الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

حديث بوذا

Share

بوذا - قال بوذا لتلاميذه : إنى سأحدثكم اليوم عن موضوع لم اتحدث فيه للناس من قبل .

التلامذ فما عسى أن يكون هذا الموضوع ؟ قالوا ذلك وقد اشرأبت أعناقهم ، وشخصت أبصارهم ، يتشوقون الى ما سيظهر به عليهم معلمهم الاكبر .

بوذا - لا داعى للجزع ، ولا الى الالحاح فى التطلع ، انما هو حديث كهذه الاحاديث التى ألقيها فيكم بين حين لآخر . شئت اليوم أن أحدثكم عن البطولة ، وأبين لكم رأيى فى هذه الظاهرة الانسانية التى ما تزال خفية عن عقولنا ، تصنع بنا الاعاجيب ، وتغير من أحوالنا ما تغير ، وتوجه مسار الأحداث والحوادث ، ولكننا لا نجد لها كنها ، ولا نفقة لها تفسيرا ، . فمن أين تنشأ البطولة ؟ وما هى الظروف التى تتجمع فتكون البطل ؟ . بل ما هى العوامل والاحداث التى تخلق بطلا معينا ، وبطولة معينة ؟ ثم لماذا يظهر البطل فى مكان دون آخر ؟ وفى زمن محدد لا يتقدم عنه ولا يتأخر ؟ وما سر هذا التنوع فى البطولات من بطولة دينية ، الى بطولة سياسية ، الى بطولة فى الفلسفة ، أو فى العلم . ؟ أو فى الادب ؟ .

لا شك أن كثيرا من الناس قبلنا قد فكروا فى هذا الامر ، ولا ريب كذلك أن سيأتى آخرون فيفكروا فيه أيضا ، وما أظن الناس سينتهون الى رأى ويستقرون عند قرار . فالبطولة ظاهرة من أغرب الظواهر البشرية , متنوعة ، مختلفة باختلاف الابطال الذين تتقمصهم أو يتقمصونها ، ومختلفة كذلك باختلاف البيئات ، والامكنة والعصور ، والامزجة الاجتماعية والحضارية .

أحد التلاميذ - بيد أن أهم القضايا فى هذا الشأن هى : هل أن البطولة تصنع الاحداث ، أم أن الاحداث هى التى تصنع البطولة ؟

بوذا - إن هذه أيضا قضية كبرى من قضايا البطولة ، طال تفكيرى فيها . فنحن نرى أن الناس يختلفون كثيرا ، فريق يرى أن الاحداث هى التى تصنع البطل ، وآخررون يجنحون الى أن البطل هو الذى يصنع الاحداث ، ولكن يبدو الى أن كلا من الفريقين كان على حظ من الصواب ، وكان على حظ من الخطا أيضا ؟

أنندا - ولكننا نرى أن الذين يفسرون البطولة على أنها مخاض أحداث ، وأن البطل عصارة تلك الاحداث هم الذين أقتربوا من الحق فى هذه القضية .

بوذا - ولكنكم لا تكرون أيضا أن البطل يصنع الاحداث ، وينشئ التاريخ ؟

التلاميذ - نعم . نحن نؤمن بهذا أيضا .

بوذا - وإن تلك الاحداث التى يصنعها البطل تنضج وتبعث الى الوجود بأبطال آخرين ، وتلك هى سنة الجدل فى التاريخ .

انندا - اذن فان الفريقين جميعا على حق ، وأن القضية قضية تفاعل ينصهر بميلاد البطل .

بوذا - إن الفريقين على حق إذا آمن كل منهما بما يؤمن به الآخر ، أما إن ظل كلاهما مستمسكا بنصف الحقيقة ، فان ذلك هو الخطأ ، وإن مذهبى فى هذه القضية أن أجمع بين الرأيين .

التلاميذ - وبماذا - أيها المعلم - تفسر التنوع فى البطولة ؟ فقد أخبرتنا أن البطولات ضروب .

بوذا - هناك بطولات عديدة أخرى ، لم أذكرها لكم : هناك بطولة للحرب ، وبطولة للسلم ، وهناك بطولة للفضيلة ، بل هناك بطولات للرذائل أيضا , بطولات فى القسوة ، والعنف ، والاحتيال ، والخداع . هناك بطولات للخير , وهناك بطولات للشر والدمار ، ولكننا درجنا على أحتقار هذه الانواع من البطولات ، وحجبنا مظاهر العبقرية فيها ، وهى نوع من البطولة على كل حال ما دامت الرذيلة فضيلة ناقصة كما يقول المتفلسفون . فلنقل إنها بطولات كان يمكن أن تكون نبيلة ، وكريمة ، ولكنها شوهت ، وإن أرى أن تشويهها لا يفقدها صفة العبقرية ، ولا معنى النبوغ .

أنندا - إنك لم تجبنا بعد عما طلبنا اليك ، فنحن نعرف أن البطولة بطولات , ونحن لم نسألك أن توضح لنا سر الانحراف بالبطل من الاستقامة الى الزيف ، ولكننا نريد أن نقف على سر هذا التنوع الغريب فى البطولة الحق ؟

بوذا - إن الذى يحدد البطولة هى حاجة الناس الى بطل معين . فأحيانا يحتاج الناس الى بطل دينى فيظهر نبئ يقوم ما انحرفوا فيه ، ويوضح ما ألتبس ، وأحيانا يحتاجون الى بطل سياسى أو عسكرى فيظهر لهم هذا البطل . وأحيانا يحتاجون الى بطولة فكرية حين تستقر بهم الاوضاع , ويلتفتون الى الترف العقلى ، فيظهر لهم من ذلك ما يريدون.

