الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

حديث الكتب بين التاريخ و الآثار

Share

الكلمة الاولى :

مؤلف تاريخى أثرى بارع جاء فى حلة قشيبة شفافة . .

. . ذات ألوان مشرقة جذابة . . . . وذات أبعاد تاريخية قيمة . . تعمقتها ، وأنعمت نظرى فيها مرارا ، فتألفت منها فى نفسى صورة كاملة ذات شعب هامة أفسحت فى شخوص الآثار الطبعية الناطقة بجلال خالقها العظيم . الى جانب آثار الانسان القريبة والبعيدة . . لم أملك رسمها فى قرطاس ، لأنى كنت فى زحمة رحلة الى تركيا . . ولما عدت ، وما حرمت نعمة النظر اليها

ساعة . . كان أول عمل هو رسمها على هذا النحو الذى تجده فى الكلمة التالية :

الكلمة :

جاء فى ص ١١ : (( اكتشفت فى جنوب المدينة المنورة جبلا متوه بأعلاه كله قبيبات واطئة مبنية من الحجر (( الدبش الصغار )) وفيها هياكل قوم ضخام الاجسام . .

وقد أدركت فى نفس الوقت ، انه لا بد ان يكون بجانب هذه المقبرة التالية عن العمران مدينة قديمة مجهولة . . ))

وجاء من ص ١١٩ - ص ١٤٩ : (( حديث عجب دقيق عن آثار الصويدرة أرجو الرجوع اليه ، فى مصدره ، لما يشتمل عليه من الروعة والصدق والأمل والعزة والكرامة . . لأمة العرب ))

ومن ص ٢٤٠ الى ص ٢٦٤ تجد تحقيقات جد موفقة حول مدائن صالح ، وما شهدته من عمران ومدنية ، وما آلت اليه من دمار ، وما تركت من آثار ناطقة بكل ذلك لم أجدها فى كتاب من قبل ، بمثل هذا الجمع والاختصار . . أدرسها بكل ما يحمل قلبك من أشواق الى العلم . .

وتجد من ص ٣٠٣ الى ص ٣١١ مثل هذا التحقيق حول قصة أهل الكهف ، والكهف ، وموطنه وصفته ، وما قاله الكاتبون فيه وما الى ذلك . . يجمل بهواة الدراسة والبحث الرجوع اليه .

وهذا قسم من معارف هذا المؤلف وما فيه يفتقر الى حشد من علماء الآثار والتاريخ والجيولوجيا . . ليكتشفوا النواحى التى تعرض لها فى موضوعاته الأثرية الرائعة .

وكم من دفائن الاحياء من انسان وحيوان ونبات ، ومن دفائن غير الاحياء كأدوات الصناعة والزراعة والقتال - وما الى ذلك من عيون معارف كانت فى يوم زينة حقائق هاتيكم النواحى .

وهذا شأن النواحى الأثرية المجهولة سواها . . وما أكثرها فى الدنيا . . وما أقل ما علمه الانسان منها .

ولو علم هذا الانسان المغرور بصعوده الى الكواكب ، أن فى كل ذرة من ذرات هذه الارض أوقار أسفار من المعارف والعظات والعبر . . الى جانب بلاغات - لو علم - انذار

بسوء عاقبة المنحرفين ، عن الاتجاهات الصحيحة . أدناها الشتات والابادة بذلك ، لهذبه العلم ، وقومه وهداه وصعد به . . الى حياة افضل ، وتفاهم أسلم ، وتشريع أصلح ، وعيش أرغد ، وعلم أوسع ، وايمان أصدق . . بدلا من أن يصعد به الى الكواكب ، وهو ملوث بأوبئة وراثات الغاب ، ثم يعود ، وأوبئته هى أوبثته ! . . اى يعود وهو هو فى أفن غرامه الوحشى الشرس ، وفى أسن أوامه الظامى الى عب الدم . وفى خبث خلقه المتلون ، وفى جشع اطماعه المتآمرة المتربصة . وفى ثورة غرائزه الجارفة التى لم تدع أثرا لايثار الخير ، الا أتت عليه وطمسته .

