الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

حديث الرحلة, فى مصر

Share

- ٢ -

لم تكن هذه هى المرة الأولى لزيارة مصر ، فقد دخلتها ثلاث مرات قبل هذه المرة ، فانا اذن أتحدث عن بلد قد خبرت الكثير من شؤونه

وقد سبق لي ان اذعت من " محطة الاذاعة السعودية " جملة احاديث متسلسلة عن مشاهداتى وملاحظاتى عن مصر بعام ١٣٧٠ ، ثم جمعت تلك الاحاديث ونشرتها مرتبة فى جزء خاص من " المنهل " تحت عنوان الاحاديث المذاعة نفسه وهو : ( على هامش الرحلة الى مصر ) . . ولعل من الجدير بالذكر أن اقول الآن : ان كثيرا مما كنت تفرسته من النتائج قد ايدت الوقائع بعد ذلك صحته .

وبطبيعة مبدأ " المنهل " فانه لا يتناول شؤون السياسة . . إن السياسة شئ خارج عن نطاق مهمته ، وان مهمته لأدبية وعلمية محضة ، وتحسبه فخرا أن يؤدى حيال هذه المهمة بعض الواجب لقرائه الكرام

ولست هنا بمعيد البحث عن مصر الاجتماعية المتوثبة ، ولا عن مصر العمرانية التى اصبحت تضارع عواصم الغرب رونقا وجاذبية ، واشراقا وتنظما وعظمة ، واستبحار عمران ووفرة سكان ؛ وانما أنا اليوم بصدد الألمام بمصر فى حياتها العلمية والادبية ، والفكرية ، ذلك ان ظاهرة جديدة قد نبتت شجيرتها ونمت فى اجواء مصر . وترمى هذه الظاهرة الى الأفادة من العلم والدراسات الجامعية وغيرها للحياة الواقعية ، انهاضا واصلاحا ، وانعاشا وتقديما فالمبدأ الجديد اليوم هو : ( العلم فى خدمة الحياة ) وهذا اتجاه ان طبق بالمعنى الصحيح فسرعان ما يرتفع بمستوى القوم كما ارتفع بمستوى الغرب من قبل ومكنه من السيادة على الشرق والدنيا دول . . وقد بدأت الجامعات تعنى ببذر بذور هذه الفكرة فى نفوس متخرجيها وطلابها . . واصبح الكتاب الناجحون هم الذين نزلوا مرغمين او راضين - الى هذا الميدان ، ومن تجافى منهم عن هذا الاتجاه وظل قابعا فى ( برجه العاجى ) أو بقى سابحا فى عالم

الأدب للادب وسادرا فى الخيال الحالم ، زلت به قدمه وهو لا يشعر فهوى الى حضيض الاهمال والاعراض ولعل هذا هو احد اسرار تساقط بعض الصحف الأدبية فى الآونة الاخيرة ، فانها لم تنتبه لتغير جو القراء وفات مركبتها الجواد

وشاهدت فيما شاهدت بمصر ظاهرة العودة الى احضان العروبة والاسلام ، مجسمة فى طبقة المثقفين من شباب وكهول ، ومن دلائل هذه العودة ذلك الحفل الحاشد الذى عقد مساء احدى ليالي شهر شوال ١٢٧٢ لامتحان استاذ شاب بالجامعة ، اراد ان يضيف الى مجد الاستاذية مجد الدكتورية ، وقد حضرت هيئة علمية مبجلة ، لاختباره ، وكانت تتألف من عميد الكلية وبعض كبار الاساتذة بالجامعة ، وكانت اطروحة الاستاذ الطالب عن " المرأة العربية فى الجاهلية " وصال الاستاذ وجال ، ونقب واستنبط ، وقارن ووازن ، وأتى بمختلف الاستطرادات والبحوث والشواهد ، واخرج من هذا الموضوع المحدود سفرا ضخما ، وبدأ يتلو مقدمة كتابه الحاوية لمنه وما ان اتمها حتى انهالت عليه سهام النقد والتجريح وصبت عليه المناقشات الحادة المقيمة المعقدة ، فكان يجيب ، منتصرا تارة ، ومدافعا اخرى ، ومتعلثما حينا حتى إذا طفق رهج المعركة بين الكر والفر ، يطبق الأجواء ، وبدأ العرق يتصبب دافقا من الاجسام والمسام ، كانت بداية النهاية . . وقد استمعنا الى الدكتور العميد ، وهو يخفف على تلميذه النجيب وقع السهام المصوبة اليه ، ويوضح له وللحاضرين ان هذا الذي يطلب الاستاذ التلميذ تحصيله ، ليس امرأ بدعا عن مدنية العرب والاسلام ، إنه كان معروفا مألوفا لديهم . وهذه الشهادة الممتازة كانت تعرف لديهم باسم ( الاجازة ) وكانت تعطى عادة ، كما هو الآن ، للمتفوق فى استنتاج بحث يضيفه الى ثروة العلوم او التاريخ او الآداب او الفنون . . وقد حظي الاستاذ الطالب بما يريد ، اقتناعا بافادة بحثه واتباعه ، وتقديرا لموضوعه العربي ، ولعروبة تفكيره ، ولتقديره للامجاد العربية ، وهذا كله لم يكن مألوفا من قبل بضع سنوات .

اشترك في نشرتنا البريدية