الاتباع - إن تفسيرك للبطولة على هذا النحو أمر غريب ، فليس أسهل على الناس من أن يرغبوا فى ظهور بطل معين حتى يظهر لهم هذا البطل وقد صنع لهم كما يشاؤون .

بوذا - إنكم لم تفهموا ما أعنيه من قول (( حاجة الناس الى بطل معين )) . فان الحاجة عند الناس لا تأتى عفوا ، وإنما الحاجة هى أزمة حضارية . فالبطولة دوما مخاض لأزمة حضارية ، وما دامت الازمات فى الحضارة تختلف باختلاف الطابع الحضارى الذى تنشأ فيه ، فان البطل يكون من نتاج تلك الحضارة التى تأزمت . ومن هنا نرى الناس فى هذه المرحلة الدقيقة من تأزم الاوضاع الحضارية يطلبون ما يسمونه - المخلص - أو البطل ، ويتشوفون اليه , ويتهيؤون لمناصرته ، وقد يفجؤون هذا المخلص بظهوره فيسير مع أهوائهم ، ويحقق احلامهم ، وقد يعاكس رغباتهم فيدفع الحضارة دفعا آخر ، ويتجه بالناس اتجاها لم يألفوه ، وتلك هى البطولة . ومن طبيعتها أن تحرك الاحداث ، وتبعث بها زوابع ، فتستيقظ الحياة بعد أن ران عليها السكوت والخفوت والخمول . فان لم تفعل ذلك فليست من البطولة الحق ، وليس أبطالها إلا مزيفين .

التلاميذ - وهل هناك مقياس نتبين به البطولة الصادقة ، من البطولة الكاذبة ؟ . إن البطولة الكاذبة تدعى لنفسها ما تدعيه البطولة الصادقة ، فمن أين لنا أن نهتدى الى الحقيقة ، وقد يسير الناس وراء هؤلاء الابطال المزيفين ، يهتفون لهم ، ويلتفون حولهم ، ويتبعونهم على عمى ، ولا يكتشفون زيفهم وخداعهم الابعد أن يكونوا قد دمروا ما دمرروا ، وعصفوا بما شاء لهم الله أن يعصفوا . وإن الناس بحاجة الى هدايتك - يا سيدنا - تنير لهم الطريق , وتجنبهم الخديعة والمكر .

بوذا - إنى لا أملك هذا المقياس الذى تبحثون عنه ، ذلك أن البطل الزائف ذكى وعبقرى فى زيفه ، سوف لن يترك لأحد أن يكتشف أمره حتى تشتد سواعده ، ويقوى متنه ثم يكتشف عن أنيابه الحادة المخيفة ، ويومئذ لن يكون الخلاص منه سهلا ، ويومئذ يصبح على الناس كابوسا يصيب حياته بالتمزق ، فالقلق ، فاليأس . ومع ذلك فلا مناص من أن يتعلم الناس المقياس الصحيح لمعرفة هذا النوع من البطولة ، وهذا النوع من الابطال .

التلاميذ - أمتدت أعناقهم فى تطلع ملحاح وهتفوا بصوت واحد ، ما هو ، ما هو المقياس الصحيح يا سيدنا ؟ ؟ ؟

بوذا - ليس هذا المقياس عندى ، وإنما هو عندكم .

التلاميذ - عندنا نحن ! كيف ؟

بوذا - نعم : عندكم أنتم ، إنه التجربة . لا مفر لكل أمة من أن تجرب البطولات الصادقة ، والكاذبة على السواء ، ويومئذ تكتسب قدرة التمييز بين بطولة صادقة فتمد لها فى الحياة ، وأخرى كاذبة فتسد أمامها الطريق من أول لحظة .

أنندا - كيف تستطيع أمة جاهلة ، جائعة أن تميز بين الايطال الصادقين , والمزيفين ؟

بوذا - الواقع أن هؤلاء الابطال المزيفين هم الذين يعلمون الامم ، ويعطونها أنفع التجارب فى حياتها ، أما ترى أن الشعوب المتماسكة القوية قد تعلمت من أخطائها وأنخداعها أكثر مما تعلمت من لحظات مجدها السابق ؟ لا مناص , لا مناص من التجربة . وان ما يلحق بالامة من هزيمة ، أو كارثة بسبب أبطال مزيفين ، إن هو إلا ثمن تلك التجربة الغالية .

أنندا - ومتى نطمئن الى الامة ، ونقول انها اليوم أصبحت على حظ عظيم من التجربة ؟

بوذا - يوم تحرص على سيادة القيم العليا فيها فتجعلها فوق كل شئ ، وتختار قادتها على أساس من تلك القيم ، أما اذا ظلت تجسم قيمها ومباديها العليا فى أشخاص ترفعهم فوق ما آمنت به من مبادى ، فاطمئنوا الى أنها ما تزال بحاجة الى التجربة .

التلاميذ - نعم والله . هذا ما كنا نبحث عنه فعرفناه ، وطوبى لامة نضجت فيها الحياة ، فخفت الابطال ، ولمعت القيم .

اشترك في نشرتنا البريدية