هذه الزيتونة الهرمة ، العتيقة . . هذه الزيتونة الرصينة الهادئة . . . هذه الزيتونة حذو بيتك البسيط يا سالم . . . تراها كل صباح . . وهي آخر من تودع كل مساء . . انها ترعاك فى غدوك ورواحك . . وإنها تقول لك كلاما كثيرا . . نفس الكلام تعيده عليك صباح مساء . . هذه الزيتونة يا سالم سكنت دماغك وعششت فى جهازك العصبي . . وتمثلت لك وانت تمسك بالمحراث وانت تبذر الحب وانت تمشى وانت تجلس وانت تأكل وانت تنام . . هذه الزيتونة يا سالم ماذا قالت الك ؟ . . أخبرنى يا سالم . فانها الآن راضية ساكنة . . لا تطلب شيئا
وسرقت يا سالم كبش العيد . . وبعثه . بعت كبش العيد يا سالم وانت الشاب ابن العشرين . . أنت سالم التقى الطاهر . . تصلي . . وتصوم . وكانت البندقية قديمة وقصيرة وكنت تخوف بها . . تخوف بها فقط . . ابدا . . مستحيل . . ما شك فيك والدك قط . . وتعجب لما علم الخبر بعد سنوات . . لما أخبره عبد الجواد . . كنت تذهب معه الى القرية المجاورة وترهب بهابغ وحققت رغبتك واغلق بائع التبغ دكانه وشارك في الاضراب خاف من بندقيتك " العترة " . . بندقية فقدت أنبوبيها من زمان ولكنها تطلق الرصاص . . وترهب . . وترهب . . وتنزل الرعب فى الركب . .
وكنت تتحرق . . وكان البطش والعسف ينزلان بلا استئذان فى مدن وطنك وقراه . . وكانت النار تلتهم قلبك . . . وكان الغيظ . . وكانت الفتوة . . كنت بركانا يستعد للانفجار . . . وعرضت نفسك على الثوار . ونظر اليك القائد . . كان جسمك نحيفا . . . نحيفا جدا . . وكانت نظراتك حادة . . قاتلة . . ولكنك ضعيف الجسم . . وغريب . . والقائد
حذر . . وشديد الحذر . . ووجهك لبعض رفاقه فى القرية المجاورة . . وخرجت في بعض المهمات . . وكنت تطيل الغياب عن البيت . . وتحير والدك وذهبت به الظنون . . ومزقت قلبه :"ابنى سالم..... ماذا دهاه يا رب . . لم هذه الغيبات ؟ . . ولم خرجاته الليلية المتكررة ؟ . . أهى بيوت الهوى ؟ . . أهم أقران السوء ؟ . . أهى الخمرة ؟ . . " . وقلت له يوما : " اعتبروني مت يا أبي . . أنا احيا بعيدا عنك . . أين من هم فى حاجة الى . وأنا فى حاجة اليهم ؟ لك اخواى الاثنان . . يعينانك فى خدمة الارض . أما أنا فسأرحل . . اعتبرني للمطأ الارض . . . ولم أصرخ . . ولم تسمنى ولم تعرفني وانت يا أمي . . إن أما عظيمة مثلك تناديني . . وأنا لبيت لنداء لتعتزي بي أنت يا أمي الصغيرة المسكينة . . يا أمي الصابرة . الصامتة . . الصامتة أبدا . . "
وأذعن والدك . . وتركك على سجيتك . . تغيب وتحضر كما تشاء . فما دام يراك تتوضأ وتصلى . . فهو مطمئن
وكان هناك . . . فى المدينة القريبة . . فى المدينة الكبيرة . . على شاطئ البحر . . أين العمارات والشوارع الواسعة . . هناك رجل ضخم الحثة . . عظيم الهامة . . . محمر الوجه . . يحمل سلاحا ناريا دائما وأبدا تحت ثيابه . . رجل يخافه كل الناس ويحذرونه . . باطش لا يرحم . . والسلط الظالمة تستعين به وتؤيده . . وتمده بالمال والسلاح والرجال . . وتحركه . .
كان ثعلبا ماكرا . . يغير زيه بين الصباح والمساء ويبيت فى النزل . . . وفي الادارة . . . وفي المستشفى حيث عشيقته . . كل ليلة فى مكان . . وبست في الشوارع . . كان جماعتك المخفيون عنك يترصدونه فى كل مدينة . . وفي كل قرية . . وكان كالزئبق . . دائم الاحتياط . دائم الحذر . . على استعداد لاطلاق النار من مسدسه الرشاش . . وكان يتنقل كثيرا مر فى شهر من شهور ديسمبر من طريق رادس - نعسان ، مر هو ورجاله فى سيارات سريعة وتركوا وراءهم جثة رجل . . . صرعوه برصاصهم . . كان شابا فى مقتيل العمر وكان وسيما . . . وكان شهما . . وكان اسمه: "أحبك يا شعب ! " تركوا جسمه مخربا بالرصاص . . والتحقوا بالمدينة
المجاورة لبادئتك وامضوا سهرة حمراء . . فى ليلة سوداء كانت فيها ملايين القلوب تذوب حسرة . . فى ليلة تجمدت فيها دموع الاحرار .
