محمد سعيد العامودى من اعلام النهضة الادبية الحديثة فى المملكة العربية السعودية ، ومن الرعيل الاول الذى أسهم فى بناء شعبه وأمته ثقافيا وفكريا واجتماعيا طيلة نصف قرن من الزمان .
فهو كاتب وأديب وشاعر وصحفى معروف ، له مقالاته فى الصحف والمجلات العربية منذ أكثر من اربعين عاما ، وله بحوثه ودراساته الأدبية الذائعة . .
وقد تولى رئاسة تحرير جريدة (( صوت الحجاز )) التى صدرت عام ١٣٥٠ ه فى
فترة من فترات حياتها الصحفية ، وهى التى صدرت منذ عام ١٣٦٥ ه باسم صحيفة (( البلاد السعودية )) ولا تزال تصدر حتى اليوم . ومنذ أول عام ١٣٨٠ ه تولى رئاسة تحرير مجلة (( الحج )) الذائعة التى تصدر شهرية فى مكة المكرمة منذ عام ١٣٦٦ ه ، ولا تزال تصدر حتى اليوم .
وتولى كذلك منذ سنوات رئاسة تحرير مجلة (( رابطة العالم الاسلامى )) التى تصدر فى مكة المعظمة منذ عام ١٣٨٣ ه .
وشعر العامودى الغنائى الرفيع ممتاز
أسلوبا وألفاظا ومعانى وأخيلة وأفكارا ، ونماذجه العالية يستشهد بها الادباء والنقاد فى مختلف دراساتهم وبحوثهم ، على تطور الشعر الحديث فى المملكة العربية السعودية .
ولا عجب فى ذلك ، فالعامودى شاعر أصيل موهوب ، عريق الشاعرية ، ورسالته ايقاظ الوعي الفكري فى بلاده .
يقول الاستاذ الكبير عبد القدوس الانصارى صاحب مجلة (( المنهل )) الادبية الذائعة التى تصدر من جدة فى تصويره للكتاب : (( ان العامودى فى طليعة الرواد بالنسبة للأدب الحديث فى هذه البلاد , وهو من بناته الاوائل ، وواضعى أسسه ورافعى راياته فى الآفاق ، وهو مخلص لفنه وفكره وثقافته ، يرضى ضميره وتفكيره ، ويتعمق فى مطالعاته ، ويستلهم كل ذلك فيما يكتب . وبذلك كله استوى له ما أسميه (( كفتي العمق والاتزان )) وفى الحق أن بحوثه فى التاريخ والاجتماع والصحافة والثقافة بحوث ممتعة مفيدة )) ا ه
والعامودى - مع ذلك - كان عضوا فى مجلس الشورى ، وفى كثير من الهيئات الثقافية والادبية والاجتماعية فى بلاده . وأثره الكبير على النهضة فيها أثر لا يمكن تجاهله ، أو التقليل من دوره في الحياة فيها . .
والعامودى عربى يحب أمته العربية حبا شديدا ، ويعتز بماضيها المجيد ، وتاريخها التليد . وهو يرى أن العرب انما اكتسبوا خصائصهم الفكرية والذاتية بالاسلام ، وليست حضارة العرب فى رأيه - تلك الحضارة التى ملأ حديثها الدنيا ، وشغل الناس - سوى حضارة الاسلام ، فهى
حضارة اسلامية فى الصميم ( ص ١١٤ من الكتاب ) .
وألاحظ أنا أن أكثر المستشرقين والمؤرخين الاوروبيين حينما يذكرون الحضارة الاسلامية يطلقون عليها اسم (( حضارة العرب )) لانهم لا يطيقون ذكر الاسلام على ألسنتهم ، ولا يريدون أن يعترفوا له بأثر . . غوستاف لوبون ألف كتابه المشهور ، وسماه حضارة العرب ، ويتابعه فى ذلك أكثر كتابنا . محمد كرد علي وكتابه الحضارة العربية أمرهما ذائع ، ويقولون (( اثر العرب فى الحضارة الأوربية )) كما فعل العقاد فى كتابه المشهور بهذا الاسم ، وكما فعل سواه من باحثينا المعاصرين الذين يتابعون المستشرقين بتجاهلهم الحضارة الاسلامية تجاهلا مبعثه حقدهم على الاسلام .
