أيها القارئ المتأفف ، قف رغم أنفك ،
واقرأ حديث الفؤاد النباتي
في هذه اللحظات ومن هذه الكوة التونسية :
ألحظ جغرافيا الكون والأدميين
ألحظ طير الفيافي ، وطير المدائن
ألحظ نبت المنافي ،
وكيفية المكث في هذه الأرض أو تلك
ألحظ قطاً يموء على سطح مستودع في الجزائر ،
ألحظ كلباً يهبهب في ساحل العاج ،
ألحظ في ليبيا وزغة تتزأبق في فجوة الضوء ،
ألحظ في زمبيا طفلة تتحدث عن ليلها للعصافير ،
ألحظ في الجامييك :
حذاء من الحلد ملقي على جثة من غبار
وفي مصر ، ألحظ فأراً يفتش عن شقة للكراء
وفي الهند ألحظ نملاً
يشكل في قمة القيظ أحلامه للبقاء
وفي الصين ألحظ منفضة للسجائر ، مملوءة بالرماد ،
أمام عجوز تدخن هما
وألحظ في كندا امرأتين تعيشان عنف السحاق
وألحظ في روسيا:
شجر الثلج يخرج من سجنه الطحلبي ويزهر
ألحظ في البرتغال : فتى وفتاة وبينهما غيهب الفقر ، والإحتراق
وألحظ في الكامرون : مناجم للظمأ المستمر
وزنجية في الظلام تضيء
وألحظ في كوستريكا : جداراً سميكاً
وفي ظله رجل طاعن في الدجى والخيال
وألحظ في السنغال :
جنادب شتى تنط هنا وهناك
وألحظ منفي المهاجر في " كبد أهل بالحنان يسمى : فرنسا
وألحظ في أمريكا : دماً عنصرياً تموله خيبة العربي ،
وألحظ ببيروت تنهار تنهار فعلاً ،
وألحظ ، ألحظ ، ألحظ من هذه الكوة التونسية
ما يتحدث الآن في هذه الأرض أو تلك
اه .
مضحك ما يحدث الآن على الرغم من القتلى الضحايا
مضحك لغو السياسيين ، في دور خياني كهذا
مضحك دمع التماسيح
ولون الزيف في نص بياني
فنحن الآن موتى
إننا بالفعل موتى
ممكن أن يقف الميت في جثته : في ذلك الظل الأناني
وهذا مضحك حتى البكاء
فلسطين ألحظ في وجهها شارة للتحدي ،
وألحظ في قسمات العدو : زمان التردي
(قريتي: أيتها الضفدعة الضالة في مستنقع الفقر ومشتقاته :
وجهك . في ذاكرتى الرثة : مستعمرة للبهجة الكثة،
مخضر إلى آخره ملتصق ببي مثلما العثة
مشتاق إليك الآن ، مشتاق عنيفاً
إنك المتكأ الحافل بالشوك ، وما أروعه ! )
آخر العشق نزف
وأوله : موجة بإتجاه الهباء
تنط اليرابيع في غابة القلب ليلاً
فتحضرني ريحة الشجر المتأبد
أو طلعة القمر المستسكع في فلوات السماء
يمد البياض تضاريسه بإتجاه السواد
وينبح في القلعة الأثرية : كلبان مجتمعان
على جثتين لعصفورتين
هنا غربة وهناك
وبين إرتباك الشذى وإنهماك المعذب في الشم ،
تنهض سلطانة الورد من كهفها الجمجمي
وتفتح أكمامها لعذاب المحبين
غامضة هذه الكلمات التي قالها شاعر ما ،
وغامضة وجهة النهر حين يفاجئه
في شباب النهار العمى
ما مدى لذة الفجر في ظل عصر كهذا ؟
(ما قاله محيى الدين بن عرب في إقامة مدينة الجسم وتفاصيلها )
الخليفة يسكن القلب النباتي ،
وفيه مكامن السر مدينته تسمى حضرة الجسم ويسكنها رعيته وكل مكلف بالحكم .... للخليفة جنة في الحيز العالي : الدماغ وفي الدماغ : خزانة الفكر ومسكبة الخيال وفي الدماغ : خزانة الحفظ ويسكنه الوزير: العقل
للخليفة كانت النفس
مقر الأمر والتغيير والتطهير والنهي
إذا صلح الخليفة أولاً ، صلحت رعيته
وإن فسد الخليفة أولاً ، فسدت
أتكور في ذاتي ، فنتصافحني الأحزان
أصافحها بدمي وأقول لها : أهلاً !
