الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

حديث الجنون

Share

" هن لباس لكم ، وأنتم لباس لهن " ( قرآن كريم )

حدثتنا ليلى العامرية ذات مجلس - وكان حديثها بين الصدق والافراط - قالت : " الهمنى ربى عشقا لقيس بن الملوح لا تماثله عبادة . . فكنت أسعى وقت الظهر الى بيته شرقى مضارب بني عامر ، فاذا طرقت الباب طرقتين معلومتين فتح لى فدخلت.. وشربنا ماء الحياة .. "

ثم تجرعت رشفة ماء واستدركت : ".. وكنت أهم بالطهارة فيوضئنى وأوضئه ، ويلبسنى ثوبا شفافا ناعما وألبسه رداء أبيض من حرير ، وتنعطر بالمسك والريحان . . فاذا نادى المؤذن ان حيى على صلاة الجمعة ، فرشنا على الحصير سجادا من صوف رطب وكبرنا لصلاة الجماعة.. وقرأنا سورة الاخلاص "

ثم توقفت عن اللفظ كالتى تستحضر ذكرى باهتة قديمة فاستخبرناها فابتسمت وأردفت :

" . . كان يشد على من خصرى شدا عنيفا فأضمه بيدى الى صدرى ضما لطيفا ، فكأنا ذات واحدة تتمابل يمنة ويسرة . . ثم ينتهى وقوفنا فنجلس عاريين عراء آدم وحواء يوم الزلة الاولى . . ونعيد الكرة مرات . . ثم نضطجع فتلتقى شفاهنا على شفاه نبع الماء فنتشارب هواء فى طيب الخمر ,

وتحل العين فى العين سابحة فى بحر من ضياء القيامة فلا نبصر.. ونظل فى حال الوجد حتى اذا أدركت الحق أسلمت نفسى إسلام الفتور للذيذ الحر ، وبسطت كفى لعذب الزلال ، فأغيب عن الدنيا غيبة المعراج ولا أفيق الا على بقايا لهات وقطرات عرق.. وقيس ملوح بجانبى جسدا طريحا ... فاذا انشغل القوم بصلاة العشاء خرجنا من المطلق الى المكان ليلا متعانقين فملأنا الارض نورا يحجبنا عن الجن والانس ويجمع حولنا أسرابا مزقزقة من الطير من كل جنس زوجين ، ويزهر أمامنا النبت بساطا قزحيا من كل نوع ألف لون ، وتجرى من تحتنا الانهار لبنا وعسلا ونبيذا ، فاذا اشتهينا ثمار طرية أو فاكهة ناضجة كانت بين أيدينا فى صحون ذهبية براقة.. فنحسب أنه الزيف الخادع فيطمئننا الصدى من فوقنا أن هذه جنات عدن رحمة لنا وجزاء طاعتنا إلهنا فى الدنيا.. "

وسكتت ليلى كالحالمة ثم ختمت حديثها فى أسف : " . . ولقد كان مجنونى يقول لى بين الحين والحين : " كنت يا ليلاى في الزمن البعيد تمنحيننى النور ثم تسحبينه منى حتى عميت ." .. ولقد وجدته يوما يحطم كأسى مرددا : " كنت تدخليننى الجنة مرارا ثم تخرجننى منها قهرا كنزول إبليس الطريد الى التراب حتى جننت.. ليتك لم تطلبنى ولبتنى عصيتك منذ البدء ! " فصدقناها.. وانصرف كل منا وحيدا مفكرا فى الكلام لا يثبت لفظه ولا يتوحد معناه ...

اشترك في نشرتنا البريدية