ويلحظ ذلك العامودى بعينه الثاقبة ، وذهنه العميق ، فيقول فى كتابه فى ايجاز بليغ : (( قد يكون اطلاقهم لها هذا الوصف بسبب أو أكثر ، غير أن هذا لا يعنى فيما يبدو لنا انهم ليسوا معنا فى انها اسلامية فى الصميم . ))
انهم يتجاهلون أن الحضارة الاسلامية هى أثر من آثار الاسلام وحده ، وأن العرب لم يكن لهم تاريخ مذكور ، وشأن مقدور ، الا بالاسلام أولا وأخيرا .. وقد وصف ابن خلدون طبيعة العربى وصفا دقيقا فى مقدمته ، وتحامل على العرب تحاملا كثيرا ، وهو يريد العرب قبل الاسلام ، ويريد ان يقول : ان مزايا الشعب العربى الحضارية العظيمة انما اكتسبها بالاسلام ، والا فليس له قبل الاسلام كبير أثر على الحياة والحضارة والعلم .
ان الامة العربية احتلت مكانها العظيم ، ومنزلتها المرموقة فى التاريخ والفكر والحضارة بالاسلام ، الذى قادها دائما الى الصدارة ، ومنحها كل المقومات الادبية كزعامة الانسانية قرونا وأجيالا طوالا .
ويتضح من كتاب العامودى الذى بين ايدينا (( من تاريخنا )) والذى ندرسه ، حبه الشديد للعرب وللاسلام وللثقافة ، هذا الحب الذى ملأ جوانح قلبه ، وملك عليه كل جوانب حياته الخصبة المنتجة البانية .
كتاب : (( من تاريخنا )) هو فى مضمونه اذن حديث متصل واضح ، مترابط الفكرة ، متآخى النغمات ، منسق المنزع ، متآلف الهدف والغاية .. حديث متسلسل عن العرب وحضارتهم وتاريخهم وثقافتهم .
ومع أن الكتاب فصول عديدة ، كتبت فى أوقات متباعدة ، مناسبات مختلفة ، ونشرت فى الصحف والمجلات ، الا أن هناك بين جميع بحوثه وحدة فكرية أو عضوية ظاهرة ، كما ذكرنا .
فالمؤلف فى كتابه انما يتحدث عن أمته
العربية وتاريخها ومجدها وحضارتها وثقافاتها التى كانت لها بالاسلام وبفضله الكبير .
وقد لاحظ المؤلف فى مقدمته للكتاب ذلك ، فقال عنه : انه الى الكتب المستقلة ذات الموضوع المنسق أقرب منه الى ما يسمونه (( كتب المجموعات )) .
وأسلوب المؤلف فى كتابه أسلوب ادبى ناصع مشرق ، يتسم بالبلاغة والدقة والبساطة وحسن التناول لافكاره وموضوعاته . وهو أسلوب يأخذ من الادب البلاغة والبيان والفصاحة ، وينهج نهج الاسلوب الصحفى ، فى جمال العرض وحسن التصوير ، وروعة التعبير ، وشدة التأثير .
انه أسلوب يكاد ينفرد به العامودى من بين أدباء النهضة الادبية الحديثة فى بلاده ، وأساسه البلاغة الادبية والوضوح والبساطة التعبيرية جميعا .
وفى الكتاب بحوث جليلة عن التاريخ العربى الاسلامى فى أزهى عصوره ، فقد تحدث عن سياسة المال فى عهد عمر فى صدر الكتاب فى اكثر من عشر صفحات ( ٢١ - ٣٣ ) ، وعن عمر والضمان الاجتماعى فى نحو سبع عشرة صفحة ( ٣٥ - ٥٢ ) وعن أوليات عمر فى عشر صفحات ( ٥٥ - ٦٤ ) .
ودرس فيه عدة كتب فى الحضارة العربية وتاريخ العرب ، ومجدهم العظيم دراسة نقد وتحليل واستنباط للعبرة منها :
درس كتاب : (( العرب - تاريخ موجز ))
لفيليب حتي ، فى استيعاب وشمول ودقة ( ٨٥ - ٩٤ )
ودرس كتاب (( قادة فتح العراق والجزيرة )) الذى ألفه محمود شيت خطاب ، دراسة ناقد بصير خبير بالعبرة من قراءة مثل هذا الكتاب النفيس ( ٩٧ - ١١٠ )
ودرس كتاب : (( العناصر النفسية فى سياسة العرب )) الذى ألفه شفيق جبرى دراسة عميقة فاحصه ( ٦٧ - ٨٣ ) .