وما دامت هذه حال الانسان وهو أعلى قمم الحضارة الصاعدة ، فحتما سيكون صعوده الى الكواكب ، صعودا الى الشر لا الى الخير ، والى الكفر لا الى الايمان ، والى انفجار نزوات الغرائز لا الى كبتها . . وفى النهاية صعود الى حرب ذرية هيدروجينية لا تبقى ولا تذر . لا الى سلام دائم كريم كما يتصورون . .

وقد اغتر هؤلاء بعلمهم ، لما صعدوا الى الكواكب ، كما اغتر شيخ كتاب العرب المحدثين السيد مصطفى المنفلوطى بمعاصرية من العلماء فقال :

(( انتقل الانسان بعقله الى العالم العلوى ، فعاش فى كواكبه ، وعرف أغوارها وأنجادها وسهولها ، وبطاحها ورطبها ويابسها , ووضع المقاييس لمعرفة أبعاد النجوم ، ومسافات الاشعة ، والموازين لوزن كرة الأرض : اجمالا وتفصيلا . . ونفذ من بين الاحجار والآكام الى القرون الخالية . . فرأى أصحابها ، وعرف كيف يعيشون ؟ وأين يسكنون ، وماذا يأكلون ويشربون . . ))

والعلماء الراسخون يرون أن الامم الغابرة الذين كفتتهم الارض فى بطنها منذ أبعد الازمان كفاتا ورمت بهم فى مجاهلها وراء أضواء العلم ، لهم حضارات وآثار أجل وأعظم . .

ومع ذلك فقد تصور فريق من أحداث المثقفين ، ما تصوره شيخ كتاب العرب . .

وبالجرى بعد أن شاهدوا رواد الفضاء يصعدون الى سطح القمر . .

وكان من جراء هذا الصعود أن مس ألسنتهم عرام ، من نوازع الكلم فى هوس صبيانى طائش ، كأنه لم يعد فى معارفهم غيوب من معارف الوجود وكأنهم أحاطوا بكل ما كان ويكون سواء فى عالم الذرة على ضيقه ، أم فى عالم الفضاء على سعته ، من قبل تكوينه ومن بعده الى غير نهاية .

ولولا غرور هذا الهوس الصبيانى الأعمى ، أكان يقول جاجارين من قبل : (( فتشت عن الله فلم أجده )) . .

ولو علم المهووس ، انه هو وصواريخه ، لم يزل منطويا فى أقطار الكواكب ، التى منها مجموعتنا الشمسية ، وان النفوذ فى أقطار الكواكب الى أقطار السموات السبع يستنفد مليارات المليارات من الاعوام الضوئية وما يدريك . .

اذن فكم يستنفد من دهور وحقب ، النفوذ الكبير من أقطار السماوات السبع ، ذاتها الى ما وراءهن . . حتى يجعل هذا النفوذ الصغير من جاذبية الارض الى القمر الذى هو بمثابة الأنف من الفم ، يساوى فى نظر واقع العلم اليقينى النفوذ من أقطار السماوات والأرض . .

وحتى يجعل نوازع السنة بعض النافذين هى الحقائق العلمية الواقعية اليقينية التى

لا تقبل التغيير والتبديل . .

ولماذا نذهب بعيدا وهذه الكواكب التى يسميها العلماء المجرة - تشتمل على مجموعات شمسية تفوق العد ، وما بين المجموعة الواحدة والأخرى مثلها مئات المئات من الاعوام الضوئية ، ولو علم المهووس كل ذلك أو بعضه أن يجرأ بمجرد تحليقه على سطح الجاذبية ان يتصور - أنه أتم العوالم كافة ، بحثا وتنقيبا مادة وطاقة طاقة عاقلة وغير عاقلة . . وانه لم يجد الخالق العظيم بينها حتى يؤمن بوجوده - جل وعز - ولعله كان يتصور أن الخالق العظيم هو بعض الحوادث المحصورة فى الجهات الست . . فاذا لم يجده محصورا فيها لا يكون موجودا ، فى زعمه . .