أمشي معها وأقول لها : مهلاً!
ونسير معاً ، ومعاً نتوجه نحو النهر
ومكتشف الهفوات هنا وهناك ، ونلعن مصدرها
ونميط عن الأطيار مشاكلها ، فتحلق فوق العصر
هنا الأحزان ومنها الآن أحدثكم
عن اخر أنباء الثورة والتكوين .
فلسطينية الحلم : لماذا استوقفوك وأوثقوك إلى الهلاك ؟
أرى على سيمائك الصحراء
جثة آخر الشعراء
من أين الرحيل إليك من أين ؟
وأنت وحيث أمشى لا أرى إلاك
وجهاً جزأته لعنة المنفي ، هنا وهناك
طائر يتسكع في سعدون " أسأله عن خميلته .
يتحرج في البدء ، لكنه بعد أه وأه تتشنج ريشاته ريشة .
ريشة تتأجج شيأ فشيئاً حرائقه ، ومعاً نمتطي صامتين
وسيلة نقل ، ونقصد "مقهى الزنوج" ويحدث أن نتحدث
شرقاً وغرباً ، وأن نتوقع زوبعة تتمخض في قعر كأس
وقد نلتقي حول قرامشي وماركس ولينين لا وجه لي ،
لا غرابة أن يتمكن بي شبح الليل أو زبد البحر ، هل هكذا
يا رفيق الفيافي نخرب أعشاشنا بيدينا ، ونستورد الشمس
من قلعة الثلج ؟ هل هكذا يا رفيق الفيافى تدور العقارب
عكساً ؟ رفيقان في لغة الورد نحن ، نغني معاً ، ونهشم
أحلى الهنيهات في جمع ما يتوفر من كلمات المحبة ،
نفتح فردوسنا اللغوي ، فتأتي العصافير من كل فج يباب
وتدخله من خلال النوافذ أو من خلال العذاب اللذيذ ،
لماذا اختلى النفري بالشذا ، يحلج الضوء كوفية للفؤاد
و يبتكر العشق طاحونة للجليد ؟ فهل أتخلى عن العصر
أم أتوحد بالبحر ، أنقذ حيتانه من صقيع السلاسل ؟ والورد
بين السياسة واللاسياسة في حيرة من شذاه هي المدن
العربية محفوفة بالجواري ومحفوفة بالهلاك فهل ينهض
الورد من موته فجأة ، مستطيعاً ، بموسوعة الهفوات ؟
نغادر"مقهى الزنوج " نمد الخطى : خطوة ، خطوة
والشوارع أهلة بالخلاء ، ولا شئ غير الخلاء ، نرى "نفرتيتي"
مكلبة بالشذا ، أنفها في السماء لها عنق يتوهج
رمحاً صقيلاً : بهذا الغلو الأنافي كيان الضمير تراث فراعنة
لا تني تدعي أن تلك المدينة - كانت وتبقى مع الدهر - أم
المدائن هل هكذا نتميز بعداً ، ونغفل جرحاً مسافته
ألف آه وآه ...
حين جاء الجراد دجي ، لم يجد من يتواجهه بالرصاص
الحقيقي ، لم ينلق إلا مواجهة بالبكاء السليقي نحتج
والليل مزدهر ، نتوقف وجهاً لوجه مع الخمر ، ظهراً
لظهر مع البحر آه ، دمي أهل بالجراثيم ، هل أنت
مقتننع يا رفيقي بأن الدياثة باتت تعشش فينا ، وتخلع
عنا الإهاب الرجولي ؟ .
كل النوافذ مغلقة يا رفيقي فمن أين تأتي العصافير
من أين ينبلج الفجر من أين ينهض من دمرته المأسي ...