ويقف أمام كتاب (( المثل الاعلى للحضارة العربية )) وقفة طويلة ( ١١٣ - ١٢٤ ) يدرسه وينقده ، ويستشهد بآراء مؤلفه محمد يحيى الهاشمى ، ويعرض لكل ما احتوى عليه من أفكار عرض المفكر المسجل المعتز بأمته وتاريخ بلاده العظيم .
وكتاب : (( المسلمون فى الهند )) الذى ألفه أبو الحسن الندوى يدرسه دراسة عميقة ، ويعرض أهم آرائه ، ويكشف عن أثر الاسلام الحضارى والروحى والفكرى فى الهند . وقد ألف فى هذا الموضوع كتب كثيرة من بينها كتاب الاستاذ الشيخ عبد المنعم النمر ، وهو بهذا العنوان أيضا ، ويحتوى على دراسات قيمة لتاريخ الاسلام فى الهند ، كشف فيها النقاب عن ماضى وحاضر الاسلام فى الشعب الهندى العريق .
وكتاب آخر هو : (( الموالى فى العصر الاموى )) تأليف الاستاذ الشيخ محمد الطيب النجار يحلل تحليلا دقيقا ، ويعرض لأفكاره العامة عرضا مناسبا ( ١٢٧ - ٦٢٣ )
وكذلك درس العامودى كتاب (( طه حسين والشيخان )) تأليف الاديب الاستاذ الوزير محمد عمر توفيق دراسة شاملة مستوعبة .
وقد خص كتاب (( تاريخ مدينة جدة )) تأليف الكاتب الاستاذ الكبير صاحب (( المنهل )) الغراء ، عبد القدوس الانصارى بدراسة طويلة ، عرض فيها لأهم جوانب الكتاب وأفكاره التاريخية ، وما يتصل بمدينة جدة وتاريخها الحافل ، بالتحليل والمناقشة والتفسير ، وقد اقتضى الامر اثبات رد الاستاذ الانصارى على ما جاء فى هذه الدراسة من نقد فى ذيل هذه الصفحات ، وهو نقاش علمى حافل مثير بين علمين من اعلام الفكر والادب فى المملكة العربية السعودية ، وليس من نصيبى - فى هذه الصفحات القلائل التى أعرض فيها لدراسة كتاب شيخ الادباء المخضرمين العامودى - أن أناقش آراءهما مناقشة مستفيضة ، فلذلك موضع آخر ان شاء الله .
ان هذه الدراسات العديدة ، وذلك النقد المثير ، اللذين اشتمل عليهما كتاب (( من تاريخنا )) كثيرة ، للتأمل والبحث ، لما يتسمان به من دقة وشمول واستقصاء وعمق . ومنهج المؤلف فى هذه الدراسات وذلك النقد منهج علمى نحترمه ونقدره ، فليس هو ممن يهدفون الى التخطئة والخصومة الفكرية وحدهما ، وليس هو ممن يعمدون الى المدح والتنويه فحسب ، ولكنه يريد من هذه الدراسات التحليل والنقد جميعا . ان النقد عنده تفسير وشرح وتحليل قبل كل شئ ، وهو منهج النقاد المنصفين فى الشرق والغرب على السواء .
وفى آخر الكتاب يعرض العامودى الناقد للحروب وهل تطوى الحضارات ؟ عرضا شيقا جديدا . .
وعن بلاده (( المملكة العربية السعودية ))
عرض لتاريخ الصحافة فى بلاده من بحثه القيم (( من تاريخ الصحافة فى بلادنا ))
( ١٨٧ - ١٩٩ ) . . ودرس شاعرين من شعراء أوائل عصر النهضة فى بلاده وهما :
الاشرم ( ١٢٧٨ - ١٣١١ ه ) والأسكوبى ( ١٢٦٤ - ١٣٣١ ه ) دراسة نقدية ضافية .