وخفق قلبك يا سالم وذهبت للرجل صاحبك . . فأرسلك في مهمة بسيطة . . . وأطعت الامر . . سامحك الله يا " غزال" وفى شهر من شهور سبتمبر مر أحمر الوجه بمدينة يحيط بها شجر البرتقال . . . ووقف هو ورجاله أمام علو بسيط يسكنه رجل . . وزوجته وصغاره . . رجل يلبس طربوشا قانيا وعلى عينيه نظارتان . . كان ضيفا على المدينة . . وقف الرجال أمام باب البيت وطرقوا الباب ، وأطل الضيف من الشرفة ورأى الرجال والسلاح . . . وآمتنع عن الفتح . . . وكان أعزل . . وطلب الجندرمة بالهاتف فقيل له : خاطب الشرطة فأنت فى المدينة . . قال لهم : حياتى فى خطر فعلقوا الهاتف . . . طلب الشرطة وخاطب الضابط وأجيب نحن فى الطريق . . . ووضع السماعة . . ودووى انفجار . . . وطار باب البيت وصعد الرجال الحمر وافتكوه من ذراعي زوجته وصغاره المذعورين ودحرجوه امامهم واخذوه وانصرفوا . . وبعد نصف ساعة . . . وصل البوليس وقالت المرأة الملتاعة . . أخذوه ليقتلوه . . . مروا من هناك . . التحقوا بهم . . . وجلس ضابط الشرطة وكاتبه . . وبدأ يستجوب المرأة . . اسمك . . . واسم زوجك . .
ذلك هو صاحبك يا سالم كنت تزن مائة رطل وكان يزن أكثر من مائتين . . وكنت أسمر . . نحيفا . . وكان أحمر بدينا . . مديد القامة . . وكنت على حق . . وكان سفاكا . . على باطل . . وكنت حييا متواضعا وكان فخورا مختالا . . ولم تكن تعرفه وكنت تحقد عليه . . ولم يكن يعرفك وكان يتمنى لو يشرب من دمك .
وحكت لك الزيتونة الحكايات الغريبة . . وأخبرتك بالاخبار العجيبة . . قالت لك . . رأيت ورأيت . . كل اجوارى هبوا يوم النداء . . من يوم نبت وأجوارى يهبون بين الحين والحين . . . كانوا ينامون لياليهم على الجمر والشوك . . . وأطردوا الظالمين . . ورجعوا الى جوارى مطمئنين . . وحكت لك الزيتونة الخبر يا سالم . . وسرقت كبش العيد ويثمنه اشتريت " العثرة " واليوم فى قفتك مسدس وانت فى المدينة الكبيرة . . . فى
السوق . . امام حانوت بائع منسوجات . . تدخل وتسلم . . وتجلس ويخرج الرجل ويقفل الباب ويتركك تنام . . .
وفى الصباح يفتح أمامك الباب وتتوضأ وتصلى فى المسجد المجاور . . . وتأكل فطيرة . . ويأتيك بوراوى وعبد الحميد ويأخذانك الى الحى "الأوروبى" وتجلس معهم على كرسى الحديقة العمومية ويشيران الى باب العمارة . . . من هناك سيخرج . . . من هناك . . . وتلمح طيفا ضخما احمر . . وتعرف الرجل . . وتقفز سياج الحديقة . . . وتعدو تريد اللحاق به عرفته يا سالم . . حدثك قلبك . . وقلب المرء دليله . . ورأيت حولك مئات الجند المسلحين . . قبعاتهم تلمع وسلاحهم مصوب نحو أسوار المدينة . . . نحوك بالذات ووقفت أمام بائع تين متجول . . . رطل تين من فضلك . . بسرعة . . وانطلت عليهم الحيلة . . وغطى التين المسدس فى القفة الصغيرة . . واقتفيت آثار العملاق الدموى . . كانت كلمات الغزال ترن في اذنيك . . انه اليوم سيسافر . . وهناك بعيدا . . سيقتل يوغرطة . . لا تتركه لفعل . .
احذر ان تخطئه . . وقلت . . رصاصى يعرف صاحبه . . يطير نحوه بلا جناح . . وتبعت العملاق من مستودع سيارته الى المقهى . . الى محل عمله . وجلست بعد ان دخل العملاق الادارة . . جلست مع جملة الجالسين . . كنت تترقبه لتسافر بروحه الشريرة . . . وأخذت تينة وبدأت في تقشيرها . . واذا بك تلمحه . . خرج من الباب . . فتح باب السيارة . . وأغلقه . واتجه نحو الطريق العام راجلا فرميت التينة ولحقت به . . واسرعت . . واقتربت منه . . شعر بخوطك . . فأسرع . . والتفت وراءه . وراك فتى بالى الجسم والثياب . . . واحتقرك . . ولما رأى غينيك المخيفتين حرك يده اليمني وأمسك حزامه . . وكنت حذوه واخذت المسدس من القفة . وكانت الرصاصة مجنحة . . سكنت جنبه الايسة . . وصاحت يهودية من شرفة بيت . . وواصلت طريقك وتركته يتخبط . . . وعدوت نحو البحر كاتم الاسرار ورميت بالمسدس . . وعرجت على المدينة . . واحتضنتك الاسوار . . وضمتك اليها . . ورقصت شرفاتها . . وفي دكان مضيفك لبست ثيابا جديدة . . وقصدت رفيق القائد . . فقبلك ويكى . . ولما رجعت الى الزيتونة ونظرت اليها همهمت فيخورة بك اليوم أنقذت يوغرطة . . . ولن يموت يوغرطة أبدا . !

