الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

حديث الفكر والفن، الفن اشتراكي بالطبع

Share

ما وظيفة الفن ؛ ما هو موقفه من المجتمع الذى يحيا فيه ؟ او لا بد ان ركون للفن موقف من كل الاحداث الاجتماعية والسياسية ؟

هذه اسألة سوف لا اجيب عنها مباشرة وانما سأحاول ان انظر فى كتاب الفن وتنمية السلوك الاشتراكى " للدكتور محمود البسيونى ، أو بالاحرى في فصله " اشتراكية الفن " من هذا الكتاب

وهو كتاب حاول فيه كما قال ( بالايجاز ، كيف يمكننا ان نسهم عن طريق الفن فى خلق تلك العقلية الاشتراكية الواعية التى تساند التطور المنشود وتسعى الى ارساء دعائمه والمحافظة على قيمه .)

هذه ولا شك محاولة شريفة ، ولكن بقيت كيفية النظر الى الامور وخلق الاسباب الذكية التى تجعل من الفن وسيله لهذه الغايات دون ان يصبح الفن وسيلة ميتة مثل القلم فى يد الامى .

يقول الدكتور فى ما يقول

( المجتمع الاشتراكى لا يفهم معنى للفقر المدقع ولا للغنى الفاحش كلاهما طرفا نقيض ولا يمكن ان يوجدا فى مجتمع يتصف بالاشتراكية )

والفنان فى المجتمع الاشتراكي ينتمى الى الطبقة العامة من الشعب فهو منه واليه منه فى  احساسه بمشكلاته ومشاعره واليه حينما ينظم اليه بالهامه هذه المشاعر والمشكلات ليبصره بها . أما الفنان فى المجتمع الراس مالى المتطرف  فانه لابد ان ينتمى الى طبقة من عديد الطبقات المتناقضه التى يتكون منها هذا  المجتمع ولذلك فهو ان عبر عن مشاعره فسوف يكون تعبيره مرتبطا بطبقته المحدودة التى ينتمى اليها من هذه الطبقات العديدة .

ولا ادرى لماذا قال الفنان فى المجتمع الاشتراكى ينتمى الى الطبقة العامة من الشعب - وهو الذى قال ان المجتمع الاشتراكى لا يعرف الطبقات . ولكنه

يعنى ان الفنان فى المجتمع الاشتراكى عليه ان ينتمى الى الطبقة العامة من ناحية الثقافة والمستوى الفنى ، لكى يتيسر له ( خلق تلك العقلية الاشتراكية الواعية ) ويكون مفهوما من كافة الطبقات . وهو يعنى كذلك ان المجتمع الاشتراكى ( لا يفهم معنى للفقر المدقع ولا للغنى الفاحش ) من الناحية المادية ومن الناحية الثقافية اذا على الفنان ان ينتمى الى الطبقة العامة من الشعب .

ولكن هذه تضحية فى غير محلها ولا اظن ان النظام الاشتراكى الحكيم يرضاها ، لانها لا تفيده بل قد تضر بهدفه ، اذ ان الاشتراكية ليست عايتها المساواة واللاطبقية فقط بل هى قبل كل شىء وسيلة تستهدف السمو بالانسان . فكيف يمكنها ان تطلب من الفنان الذى ينتمى الى مستوى ثقافى معين ان يرجع ادراجه ليساير المتخلفين ، بل اليس من الحرى بها ان نخلق الاسباب والوسائل لتستحث المتخلفين ، وعلى الاخص اذا عرفت ان الفن اذا التفت إلى الوراء فهو مريض وقد يموت .

اما قوله ( اما الفنان فى المجتمع الرأس مالى المتطرف  فانه لا بد ان ينتمى الى طبقة من عديد الطبقات ) فان الفنان الاصيل بحكم اصالة فنه فهو لا ينتمى الى طبقة ولا الى شعب بل ينتمى الى الانسان وان انتمى بحكم ظروفه الاجتماعية الى المجتمع الرأس مالى او الاشتراكى او غيره .

اذا فهذه نصف حقيقة ولكنها قديمة ولقد قبرت ، ولا غرو فلقد بحث الدكتور عن حجته فلم يجدها الا فى اوروبا فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر . وذلك لان فن الرسم والفن بأتم معنى الكلمة فى القرن العشرين قد اتجه وجهة انسانية لا تعرف الطبقة ولا الحد ولا الجنسية ، وهو بذلك اضاف الى التجربة البشرية ما غذى واثرى .