ان هذه البحوث والدراسات لتعد جديدة فى المنهج والاتجاه ، وهى دراسات مضيئة تكشف لنا عن جوانب أصيلة من تاريخ الاسلام والعرب والثقافة فى القديم والحديث . . وللعامودى فضل وأى فضل بما كتب عن هذه الجوانب جميعها فى هذا الكتاب القيم .
بحوث المؤلف فى كتاب (( من تاريخنا )) عن عمر بن الخطاب فيها أصالة الباحث ودقته وعمقه وأمانته . وعمر مفخرة الانسانية كلها ، مفخرة الاسلام والعرب جميعا ، وأعماله وجلائل آثاره ، والصفحات الناصعة التى كتب تاريخها ، مملوءة بعظائم الاحداث ، وجلائل الافكار ، فى تاريخ الاسلام والعرب والحضارة الانسانية .
وما أعظم مراقبة عمر لله فى شعبه وولاته ، حتى لقد قال فى آخر سنة من خلافته كما يقول المؤلف : (( ان عشت لأسيرن فى البلاد حولا ، فأقيم فى الشام ومصر والبحرين والكوفة والبصرة وغيرها ، فانى أعلم أن للناس حوائج تقطع عنى ، أما هم فلا يصلون الي ، وأما عمالهم فلا يرفعونها الي )) .
وحديث المؤلف عن عمر وعظائم صنيعه فى بناء كيان الامة الاسلامية حديث هو أكبر من أن ننوه به ، أو نثنى عليه .
وفى دراسة لكتاب فيليب حتي (( العرب - تاريخ موجز )) يعرض لأفكار المؤلف وينقد آراءه التى تتفق مع الحقيقة والتاريخ .
يقول فيليب حتي - كما يذكر العامودى - : (( انه بينما كان فلاسفة العرب مكبين على دراسة تآليف أرسطو كان شارلمان ورجال بطانته يحاولون اتقان كتابة أسمائهم ، وبينما كان علماء العرب فى قرطبة يترددون على خزائن كتبها السبع عشرة ، ويعودون الى بيوتهم فيتنعمون بالاستحمام فى حمامات بلغت الغاية فى النظافة والاناقة ، كان الاساتذة فى اكسفورد يستنكرون الاستحمام ويحسبونه من ملذات العيش الشهوانية , التى يجب الترفع عنها - ص ٨٧ من الكتاب .
وينقل عن حتي كذلك أن الاطباء الرسميين فى بغداد بلغ عددهم عام ٩٣١ م ( ١ ) ٨٦٠ طبيبا ، وكان يفرض على الصيادلة والاطباء منذ زمن المأمون والمعتصم اجتياز امتحان خاص ، وقد أجرى لهم سنان بن ثابت بن قرة امتحانا بأمر الخليفة ( ص ٨٩ )
كما ينقل عنه فى مكتبة الاسكندرية وقصة احراق العرب لها أن مصدرها الخيال لا الحقيقة . وان الواقع أن المكتبة أحرقها يوليوس قيصر سنة ٤٨ ق . م
وينقد المؤلف فيليب حتي فيما ذهب اليه من أن رسولنا العربي صلى الله عليه
وسلم لم يسمه بمحمد الا القرآن ، كما ينقده فيما وصف به الحسن بن على من أن تنازله عن الخلافة لمعاوية كان لشغله بالدنيا والترف ( ص ٩١ ) ، وفيما ذكره من أن الفقه الاسلامى متأثر بالنظام اليونانى والرومانى ( ص ٩٣ ) ، وقد نقد هذا الرأى كثير من الباحثين والعلماء , وأبانوا انه خطأ واضح ، الباعث عليه التحامل على الاسلام .
ودراسة المؤلف لكتاب (( قادة الفتح )) تنم عن اعجابه به ، وبما تضمنه من أفكار ، اعجابا شديدا . وقد ضرب قادة الفتح الاسلامى فى كل مكان أروع الامثلة على عظمة المبادئ التى حملوها ونشروها فى العالم .
وفى الحقيقة اننا يجب علينا أن نمثل حياة وعبقرية هؤلاء الفاتحين القادة العظام فى كل جوانب حياتنا الحاضرة فنحن خلفهم ، ودماؤنا منهم ، وأفكارنا ومثلنا مشتقة مما شرعه الاسلام لهم ولنا .
