هناك في ملكوت الليل الكلى الواسع الارجاء ، حيث لا يصيب الانسان من العلم الا وحيدا اوحد هو النسيان الربانى الخالد القديم " ( شوبنهور
" فقد عرفت ان سعادة النفس وكمالها ان تنتقش بحقائق الامور الالهية وتتحد بها كانها هي الغزالى
حدث * مكين بن قيمة السعدى قال : حدثني هشام بن ابي صفرة الهذلى قال :
كانت ظلمة الهذلية من راهبات دير العذارى . تنصر أبوها فى بعض عمره فنشات على النصرانية . وكانت مع حر جمالها نفورا شرودا تابى الانوثة وتتصنع طبائع الرجال . فلما بلغت من السن ما يطغى فيه الدم ويفيض الماء ، تمردت فترهبت ودخلت دير العذارى . فذهب لها به ثلاث سنوات . فهى به اذ نزل بهم ابو هريرة . فاقام فيهم زمنا ثم انصرفا معا وقد ارتدت وفجرت فامعنت في ذلك . ولم تكن فجور كفجورها نية ومعنى . وكانت تقول : فجورى من الطاعة والاذعان . امنت من يوم امنت بالجسد وكفرت بالروح . ثم اسنت وفنيت فاشترت تيسا . وكانت تقول : ارتاح لنبيبه .
قال : قال : حدثتني ظلمة قالت :
اول عهدى بابى هريرة يوم طرق علينا باب الدير . وكان قليلا من يطرق علينا لمنعة الجبل وشدة الدير وعسره وانفصاله عن الارض .
قال : تريد دير العذارى . وهو الذى على الجبل فوق اثاية العرج يراه الحاج فى طريقهم ولا يبلغه الا النسور ولا يعلم احد كيف يرتقي اليه رهبانه ولا كيف ارتقى اليه ابو هريرة ولا ظلمة - قالت : وكنت صاحبة المفتاح . ففتحت له وسالته ما حاجته . فقال : حاجة الفار الملتجئ . فحسبته متزهدا مترهبا . فقال واشار الى ظله : هروبى من هذا فرايته يلوح الى ذنوب اعتلقت به فقلت : ان كنت تطلب محوها فادخل ، فدخل وتقدمته الى راس الدير
ونحن بدهليز الدير اذ قال ، وقد راى مسبحتى وتسبيحى فى كم تسبيحة تعمى العين ؟ وكنت نسيت النور وعينى لشدة ما كنت اصرفهما الى الغيب . فلما سمعت كلامه ثنيت بصرى اليه . فاذا هو من اوضح واضوى واحسن من رايت عينا ، واذا عينه اشد ما رايت شوقا الى ما لا تراه غيرها من العيون ، فكانها تنشئ مرئيها انشاء وكان روحه البصر . وكانت مشيته لا تكاد تستقيم كان به خمرا او نصبا فقلت : ما بك ؟ قال سؤال اطلب جوابه . اريد ان اعرف ايهما اصدق وجودا الله ام الشيطان . فقلت واستغفرت : استغفر ربك يا هذا وطهر نفسك من الدنيا . فصاح : لا تستغفرى ولست بمستغفر . اريد ان اعرف هل انا خالق الله ام الله خالقى . واردت ان امسكه عن كفره فابى وسرنا على شبيه بذلك حتى وقفت به عند رأس الدير . فاخبرته بما كان من امره . فاقبل عليه يساله . فكان ابو هريرة ينظر الينا نظرة غريبة ولا يجيب . ثم قال : الرهبان اينسون ويموتون عن انفسهم قال الراس : نعم . ولقد نسي المسيح من قبلنا . ان كنت تطلب لدائك دواء فانت اخونا .
ثم احملنيه الراس اعلمه واروضه . فانصرفت به يرمي عن جسده ثياب اهل الدنيا . فوجدت لثيابه ريحا كريح الدنيا هزت نفسي . وكانما ادركها ابو هريرة منى فقال : الا تذكرك ابل الحي تكون ضباعى ؟ ممن انت ؟ هذا انفك يرمع . وكان كذلك . فكرهت ان اجيبه . ثم لبس الصوف ومكث فينا ستة اشهر يكد نفسه فى رهبنتنا ، فلم ينزل من الدير الابى
قالت ظلمة :
وكنت اختلى به كل ليلة فى محراب اعلمه الاخلاص واعلمه الادعية فانا به اول ليلة اذ اقبل على واخذ بيدى وقال : هل بلغت من الصلاح ما تحملين معه فتلدين ولا فحل ؟ فنفضت يده واقشعر دمي . قال ان لم يكن فالصلوات اقل من الخمر جدوى . كيف تتخلصون من الاجساد والارواح ؟ قلت : نمزقها تمزيقا حتى ننسى الالم . واما الارواح ففى الله والمسيح فناؤها . وكان من طريقتهم تعذيب الجسد حتى يفنى . تم قمت فاتيته بسوط . فدفعه وقال : بيدى لا بهذا وكنت اقول : دم المسيح ولحمه يمحوان ذنوب المذنبين . فيقول الا سبيل الى تعليمى ما ينسى ؟ الا سبيل الى غير المعقول ؟ علمينى الحمل والولادة وسر توارث الارواح او غنيني واريحني . اليس فيكم من يحذق صنع الاصوات تحضر الالهة وتكسر الزمان وتشيع المحدود فاقول : اللهم ارحمه . ثم علمته دعاء ليلته ودخلت غرفتي فبكيت الى فجرى .
