاربة . والشطر الثاني من هذه الامانة هو العمل بجد واهتمام وباخلاص وباستمرار واصرار.
فاذا استكمل الموظف شطرى الامانة المذكورين آنفا فانه يعتبر موظفا مثاليا ، وقاعدة مهمة من قواعد بناء صرح مجد الامة . . أما إذا اخل بالشطرين معا أو بأحدهما ، مراعيا مصلحته الخاصة ، أو منحازا لجانب الكسل والاهمال واللامبالاة ، فهنا تنفتح ثغرة فى بنيان ذلك الصرح ، على قدر وظيفته وعلى قدر ما اهمل او اخل بالامانة . فعلى الموظفين أيا كانوا حكوميين أو أهليين أن يستوعبوا هذه الحقيقة الوضاءة التى كشف لهم عن جوهرها عبد الحميد الكاتب في بيانه الممتع السلس المنسجم ، من قبل الف عام
عبدالقدوس الانصاري

