الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

حديثنا الصحى :، رأيت هذه الأشياء تحدث، ويمكن أن تحدث فى اى مكان، " من احاديث يوم الصحة العالمية

Share

فى مدينة صغيرة تبعد عن مصب نهر الأمازون بالبرازيل مسافة مائتى ميل مغطاة بالاحراج ملأت فتاة وضية تتفجر الصحة من اعطافها جرتها من مياه صنبور عمومي . ولما تأهبت لحملها سألها بعض الناس قائلا : " لماذا لا تأخذين الماء من النهر "

فأجابته وعلى فمها ابتسامة : " كلا ان ماء النهر سئ ضار إذا شربناه " ثم ابتسمت مرة ثانية ووضعت الجرة . فوق رأسها وشقت طريقها الى منزلها . .

كيف يقع ذلك فى بلدة صغيرة منعزلة عن قلب الحضارة وسط الاحراج .

حري ان يقع ذلك ، لأن تلك الفتاة من أهل قرية تمتعت بمزايا برنامج مستنير رحيم للصحة العامة جعل احد عناصره الاساسية تزويد سائر السكان بأوفر قدر مستطاع من الماء المأمون .

ولم يكن من السهل البدء في هذا البرنامج . فهذه الفتاة لم تولد - لا هى ولا غيرها من افراد مجتمعها . ومعها الفكرة الجديدة ، ونعني بها فكرة ان الماء قد يحمل المرض فى طواياه .

عندما وفد المهندسون أول ما

وفدوا على هذه القرية للتحدث الى السلطات المحلية عن التعاون مع الادارة الصحية فى انشاء مورد للمياه ، وجدوا جوا جد مختلف عن جوها الحالي .

فقد كان معظم الكبار من افراد ذلك المجتمع راضين اعظم الرضى عن ماء النهر ، يجدون فيه الغناء كل الغناء ، وبعضهم يتعصب له فى اصرار وعناد .

وقد ابي العمدة - وهو رجل قوى الشكيمة ان يستمع الى فكرة حفر بئر . لقد طوف فى البلاد ، ونصيبه من الثقافة عظيم . وقد استعمل ماء النهر طوال حياته ، وتلك هي السبيل التى يجب أن يسلكها كل من عداه .

ولما رأى المهندسون منه تلك المعارضة العنيدة لم يجادلوه ، ولكنهم جعلوه يوافق على تركهم يحفرون بئرا على سبيل التجربة . وكان البئر الذى حفروه صالحا .

وسار العمل قدما فى المجتمعات الأخرى بالمنطقة ، واخيرا تمكن مهندسوا الادارة الصحية - يساعدهم ضغط المنافسة الناجم عن التقدم المطرد في المدن المجاورة - من اقناع العمدة بأن مياه الابار المأمونة التى

توزع بالقسطاص على الاهالي تعود بالفائدة على الجميع

وهكذا اصبحت البئر التجريبية اول وحدة فى مورد المياه النقيه بالبلدة .

ومن المتناقضات ان تصير البرازيل من هذه البدايات احدى مناطق الدنيا المزودة على الوجه الاكمل بالماء المأمون على رغم سوء احوالها وعدم استكشاف قدر كبير من اراضيها . كيف يحدث هذا فى مثل ذلك المكان النائى ؟

حدث هذا لأن طائفة من الاختصاصيين من رجال الادارة الصحية لم تفارقهم الرغبة الملحة فى وضع الحقائق امام الجمهور . الى ان تكون رأي عام يطالب بموارد مياه مامونة .

والفتاة الصغيرة التى رفضت ملء جرتها من النهر ، هي من جملة مواطني المستقبل الذين لن يكفوا عن هذا الطلب .

وقد ارتفعت الصيحة أول الامر فى الكثير من مدن الأمازون التى خيم عليها الفقر المدفع بأن موارد المياه التى توزع على الاهلين فاحشة التكاليف .

وقد اخطأ الذين اثاروا هذه الاعتراضات في تقدير تكاليف المياه الملوثة المأخوذة من سقائين يجلبونها من الامكنة التى تتاح لهم ، وهى امكنة قذرة يغشاها المستحمون والحيوانات والسقاؤون الاخرون وأخطاوا - ايضا - في تقدير الوقت الكثير الذي يضيعه سدى اهل المجتمعات المزودة بموارد مياه غير كافية او المحرومة منها .