ثم يتفطن الى شىء هام جدا فيقول ( صحيح ان لغة الفن عالمية ولا يعترف بحدود ضيقة ولا بزمان او مكان وما زالت الاعمال الفنية العظيمة باقية رمزا العالمية الفن وطبيعته التى يستطيع ان يعيش بها خارج الزمان والمكان المحدودين )

ولما كان يعرف هذا لماذا أتعب نفسه فى التفكير فى الطبقات التى تحتكر الفن ، ما دامت المشكلة هى فى ايجاد الفنان الاصيل الذى يتكلم بلغة تفهمها كافة الطبقات ولا يلعثم لسانها زمان ولا مكان .

ولكنه يقول ( ولكن الفن مهما كان لغة بشرية لا بد ان يعكس حياة الناس الذين يصورهم لا بد ان يعكس آلامهم وآمالهم فى فترة زمنية معينة ، واذا اردنا ان نفهم الفن الذى يعكس حياة الناس لا بد ان نفهم ميكانيكية هذه الحياة التى عكست الفن )

ان الفن لغة بشرية هذا شئ يديهى ولكن أما أن يعكس حياة الناس الذين وصورهم وان بعكس آلامهم وآمالهم فى فترة زمنية معينه هذا ليس حتميا  و " لابد " هذه التى يستهلك منها الدكتور بكثرة ليست فى محلها ، لا سميا فى الفن فى القرن العشرين قد القى على عاتقه عدة مهام رأى انها ليست من مهامه وانما هي تهم ضروبا اخرى من النشاط البشرى .

فلم يعد مؤرخا ولا عالما اجتماعيا ولا معلما دينيا ولا عالما ومعلم اخلاق .  ولم يبق له الا الطبيعة والماهية البشرية ، وهدفه الوحيد عزو مجاهل النفس البشرية ليهيئ الى الوجود البشرى متسعا حيويا . وهل هناك عيب فى ان لا يكون الفن معلما اجتماعيا وقد جعلا منه شليجل وشلبنع جوهرا لكل ما هو موجود واساسا للابداع والعبقرية ، وعرفة كروتشه بانه رؤيا او حدس.

صحيح ان هناك الان رسامين مرموقين يصورون الاشخاص ولكن اغلبهم ينطبق عليه قول من قال " اني ارغب بكل بساطه ان لاينكشف من صورى الا  الانفعال الذى تعكسه " .

يقول الدكتور (كان التصوير فى اوروبا فى القرنين الثامن والتاسع عشر تصويرا برجوازيا يتجه  نحو الواقعية الفوتوغرافية التى تصور باساليب  ميتة حياة الطبقة المترفة كانت الصور ذات محتويات تقليدية تمثل  اما هيبوقراطية رجال الدين او حياه القصور وشخصيات النبلاء واصحاب الالقاب . كان الفن يتجه الى محبى جمع الاثار لم يكن يشعر بان هناك للفن   ضرورية اجتماعية - ان الفن  فى هذه الحالة يمثل ذوق الطبقة المسيطرة ذوق  اصحاب ملايين ذوق لا اشتراكية فيه وانما هو مفسد للقيم الاشتراكية  الحقيقية التى تتجه اليها المجتمعات المتحررة فى القرن العشرين . )

وأنا أتعجب لماذا ذهب الدكتور الى القرنين الثامن والتاسع عشر ليبحث  عن حجته ، اليس من الاجدر ان يبحث عنها فى القرن العشرين . فى الحقيقة انه ما فعل هذا الا لانه يعرف ان الفن الاصيل فى القرن العشرين  وحتى فى  اواخر القرن التاسع عشر ليس فنا برجوازيا ولا هو يتجه نحو الواقعية الفوتوغرافية ولا هو يصور بأساليب ميتة حياة الطبقة المترفة  ولا هو يصور شيئا من هذا القبيل . فهو اشتراكى بالطبع وليست هناك مشكلة ، نعم انه ليس بوقا للاشتراكية وانما هو يلتقى معها في أ سمى اهدافها الا وهو  السمو بالانسان .