ولا أكتم القراء انى حين سمعت أسطورة (( جاجارين )) هذه ضحكت طويلا حتى ما أكاد أنتهى ! .

وكان الى جانبى الأديب الصديق محمد الكردى ( ١ ) فقال : - ما بك ؟ ! قلت : - لا تؤاخذنى ، هناك أسطورة ، أشبه بهذه خطرت على بالى . قال : - تعنى أسطورة (( جاجارين )) ؟ قلت : - ومن سواه ، وصنوها الاسطورة

القديمة التى نقص أن جماعة من الديدان كن يقطن بعرة تيس ، فى موحل غائص ، الى جانب بعرات متقاربات لتيوس أخر . بعضهن تعلو سطح الموحل . .

وتقص ان دودة منهن تمكنت أن تثقب بعرتها ، وتظهر فوق سطحها وترى بعض البعرات القريبات ، فتسارع فى العودة الى أخواتها وتصيح فيهن : يا أخواتى علمت ما جهلتن ، علمت أنه ليس فى الوجود ! . . الا أنا وأنتن . . !

وضحك الصديق الكردى هو الآخر ، ثم أردف قائلا : يا لله . . علم هذه الدودة كثير بالنسبة لعلم صاحبنا بالخالق العظيم . .

والواقع ان علم أحد المهاويس ، بأم السيد قشطة أكثر ، لما شاهده على شاطئ بحيرته فى حديقة الحيوانات يحاول الخروج من الماء ، وأبصر ذبابة زرقاء تحوم حوله بطنين فتخيلها أمه تحاول انقاذه من الغرق ، فناشد الحاضرين ، مستغيثا صارخا :

يا ناس ! ساعدوا هذه الأم المفجوعة البائسة ، وانقذوا لها ولدها من الغرق ، وازداد صراخا لما شاهده يحاول النزول الى الماء . وهجم ليخترق السياج وينقذه من الغرق . . فأمسكه الحاضرون ، وهم يضحكون . . وأمسكت انا عن مزيد الضحك وتابع الصديق قوله :

- وهل تظن أن علم (( جاجارين )) حين تحدث عن الخالق العظيم ، لا يزيد عن علم هذا المهوس بأم السيد قشطة .

قل : لا لا ! ! ألف مرة . فانك والله لن تعدو الحقيقة .

قلت : لا لا لا ((" وما زلت أقول . . )) ما دام حين ارتفع عن سطح جاذبية كرتنا الارضية تخيل انه اخترق العوالم

كافة حتى نفذ من جهاتها الست ، ثم تابع سيره باحثا منقبا مليارات السنين الضوئية ، حتى لم يفلت من علمه الواقعى اليقينى : لا صغيرة ولا كبيرة من حقائق العوالم المبصرة وغير المبصرة فأعطى حكمه النهائى بقوله :

(( ان العوالم تسير مسيرة عمياء : كخبط العشواء ، وانها لا موجد لها ولا محرك ولا مهيمن لقصد ما من أولها الى آخرها . ))

وما يسميه العلماء قصدا ان هو الا مصادفة . .

وأنا هنا أريد أن أفرض المستحيل ، وأقول : (( تصوروا أن هذا الشخص عاش حقيقة مليارات الاعوام ، وانه حاز كل الوسائل العلمية المخترعة والتى لم تخترع . . بعد . . وأنه يفلت منه أى كائن من كائنات المادة ، وأى كائن من كائنات الطاقة . . الا أحاط بواقع علمه اليقينى

قبل تكوينه وبعده زمانا ومكانا وعملا وغاية ونوعا وعمرا . . الى كل ما يتصل به مما يعجز الفكر تعداده . .