وبد المهندسون ينظرون من زاوية الوقت الذى يذهب سدى بسبب المرض والوقت الضائع فى حمل الماء من أقرب مجرى للمياه ، وتكاليف الماء المجلوب من بائعيه ، ولم يكن من المستطاع تقدير ما يتكبده الانسان بسبب الامراض التى ينقلها الماء لكنه كان فى واقع الامر فادحا

فلما عرضت هذه الحقائق والارقام على موظفى الحكومة ، وعلى الجمهور حكوا رؤوسهم كثيرا .

لقد كشفت الارقام عن ان معظم المجتمعات تنفق ثلاثة او أربعة امثال ما يتكلفه مورد مياه كافية مامونة . وكل ما كانوا يحصلون عليه هو الدوسنتاريا وقليل من الماء الملوث عزيز المنال يوزع عليهم بقدر طوال النهار .

لما بدأ عمد القرى والمجالس البلدية يرون النور أمطروا ممثليهم النيابين ورجال الادارة الصحية بوابل من الطلبات ، التمسوا فيها بذل المساعدة المادية والفنية اللازمة لانشاء موارد مياه مأمونة .

وشرعوا جميعا يفقهون ان المياه المأمونة فى كميات كافية صفقة رابحة وصحة عامة جيدة وسياسة رشدة

وكان مسك الختام لهذه القصة : ان كل مدينة فى منطقة الامازون صغيرة كانت أو كبيرة - اما ان يكون لها فعلا مورد مياه ، أو يكون لها مورد لم يتم بعد ، أو لها مورد مياه فى دور التحضير فعلا .

وهناك سبب آخر لحدوث هذا الامر المدهش . اذ سرعان ما تبين ان هذه المنطقة وان كانت فقيرة في الموارد

المادية فانها غنية فى الموارد الانسانية

وحتى فى الوقت الذى اقتنع فيه الموظفون العموميون والجمهور بضرورة الاقتصاد في موارد المياه العامة ، كانت الادارة الصحية منهمكة فى تدريب المهندسين واعدادهم لليوم الموعود حين تدعو الحاجة إلى الافادة من خدماتهم

والآن - فى سنة ١٩٥٥ - نرى هيئة من أبرع هيئات الهندسية الصحية فى العالم عاكفة على وضع برامج موارد المياه العامة وبحثها وتصميمها واقامتها وتعليم المهندسين الصحيين وتدريبهم ، وتشغيل موارد المياه العامة اذا اقتضى الأمر

حدث كل هذا فى وقت قصير نسبيا . ففي مدى عشر سنوات ترجمت فكرة سامية الى خزانات مياه شاهقة من الاسمنت والصلب فوق عمد من الحديد وإلى اجهزة لتوزيع الماء ما تزال تتسع ، ثم انها قبل كل شئ قد اوجدت طائفة نشيطة موهوبة من الفنيين يقدمون الخدمات لعدد كبير من السكان المستنيرين

لكن كل المشروعات لا تنفذ باعتبار كونها جزء من خطة واسعة النطاق . فقد انشئت موارد مياه عديدة على يد الاعالي انفسهم بعرق جبينهم وبمواد دفعوا هم أثمانها .

ذات يوم كان احد المهندسين الصحيين يخترق مدينة صغيرة فى وادى " ريودوس " جنوبى البرازيل ووقف يطلب ماء له ولسيارته ، فوجد ان هذه القرية الصغيرة ليس فيها من الماء ما يصلح لشربه بل ليس فيها ماء يضعه فى خزان التبريد في سيارته .

فلما رأى غديرا ينساب من التلال المكسوة بالغابات القريبة من القرية سأل امين المخازن عما إذا كان الاهالى قد اتفق لهم ان فكروا فى محاولة اتخاذ مورد للمياه من هذا الغدير فكان الجواب بالنفي

فذهب يستشير اهل الرأى والسلطان فى القرية ، فلم يجد منهم الا تثبيطا عن القيام بهذا المشروع المعقد

ولما قال العمدة ان لديهم قليلا من المال ، قرر المهندسان امكانيات النجاح في اقامة مورد للمياه فى القرية جديرة ببحثها بحثا ادق وأعمق ، وهل فى الوسع عمل شئ فى هذا الصدد ؟ !