وكم اود أن تسمى كلياتنا الحربية بأسماء خالد بن الوليد ، والمثنى بن حارثة الشيبانى ، وطارق بن زياد ، ومحمد بن القاسم ، وموسى بن نصير ، هذا القائد البطل الذى أذله الخليفة الاموى سليمان بن عبد الملك بعدما نال من انتصارات خالدة على طول الزمان ، فحبسه وعذبه ، ورؤى فى آخر حياته مستعطيا ، ولا يفسر لنا المؤرخون سر هذه النقمة التى حاقت به من الخليفة ، ولا أجد تفسيرا لها الا أن يكون الخليفة قد حسده بطولته ومجده وانتصاره ، وخافه على نفسه وعلى كرسيه . .
وكذلك ما أحرانا أن نسمى كلياتنا الطبية بأسماء ابن سينا والرازى وابن زهر ، وغيرهم .
ومن عجب أن توجد فى أمريكا كلية طب تسمى ابن سينا ، ولا نفعل نحن العرب المسلمين ذلك فى بلادنا الاسلامية ، والحسن بن الهيثم أعظم الرياضيين المسلمين فى القرن الرابع والخامس ما أجدرنا أن نسمى احدى كلياتنا الهندسية باسمه فى أى بلد عربى . . وكذلك الخوارزمى والبيرونى وغيرهما .
لقد كان طاغور - كما ينقل لنا العامودى عن كتاب (( المثل الاعلى للحضارة العربية )) يرى لحل الازمة الهندية فى حياته ان يدرس الهندوس الكتب العربية ، لفهم الروح الاسلامية بطموحها وتساميها فهما حسنا ، ويعلق على ذلك صاحب كتاب (( المثل الأعلى )) فيقول : فأحرى بنا أن نقوم بمثل هذه الدراسات لاننا أحق الناس بهذا التراث من باقى الامم - ص ١١٦ .
وفى رأيه أن الايمان الروحى ومراعاة الجانب الانسانى والتزامه من أهم خصائص الحضارة الاسلامية .
والاستاذ العامودى ينوه بمفاخر أجداده العرب فى بناء الحضارة الانسانية ، ويضرب بها المثل ، ويراهم أعظم الشعوب ذكاء وأصالة وعبقرية . .
وفى بحثه عن كتاب (( المسلمون فى الهند )) ( ١٢٧ - ١٤٦ ) يوضح لنا الدور الثقافى والفكرى والحضارى للاسلام والمسلمين فى الهند ، وأثرهما الكبير فى حياة الشعب الهندى الذى اكتسب من المسلمين خبرة فى التفكير ، واتساعا فى الخيال ، ومعانى جديدة فى الادب والشعر لم تكن تخطر على بال أحد . على أن فتوح الاسلام فى عالم الافكار فى بلاد الهند أوسع وأعظم منها فى حقل السياسة , وحضارة الهند فى عصور الحكم الاسلامى
كانت مضرب المثل فى التاريخ . . ويذكر العامودى - نقلا عن (( المسلمون فى الهند )) ما صنعه العلماء المسلمون فى هذه البلاد من صنيع مشكور فى احياء الثقافة الاسلامية وعلومها فى بلادهم ، وينوه بكتاب (( معجم المصنفين )) للتونكى ( ١٣٦٦ ه ) الذى ألفه فى ستين مجلدا واحتوى على عشرين ألف صفحة ، وأربعين الف ترجمة .
وفى بحث العامودى (( من نوادر المخطوطات )) يشير الى كتاب مخطوط للشيخ عبد الستار الدهلوى ، وعنوانه (( موائد الفضل والكرم الجامعة لتراجم أهل الحرم )) ، وبهذه المناسبة يتحدث عن كتاب الفاسى المؤرخ ، وعنوانه (( العقد الثمين فى تاريخ البلد الامين )) ، ويقع فى ثمانية مجلدات تشتمل على أربعة آلاف ترجمة ، كما يتحدث عن كتاب (( الاعلام )) للقطبى وهو من علماء القرن العاشر الهجرى . .
ويتجلى فى هذا البحث غيرة العامودى على تراث العرب والمسلمين الثقافى والدينى والحضارى . .