ولما اصبحنا جئت الصلاة . فاذا ابو هريرة قد شق لحمه بظفره ، فهى على جسده كالخيوط الحمراء ، وصوفه مضرجة كجلد السليخة ثم اختفى عنا واختلى بمحرابه . فبقى به شهرين او اكثر لا ينفذ اليه بصيص من النور . وكنت اذهب اليه بطعامه فلا يفتح لي باب محرابه ويقول : ضعيه على الباب . فاضعه وانصرف واعود اليه بعد ذلك فاذا هو يصوم اليومين والثلاثة ولا يطعم ولا يشرب حتى خشيت عليه وضرب بعده كالخاوية القفر وبكيت كثيرا . ثم انكرت ذلك وتمردت . فخلوت اياما بمحرابى . وبكيت شوقا ودعوت خشية ولعنت الشيطان وابا هريرة وقلت : لا يغلبني . ثم لم يلبث ان وهن عزمى وكرهت ليالي يذهب بسكونها ابو هريرة . فخرجت من معزلي . فكنت اجيء باب محرابه فى جوف الليل واقنع بنفسه اسمعه كنفس الريح الحيري او بنبرات بكائه اسمعها كالدلو . فابكى ويخفق قلبي ثم لا يطيب منامى
ثم خرج الينا فجانبته . وكان كالذاهب البال ، لا يكلم احدا ولا يسال عن احد ويكثر من الجلوس في مقبرة الدير ، ولم اصبر عنه فاتيته . فقال : هل نسيتني ؟ قلت : لم استطع - قال : وتطمعين بالموت قلت : وهل انستك العزلة فابتسم وقال فاذا ابتسامته فى وجهه الناحل
الشاحب كالفجر الطاهر : لا ادري لعلى نسيت الالم . اما اللذة فلا ادرى . فكانه اثبت فى سهما ، فالقيت بنفسى وكدت اقع على وجهى لولا انه اقامنى واحتمل الى محرابى ، وقد غلبت غلبة لم يكن لى بعدها شدة ولا عزم . فلما افقت اذا هو على رأسى يقول : كذا المراة لا تكون الا واهنا مقطاع الجهد . فاذا همت ان تشتد او اشتدت بعض يوم اذا هى رماد . ثم بقينا اياما بمحرابي ، والدير يحسبنا نتعبد ونبتهل وانما كنا فى الشيطان . وكان ابو هريرة يقول : الان علمت وعلمت ان اللذة لا تغلب . فسالته : او كانت في منذ الصغر ؟ قال نعم . وفى وقد كرهتها لما فيها من تواضع الى امثالك من الخلق وكنت من ايام تيقظى الى محاسنى ونعومة لحمي ادفع الجود بها علي الرجال والوقوع تحتهم والاستكانة اليهم . فكنت اتناساها وانفيها حتى جاء ابو هريرة وقال : انه لا يتناسي الجسد انسان الا اكلته الخيالات . وسالنى : هل وجدت في تعبدك امتلاء ؟ فامنت بانسانيتى ووجدت من حياتي ملئا لم أجده قبله واتسعت حتى علوت حياتي ، وكنت من قبل خاوية ذليلة مستكينة مستضعفة . وكانت لنا ايام .
ثم اهملنى فكان لا ياتينى الا كالمرغم الكاره . فبقيت ابكى ويطول بكائى وكان قبل لربي - الى ان اعتزلنا جميعا عزلة ثانية ، وبقى اياما لا يسمع ولا يرى ولا يطعم ولا يشرب . فلما اعتزل دعاني رأس الدير فقال : احذرى يا ظلمة ان يهبطك الارض . فزادني ذلك وحشة على وحشتى وشوقا على شوقي . ولكنى كتمت ضلالى واردت ان ابلو نفسي . فاعتزلت ودعوت صلاتي ان تعاودني وربي ان يبرز لي . فبقيت كذلك . اياما ابتهل واصلى متبتلة نازعة عن غوايتي منيبة الى الله . فلم يجدني ذلك اكثر مما يجدى الطاوى مضغ الحصى . وبقيت خاوية فارغة وقد هوى ربى ، اصلى فاجد صلاتى كالشهدة الهف ، وادعو فاذا جوارحى ترتعد وتختلج ، كان ابا هريرة قد لبسنى وخلف الله فى قلبي
ثم خرج من معزله وخرجت ، فجئته فاذا هو فاتر الجسم شاحب الوجه منهوك ساهم مدنف . فجزعت وقلت : وما كان جزاء هذا فاخذني الى محرابى وقال : اني اقص عليك يا ظلمة الغيبة تطلب فلا تدرك . وكانت نفسه تعوى كالذئب ولكن كلامه كالريحان تذروه
الريح فيموج ويفوح . وقال : انه يا ظلمة اذا اقوت السماوات انهالت على الظهر . قلت : حدثني عن الايمان . فاطرق ساعة كالمصيخ الى ليلة من ليالي الصيف هادئة قمراء خالية ، ثم قال : نعم .