واستطاع المهندس بعد أيام قليلة قضاها فى البحث والحرس ان يفضى الى العمدة والاهالى بأن القرية يمكنها - إذا رغبت - الظفر بمورد يزودها بما يكفيها من المياه المأمونة ، ووعد بأن يشرف على جميع الاعمال اللازمة لهذا الغرض وان يطلب من حكومة الولاية والحكومة الفيدرالية ان تتبرع بكميات قليلة من مواد البناء والانشاء .

وكان عند القرية رغبة . وحصل على المواد اللازمة وبفضل المال الموجود فى خزانة القرية وبفضل قيام الاهالى بالعمل المطلوب . اصبح لها الآن مورد جيد يفيض بالمياه المأمونة وعرف كبار القرية وصغارها عندما غربت الشمس في يوم الافتتاح انه يوم مذكور لا ينسى . وكان ذلك حدثا عظيما بالنسبة للعمدة العجوز الذي حاول والدموع تنسكب من عينيه ان يعرب عن تقدير الاهالى

لعمل المهندس الشاب الذي الى ابتكاره واخلاصه يرجع الفضل فى تمتعهم بهذا المرفق

كذلك كانت هذه المناسبة مذكوره غير منسية للمهندس الشاب الذى كادت ان تخونه الكلمات حير اراد ان يقول للاهالى انهم بعملهم وايمانهم بفكرته قد جعلوا العسير يسيرا فصار المورد المائى واقعا ملموسا

ان الاخبار الطيبة تسابق الريح . فقد تحققت المجتمعات فى شمال وادى ريو دوس وجنوبه مما يستطاع عمله وانفاذه .

وكانت ثمرة هذه القدوة الحسنة والمثل الصالح ان اصبحت هذه القرى والبلدان تتمتع الآن بموارد مياه كافية مأمونة - وهو شئ لم يكن معروفا لهم منذ اثنتى عشرة سنه خلت .

فماذا حدث في حياة الاهالي من جراء هذه الموارد المائية العامة ؟

ان موارد المياه المأمونة هي وسواها من الاصلاحات الصحية .  تجلب الصحة الجيدة فحسب بل يسرت ايضا استغلال الموارد الطيبة الشاسعة المذكورة فى هذا الاقليم مما ادى الى انتعاش اقتصادى ورخاء نعمت به المدن وتحسن مستوى المعيشة .

. . والآن يعيش اطفال كان مكتوبا لهم الموت من الامراض التى ينقلها الماء الملوث ، يعيشون ليكونوا مواطنين صالحين يساهمون فى

ارتقاء بلادهم وتقدمها ورفاهيتها

والآن اصبح الكثيرون من الرجال والنساء الذين قضوا اياما واسابيع وشهورا من حياتهم بين براثن الامراض التى ينقلها الماء ، يستطيعون ان يعملوا كل يوم لخير انفسهم وخير المجتمع .

ثم ان الاموال التى كانت تنفق فى شراء الادوية والشفاء من المرض وفى دفن الموتى من العلل الفتاكة ، تصرف اليوم فى شراء اغذية اكثر ركاء أوفر ومنازل افضل

وقد اجريت دراسة حديثة على متوسط الاعمار فى البرازيل فكشفت عما يلى :

ان منطقة الامازون هي من افقر المناطق في هذه البلاد لكن البرامج الصحية التى تنفذ فيها منذ سنوات عديدة قد زاد كثيرا متوسط العمر بين سكانها عن متوسط العمر فى الامة . وهو اعلى ايضا عن متوسط العمر بين سكان اغنى مناطق البراريل وأوفرها رخاء .

يدل ذلك كله على حياة افضل وسعادة أوفر - آثار تجلت ضاحكه فى وجه فتاة اعالي الامازون التى اطمأنت الى مورد المياه ، كما تجلت فى اهالى قرية وادى ريو دوس السعداء الذين فتحوا صنابيرهم يوم افتتح مورد مياههم ليروا ويذوقوا ثمرات جهادهم

رايت هذه الأشياء تحدث . . . . . ويمكن ان تحدث في أي مكان

اشترك في نشرتنا البريدية