ملحمة شعرية عن مأساة فلسطين للشاعر البحرانى إبراهيم العريض ، نشر دار العلم للملايين بيروت ١٩٥١
بين تلك الصرخات التى تتعالى من بعض نقاد الأدب سائلة عن أثر الكتب فى الشعر الحديث ، وبين تلك الوخزات التى يوجهونها الى الفن الذى لا يشارك فى الحياة العامة ليتحدث عن آلامها وآمالها ، وعما تركه الأدب أو الشعر خاصة عن فلسطين ، الفردوس الثاني الذي فقدناه أو عن هذه التحفزات التى تبدر فى الشرق العربى ، كتحفز مصر لطرد الدخلاء ، وحيازة السيادة التامة . بين تلك الصرخات وهذه الوخزات يقول شاعر مجيد هو الأستاذ العريض : هأنذا وتبرز الى الوجود الأدبى ملحمته الشعرية " ارض الشهداء " لتتحدث عن النكبة وهل بعد نكبة فلسطين نكبة ؟
وكان طبيعيا وقد استقرت الملحمة بين يدى ، أن أجيل النظر فى مظهرها قبل أن أجيل الفكر فى مخبرها ، فوجدت الكتاب أنيق المظهر ، جيد الاخراج ، لامع الورق ، جميل الغلاف ، أنيق الطباعة ، محلى برسوم جميلة تعين على تصوير المعانى وابرازها
ثم مضيت ألتهم الكتاب التهاما ، يحدوني اعجابى الكبير بالشاعر البحرانى حتى اذا فرغت منه ، نشدت اثره فى نفسي . أى شىء اثارته هذه الملحمة فى ؟ اية عواطف راكدة حركتها ؟ هل اشعرتني بالنكبة وفداحتها ؟ هل صورت لى جوانب هذه النكبة وآثارها فى فلسطين ، وأهل فلسطين ، وسائر العرب ؟ يوسفنى أن اقول اننى لم المس شيئا من كل هذا اللهم الا ومضات عابرة لم تثر
عاطفة ما ؛ الا ان تكون عاطفة الاعجاب وحدها بالأسلوب ، لا بحرار التعبير ، وكانت خيبة أمل أقول هذا وأنا اعلم انني كنت ولازلت معجبا كل الأعجاب بالقصة الشعرية الأولى التى قرأتها للشاعر : " قبلتان " وكان الفرق بين القصتين ، أن احداهما وهي " قبلتان " - قصة غرام ، للشاعر فى تصويره باع وابداع أما هذه فقد تشابكت فيها المواضيع ، ارادها الشاعر أن تقوم على قصة غرام مفجوع ، فشغله عن هذا الهدف ، فصول عن الحرب والجلاد والجهاد ، وأحاديث فى السياسة وآمال ، وهكذا تشعب الموضوع ، فتخاطفته اغراض شتى . فجاءت القصة خافتة على غير ما كنا نحب فى ملحمة عن فلسطين وفلسطين بالذات ! وقبل أن ازايل هذه المقارنة العابرة بين قصتى الشاعر ، لا انسي أن أعطيه حقه من الثناء على هذا التنسيق الفكرى الذى ربط بين القصتين ، فلقد كانت تلك عن الفردوس المفقود اعنى الاندلس . وهذه كانت عن الفردوس المحفوظ ، أو هكذا يعبر الشاعر هذا التعبير التفاؤلي ، وإلا فاين هو هذا الفردوس الذي تشرد اهله شر تشريد ؟ !
اذن فقد أدى الشاعر واجبه ما دام نقاد الأدب يريدون أن يفرضوا هذا الواجب فرضا ، أما إذا لم يبلغ الحماس الحرارة التى يتطلبها الحديث عن الدماء التى اهريقت فى فلسطين ، والمأساة التى تخلفت عن فقدانها ، فقد تكون هناك عوامل لم تتوفر للشاعر ، ونحن لا ننسى أن شعراء الحماسة طراز آخر بين الشعراء .
هذه كلمات خاطفة عن القصة كموضوع ومعان تثير الانفعال أولا تثيره أما هي كشعر ، فمستوى شعر الشاعر العريض رفيع ، وأسلوبه التعبيري التصوي جميل ، وهذا نموذج من وصفه الرائع بقدم فيه الراعي وشياهه ونابه :
لبث الراعي ، على مورده الصافي ، ضحاها
يرقب الضان - على الضفة - ترعى والشياها
من رآه شارد الانمل ، قد زم الشفاها
سادرا ، ينفخ فى الناى هواه . . بلغاها
فإذا الظبى عليه يحسد المعزي شجاها
انه يبدى هواه ، مثلما تبدى هواها
كلما بدع فى انغامه ، تاهت . . وتاها
فتود الريح لو طارت - بعيدا - بصداها
ثم عادت من جديد ، تتوانى فى خطاها
وقعها الناعم كالسحر ، على خضر ربها
ومهاة مرغت فى سندس الاعشاب فاها
ثم دارت تسال الأخرى ، شرورا ما دهاها ؟
واستمر النبع فى اذنيهما يضحك . ها . . ها .
لنترك الراعي هنا فى انغامه الساحرة المسحورة ، لنلتقي به فى موقف آخر بعد أن دالت دنياه ، وانها لمقابلة بارعة يعقدها الشاعر بين الموقفين :
قال يادعد ! لقد ضاق بنا فيها المقام
لا مراعينا كما كانت ولا البيت الحرام
اين جميزتنا ؟ . فى ظلها كنت انام ؟
سلم الجذع ؛ . فقد قطعها القوم الطغام
اين شاء كنت أرعاها ؟ وللشاء بغام
لم تعد منها ولا ثاغية . ! فالكل هاموا
أم غدت مسلوخة ، فاللحم غال والطعام
اين أصحابي حمدان وفوزى وهشام !
بعضهم يسهر مثلى - ثا كلا ، والبعض ناموا
شتتت من شملنا الايام ، فالدنيا ظلام
والذى نام منا ، حظه منها الرجام
لا تقولى : اين نمضى ؟ أين يمضى المستهام ؟
وطن ضاع عليه من ضحاياه السلام .
أما الهنات القليلة التى وقفت عندها ، فمنها مثلا فى ص ٧٠ :
وتثنى العشب ؛ كي يسكب فوق العشب باله
ويبث البدر فى الاغصان - كالشاعر حاله
فاذا طيف ، على متكأ ، يرعاه باله فمع قدرة الشاعر على صياغة القافية صياغة محكمة تبعد عنه تهمة الزج بالالفاظ المستكرهة ، الا ان التوفيق خانه فى هذه الأبيات الثلاثة . فالفاظها ومعانيها أيضا ليست شيئا ، تأمل العشب الذي يسكب على نفسه " قارورة الطيب وهذا معني " باله الواردة فى البيت الأول ، كما فسرها الشاعر ، أما يرعاه باله ، الواردة فى البيت الثالث فمما لم يفسره الشاعر بعد . .
ومنها التشبيه المتهافت فى قوله ص ٧١ :
لا يرى الموضع غير القمر وعيون النجم كالخيل تجول
فعيون النجم التى تجول كالخيل ، ما لم افهمه بعد أيضا . . ومالم استسغه هذا ولن تنقص هنات نادرة كهذه من قدر الشاعر ومكانته . ولا ينبغي أن ننسى أن اصدار ملحمة فى موضوع حماسي تراجيدى ليس شيئا هينا ، خاصة وان الملاحم فن جديد على الأدب العربى ، لم تثبت فيه قدم بعد ، فما أحرى الشاعر بالتهنئة على ما نال فيه من توفيق الى الحد الذى نال .