وفى بحث عن (( تاريخ الصحافة فى بلادنا )) ، يشير الى الصحف السعودية التى كانت تصدر من قبل ، ومن بينها :
جريدة الحجاز ١٣٢٦-١٣٣٤ ه جريدة الصفا ١٣٢٧ ه جريدة الاصلاح ١٣٢٧-١٣٢٧ ه جريدة شمس الحقيقة ١٣٢٧-١٣٢٧ ه جريدة القبلة ١٣٣٤ ه جريدة بريد الحجاز ١٣٤٣ ه جريدة أم القرى ١٣٤٣ ه مجلة الاصلاح ١٣٤٧-١٣٤٩ ه
صوت الحجاز ١٣٥٠ ه ، وقد أبدلت باسم (( البلاد السعودية )) منذ عام ١٣٦٥ ه ثم ظهرت مجلة (( المنهل )) عام ١٣٥٥ ه وجريدة (( المدينة المنورة )) عام ١٣٥٦ ه فمجلة (( الحج )) عام ١٣٦٦ ه
وهذا كله نقلا عن بحث للاستاذ رشدى ملحس ، كما يذكر لنا الاستاذ العامودى .
أما دراستا العامودى فى كتابه عن الشاعرين المشهورين : الاشرم ( ١٢٧٨ - ١٣١١ ه ) ، والإسكوبى ( ١٢٦٤ - ١٣٣١ ه ) ، فهما مختارتان حقا ، ولعلك تعلم أيها القارئ ان الأشرم الذى مات عن ثلاث وثلاثين سنة كان من أشهر الشعراء فى عصره فى فن الغزل وكان يقال له :
( متنبى زمانه ) . أما الاسكوبى فكان يعاصر البارودى رائد الشعر الحديث ، وله قصيدة رائية مشهورة تعد أول قصيدة من الشعر السياسى فى الشعر الحديث فى هذه البلاد كما يذهب اليه الاستاذ عبد القدوس الانصارى ، وهى بحق تدل على شاعرية أصيلة موهوبة .
ويصف العامودى الشعر فى الحجاز فى العصر الماضى ، آخر عصر العثمانيين وحكمهم فى الحجاز ، وتخلفه فى هذه البلاد وصفا دقيقا - ص ٢٠٣ .
أما البحث الاخير من الكتاب : (( هل الحروب تطوى الحضارات ؟ )) فهو بحث ذو أهمية كبيرة ، وفيه يرى العامودى أن الحضارة انسانية متجددة نامية ، تنتقل من مكان الى مكان ، وتهاجر من شعب الى شعب ، وهو يقول : (( ان الحروب تساعد بطبيعتها على سرعة انتقال الحضارة من
بلاد الى بلاد )) والبحث قيم وعميق ، وفكرته الاساسية دقيقة ويجب ان نتأملها تأملا شديدا . .
وبعد . . فماذا أقول عن هذا الكتاب الجليل . . من تاريخنا ؟ وعن مؤلفه الاديب المفكر الحكيم الانسان ، الذى أسهم فى صنع نهضة فكرية ، لا فى بلاده فحسب ، بل وفى العالم العربى أيضا ، عن طريق مجلة الحج الزاهرة ، التى كونت لها مدرسة عقلية فى الادب الحديث ، مدرسة متميزة بخصائصها واتجاهاتها وافكارها خلال خمس وعشرين عاما تصدر فيها المجلة بانتظام ، ويكتب اليها فحول من كتاب العالم العربى وادبائه وعلمائه .
ان العامودى مثل فذ فريد فى تاريخنا الادبى المعاصر ، وكتابه (( من تاريخنا )) هو أولا وأخيرا كتاب عن حضارة العرب والاسلام ، وعن التاريخ الاسلامى المجيد ومواقفه الخالدة ، وهو صور رائعة من نضال العرب الانسانى فى سبيل تأثيل الحضارة والعلم والمعرفة واثراء الانسانية بقيم وأصول رفيعة ، قامت عليها دولة المسلمين التى امتد نفوذها وسلطانها الى كل مكان والتى ندعو الله ان تشرق شمسها من جديد فى أفق الحياة العالمية مرة اخرى , لتبدد ظلمات الحضارة المادية الغربية ، وتزيل ظلماتها من آفاق الانسانية المتدجية بالظلام فى حاضرنا القلق الحائر الملبد بالغيوم الذى لن تتجلى غياهبه الا بالاسلام أولا واخيرا .
( الرياض )