١ - فهل من موجبات علمه بكل ذلك أن تكون هى موجودة ذاتها ، ومهيمنة على ذاتها ومريدة لما يكون منها من قبل وجودها ومن بعده ، وأنها لا موجد لها ، بل جاءت بها المصادفة على ما شاءت أن تجئ بها ، وهى تبقى بالمصادفة وتنتهى بالمصادفة ، وتصنع ما تصنع بالمصادفة .

وهنا لا بد أن نقول مرارا : (( متى كان العلم بدقائق المصنوع بدعا ونهاية وذاتا وعملا ومكانا وزماننا وبساطه وتركيبا يوجب نفى الصانع فى واقع العلم اليقينى ، اذا كان الامر كذلك فمركونى ، يجب أن

لا يكون هو صانع (( التليفزيون )) ويجب أن يجحد وجوده نزولا على حكم هذا الهوس .

واذا قالوا السبب هو عدم احاطة العلم بحقائق المصنوع كان هذا القول أوهن من القول الاول . لأن كل علماء الكرة الارضية يجهلون مادة التحنيط المصرى القديم : التى حفظت جثث الفراعنة من الفناء ، ومع ذلك لا يجحدون أنها من صنع قدماء المصريين .

واذا قالوا : السبب لا هذا ولا ذاك ، بل هو الجهل بحقيقة ذات الموجد كان هذا القول مضحكا للغاية ، وصبيانيا للنهاية .

اذ لو كان الجهل بكنه ذات الموجد يوجب نفى وجوده . . اذن لوجب ان ننفى ذات المغناطيس على الرغم من كثرة الشواهد الناطقة بوجوده واذا سئلنا عن السبب الذى جعلنا ننفى وجوده أجبنا هو جهلنا بكنه ذاته . . واذا تداركوا الامر وقالوا نحن نؤمن بذات المغناطيس لأنا نشاهد آثاره عيانا . . . قلنا : (( قاتلهم الله وأعمى أبصارهم كما أعمى بصائرهم )) أما تكفيهم كل هذه العوالم الهائلة دلائل صارخة على وجود موجدها جل وعز .

(( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل والنهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره )) ( الاله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) ( ٧٥-٥٤ ) .

ولكن هؤلاء النماردة العنزيون الملاحدة يقولون :

نحن لا نستدل على وجود الذات بآثارها وان بلغت عدد ذرات الوجود . .

بل لا بد من امساك الذات عينها فى المعمل ودرسها تحليلا وتركيبا وقدما وحدوثا حتى نمنحها نعمة الايمان بوجودها . .

وهذا رأى خنفشارى قديم . . أكل الدهريون على سماطه وشربوا : (( ذكروا أن أستاذهم الأعظم الخنفشار كان يجحد وجود الهواء . . ويقول : (( أنا لا أؤمن بوجود ذات - مهما تكن - الا اذا أبصرتها بعينى أنا . . وأمسكتها بيدى أنا . . وحجزتها فى جرابى هذا ، وحبستها فى منزلى ، بين سمعى وبصرى . ))

فتماسكوا عن الاغراق فى الضحك وقالوا : ويحك هذا الهواء يملأ منزلك ، فان لم تؤمن بوجوده هنا ، فاذهب وآمن به هناك . .

فصرخ مغضبا : (( قلت كلمة عالم راسخ ، اذا لم أحجزه كله فى جرابى هذا ، كما أريد أنا تأييدا لواقع العلم اليقينى ، وهدما لوهم الجهل التلقينى - لا كما تريدون أنتم - فلن أمنحه نعمة ايمانى العزيز بوجوده لا هنا ولا هناك وأنتم بعد أحرار . . ثم فتح جرابه وانحنى ومد يده ليجمع الهواء فيه . بكل ما يملك من عزيمة وصرامة . . وهنا أمسكوا فلقات القهقهة وتظاهروا بجد القول : ويحك تريث ، انك ان فعلت ذلك هلك الناس جميعا . .

فصرخ فى وجوههم والحمم يتطاير من أسارير وجهه وقال : (( فليهلكوا . . ألا يكفيهم ايمانى . . ؟ ! ! ))

اشترك في نشرتنا البريدية