ولكن ما يهدف إليه الدكتور يتضح على الاخص عندما يقول ( ولقد اوضح السيد ... فلان ... وقال ايضا ... كذا ... هذا معنى جديد لا بد  للمجتمع ان يتشكل ليحس به ولا بد للفنانين ان يتخذوا  منه مادة للتعبير

فمضمون الاعمال الفنية يجب ان يساير الاخلاق الجديدة التى يترسمها المجتمع فى نهضته يجب . . يجب . . الخ . )

وعلى الرغم من انى لست فقيها فى اللغة ولا عالما فى النحو فانى اجزم ان " يجب " هذه لا محل لها من الاعراب فى هذا المجال . اذ ان هذا يختلف تماما مع مفهوم الفن الراقى الذى يطمح اليه كل مثقف اصيل وكل فنان حقيقى . وهذا مثلا رأى الفيلسوف الايطالى " كروتشه " اعرضه لا لانى اراه صحيحا مائة بالمائة بل لنرى كم هو مناقض الرأى الدكتور .

" ان الفن رؤيا اولحدس وان هذه الاجابة تنكر اولا ان يكون الفن اشكالا جسيمة ان يكون اصواتا او نسبا بين الاصلوات ان يكون ظاهرة حرارية او  كهربائية اى ان يكون بالجملة شيئا مما يشار اليه بقوله مادى "

وهو يعارض من يعرف الفن بانه اللذة ، ومن يقولون ان الفن ارواء الحاجات العقلية وما اشبه ذلك ، ومن يقولون بان على الفن ان يوجه الانسان نحو الخير ويبعث فيه كره الشر ويصلح من عاداته ويقوم اخلاقه وان على الفنان ان يساهم فى تربية الجمهور وتقوية الروح القومى والحربى فى الشعب او اذاعة المثل الاعلى الذى يفرض على الفرد ان يعيش حياة بسيطة جاهدة كادحة فى سبيل الخير والمصلحة العامة ، ويعارض اولائك الذين فكروا فى استخدامه وسيلة للتعليم . ويقول " متى تجرد الفن من صفته المثالية تبدد الفن ومات الفنان فاذا به يصبح ناقدا بعد ان كان فنانا ومات فى المشاهد فاذا به يلاحظ الحياة فى حالة وعى بعد ان كان يلاحظها فى حالة وجد "

هذا هو رأى كروتشه الذى يبدو متطرفا ولكنه فى الحقيقة يقربنا من اشتراكية الفن بقدر ما يبعدنا عنها رأى الدكتور . اذ ان كروتشه يعرف الفن الحق ويكشف عن جوهره بدون ان يلتبس عليه بالوسائل المؤقتة التى يستعملها اعنى الفن لكى يستطيع ان يعيش ، فيتخذ منها اما مادة للغته كما يتخذ الشاعر الحروف والكلمات لا يركب جملا مفهومة وانما ليوحى من ورائها شعرا ، والشعر ليست الكلمة وانما ما يحمل الشاعر للكلمة .

واما ان يوهم بها البسيط بان فيها مصلحة تهمه فيمثل دور رجل الدين ويمثل دور العلم الاجتماعى وما الى هذا . اذا فعندما رأى الدكتور ان هناك ضرورة اجتماعية للفن ( ضيقة ) فهو كمن رأى الاهداف فى الوسائل وكمن يحيا ليأكل لا كمن يأكل ليحيا . وفن التصوير فى القرنين الثامن والتاسع عشر الذى تحدث عنه كان حتما عليه ان يكون كما كان تبعا لظروفه الاجتماعية فلكى يستطع ان يحيا كان حتما عليه ان يصور الاثرياء واصحاب الملايين ورجال الدين كانت هذه هى وسيلته فى الحياة او هى الوسيلة الوحيدة التى رآها

والتبس عليه الهدف بالوسيلة فلم يحسن تمثيل الدور ولم يخلص الى نفسه فمات الظن لا نعدام الفنان .

وفي القرن العشرين قرن النور كان حتما على الفن ان يزيح عن وجهه القناع وقد اصبح الانسان على درجة من الوعى تريح الفن من ان يقوده الى الجنة والسلاسل فلم يعد فى حاجة الى ان يكلم البشر بلغة الممثل لينصتوا الية لقد كلفهم فى الموضوع مباشرة . وكان الفن بأتم معنى الكلمة الذى هو وسيلة وسيلة خالدة استعملها وسيستعملها الانسان لتحقيق ابعد وابعد اهدافه.

ومع ذلك فهو لا يتضارب مع الاشتراكية الحكيمة التى تلتقى معه فى اسمى اهدافها . خدمة البشر ، فهو اشتراكى بالطبع لغته لا تعرف الا الانسان كله ، هدفه هو اسمى الاهداف الاشتراكية .

اشترك في نشرتنا البريدية