الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

حديث الرحلة :, من مصر

Share

-3-

وقد امضينا فى مصر قرابة شهر ونصف نعالج الادواء المزمنة ، ونستشفى بالنسمات العذاب فى البلد المضياف الشقيق ، ونتملى من المناظر الجميلة ، ونعجب بالنهضة الثقافية والاجتماعية والعمرانية والصحية الاصيلة ، حتى اذا كانت ليلة ٢٦ شوال ١٣٧٢ أزمعنا العودة فى صبيحتها جواً الى الوطن . وفى الليل المشرق بالكهرباء اعددنا حقائبنا ، ورتبنا أمتعتنا ، وقبيل الفجر الصادق بقليل دعونا الندل ، فانزل حقائبنا ، ودعونا سيارة اجرة كانت ترابط امامنا فوضعنا بها الامتعة ، وولجنا فيها . . الى مكتب الطيران السعودى . . بشارع ابراهيم باشا .. وكان الجو مغلساً والطريق خالياً الا من بعض عربات الصحف ، وبعض عربات الباعة المبكرين ، ورجال الشرطة المتجولين بملابسهم الدكناء ، يحرسون متاجر البلد الضخم النائم ، وسرعان ما كنا بباب مكتب الطيران . . واخرجنا الامتعة والحقائب من السيارة ووضعناها امام المكتب وصرفنا السائق ، وجلسنا ننتظر ، واذا بسيارة انيقة خضراء اللون ، بديعة الشكل ، من نوع ( البويك )

تظهر فجأة امامنا وتقف ، وكأنما انشقت . عنها الارض واذا بشاب انيق المظهر يجثم امام دركسيونها ( موجهها ) فهو سائقها وكان بجانبه شاب آخر مثله تعلوه سنة من النوم ، وبداخل السيارة وفى مقاعدها الخلفية ثلاثة شبان متناعسون ، وكأنما كان الاربعة خارجين من سهرة ليلية . متواصلة . . اما الشاب السائق الانيق فقد كان كله حيوية ونشاطاً وتحفزاً . . وفى عينيه بريق الصرامة والجد يختفيان بعض الشيء تحت ستار ابتسامة ظرف ما كرة بديعة وقال السائق الشاب الانيق يخاطب الجندى الواقف بجانب مكتب الطيران : هؤلاء حجازيون يريدون الاياب إلى بلادهم جواً ، ولا بد أنهم يرغبون فى الذهاب الى المطار ؟ فلما اجاب الجندى بالايجاب - فقد كنا نرتدى ملابس عربية . . التفت الي الشاب السائق الانيق ببراعة ولطف قائلا : تفضلوا فى سيارتنا اننا فى خدمتكم . وسنوصلكم إلى المطار بسرعة لان سيارتنا جديدة وقوية وجميلة ونحن نريد ان نكرمكم . . لانكم ضيوفنا ومن البلاد المقدسة . وهذا خير لكم من ان تمكثوا هنا حتى تفوتكم الطائرة . . إن

الطائرة تطير مبكرة الى جدة . هيا تفضلوا معنا وستكونون بعد لحظات فى المطار . . مقاعد سيارتنا وثيرة ونحن لا نريد منكم اجراً . .

وكدت لاغرائه المؤثر ولجمال اسلوبه أندفع إلى الحقائب لادخلها سيارته الانيقة . . ولكنى تذكرت ، ولمع فى ذهني شئ كالبرق الخاطف . . قلت فى نفسى : من أين خرج هذا الشاب الانيق علينا بسيارته ؟ وكيف عرف بنا ؟ ولماذا بجثم نفسه عناء اركابنا الى المطار فى هذه الغبشة بدون مقابل وبدون سابق معرفة ؛ واخيراً فلأنظر لوح سيارته ورقمها من باب الاحتياط ونظرت فى اللوح فاذا به ينطق بان السيارة من ( بور سعيد ) لا من القاهرة . . وتذكرت ما سمعت وما قرأت عن هذا اللون من الأمور . . وسرعان ما توقفت حينئذ وصدفت صدوفاً كليا لا رجعة فيه عن الشروع فيما هممت به من قبل . . لقد فهمت ان امتعتنا قد تكون غنيمة باردة لهؤلاء الشبان الطرفاء المفتولي العضلات فى لحظات ، اذ يخرجون بنا من منطقة القاهرة الى الطريق الصحراوي الخالي بينها وبين بور سعيد ، كما حدث لغيرنا مراراً مما قرأناه فى الصحف المصرية تكراراً . . فصارحت الشاب الانيق بانى لا اريد الركوب معه . . وكأنما كانت لطمة غير منتظرة . . فكل شئ كان قبيل لحظة يدل على استجابتنا لما يريد . . وعاد الى محاولاته الاغرائية

معي لعله يثنيني عن هذه الفكرة الرجعية الطارئة . . توسل بكل لطف وأدب ، ورددت عليه بدون عنف ، وما زال يتوسل ويكرر وسائل الاغراء حتى مللت ولم ارد ان يظهر الملل على جبيني . . فقد عملت بمقتضى ما قال المتنبي :

ولما كان ود الناس خبا

جزيت على ابتسام بابتسام

وهنا تداخل رجل الشرطة الواجم . . وقال للسائق الانيق : دعهم يا اخي . . إنهم لا يرغبون فى الركوب معك أتجبرهم ؟ . . فانصرف بسيارته ولكنه لم ييأس مطلقا من استجابتنا . . فصار يلف بسيارته حولنا ، وبعد برهة ادركه اليأس . الصادق . . فانصرف الى غير رجعة ، وكأنما انشقت له الارض فابتلعته مع سيارته الانيقة ، كما انشقت عنه فبرز منها آنفاً امامنا فلم نر له أثراً بعد . . .

وهكذا سلم الله ووقى الترحة ، فى ساعة الفرحة بالاياب الى الوطن العزيز . . واقبلت سيارة أجرة وامتطيناها مطمئنين الى المطار ووصلناه بسلام . . ولم تمض نصف ساعة حتى كنا قد استقررنا فى جوف الطائرة السعودية الجبارة ذات الاربع محركات من نوع ( اسكاى ماستر ) . . وها هي وقد بدأت محركاتها الاربع تدور .

اشترك في نشرتنا البريدية