كنت يا ظلمة ارى المؤمن مرتاحا كاطمئنان الجمال تطوى المراحل طيا ولا نصب يبدو ولا شكوى ولا عصيان . فاشتهى ان اكون مثله وان اعضد هذه الحيرة من قلبي كما تعضد النخل العقيم . وكنت ممن ذهب ايمانه فجئت هذا الدير وقلت : لعلى اروض النفس على الايمان .
وقد انتهى اليوم جهادى وعلمت ان الالهة لا تقام اذا هوت
قالت ظلمة فقلت : وهؤلاء يا ابا هريرة ؟ اعني الرهبان قال : انهم خليط كسويقاء المرق .
فيهم الهوائيون عبدة الخيالات اصحاب الاحلام . الذين يريدون الارص ان ترتفع الى السماء والحقيقة الى الوهم والذات الى الظل . وقد حدثني بعضهم يوما فقال : انظر الى السماء فاراها نورا والارض فاراها ماء ونفسي فاراها شعاعا . ويقول : النجوم اخوتى وزهر الارض وسادى والشمس طعامى . هل اكلت من الشمس ؟ انا طائر او صخر او سحاب فى السماء . فقلت له : فاذا تيقظت قال : لا ادري في اى بلد وقعت وليس من همى . وطلبت مثل احلامه . فاذا صاحب الاحلام اذا ذهبت به قتل الدنيا وانقطع الى الفوق فليس في الكون غيره وان هو الا خيال . وليس اكره من الخيال عندي .
وفيهم الارضي يلعن ربه ان ليس من طين ، ويطلب المغالطة كالذئب يتصنع جزة الغنم . فكانه يقول : يا رب نزعت طيني فانزع . روحانياتك . ولست ممن يحب الطين ان يرتد اليه كل شئ
وفيهم يا ظلمة الاعرج الضعيف النفس ، يحب الكامل السالم ويكبره فيعبده ويكره ضعف نفسه فيريد ربه ان يقرضه القوة
وفيهم صاحب الشوق يحن الى ما يوسوس فى صدره من ذكرى القدم .
وفيهم يا ظلمة الكفرة مثلك ايمانهم خدعة وقد جهدوا ان يعلموني ايمانهم . ثم نظرت اليهم يركعون ويسجدون لله ويكثرون من ذكره ويجعلونه فى السماء يرفعون اليها الابصار ، فلا يذهب بشئ من كفرهم . فان اكثرهم يلحون فى ذكر الله الحاح الشاك او المنكر وبعضا منهم يلحون فى ذلك اكثار من ذكر الله ولما يعرفه فلما خاف ان يجده سكن اللسان . انهم يخلقون ما يعبدون . ويطلبون الغيبة . ولكنهم لم ينجوا من انفسهم . بل تفرد بهم شيطان الروح وماتوا ميتة غريبة . احياء فى بواطنهم نيام عن الدنيا ، قد اتسعت نفوسهم فغطت عليها . اولائك قوم تاهت قلوبهم واعينهم وغرهم ما غرني من امر البراهمة بالهند يظل الرجل منهم عامة دهره يتعبد حرا او قرا ولا يغير من ثيابه ولا يحرك من طرفه ، كانما ذهبت حياته وذهب جسده فكانه الفناء او الاطمئنان الكامل - وليس كذلك . كذا رهبان الدير سكون ولا اطمئنان
وقد ارتضت رياضتهم وتلوت الادعية وصليت الصلوات وامسكت نفسى ان تكابر الله . فلما انتهيت فقدت نفسي . ففرحت وقلت : فنيت فى ربى - وقلت : هو الله . ثم طلبتها فاذا هي حاضرة لم تغب وانما انقلب الشكل ؛ واذا روحى لغو من الاناجيل وعقلي نسيج من الحروف وقلبى من الظلمات وربى وهم من ذلك وليد ، واذا على لسانى لعنة ذى المسغبة يطعم الزقوم .
ونظرت اليهم على اختلاف مذاهبهم ، فرايتهم يخدعون انفسهم يعلمون اولا يعلمون ما يفعلون ، او يكونون ادخل من الملائكة فى الروح يطلبون محل الا لهة ويقولون لقد تاله المسيح من قبلنا ، وهم على ذلك لا يتخلصون من الحاجة تنزلهم الى غائط الارض ولا من الطعام يحرك فكوكهم كالابل تجتر ، ولا من الشهوة يركب بعضهم بعضا ، فقلت : سحقا لالهة كالقردة والحمير . وقلت : سحقا لرهبنة لا تكون الا تالها مستحيلا او غرورا مؤلما .
ثم خرجت عنهم وعنها
قالت ظلمة : فقلت : وقد اخرجتني ، فاذا للجسد مس الجديد المعاد الخلق . فلم يقل شيئا و ضمني اليه .
ثم هبطنا الارض

