أقبل النبىء بوذا على تلاميذه عابسا ، متجهما ، وكانوا قد تعودوا منه البشر ، والتفاؤل ، والاشراق
يجرؤ أحد على التحدث إليه فيما يكون قد أصابه ، فظل واجما ، وظلوا ساهمين . فلما طال ذلك وثقل عليهم تقدم منه أنندا وكان أحبهم ليه ، وأقربهم عنده ، فقال : إنا ليحزننا يا سيدى ان نراك كئيبا كاسفا ، وإنهلبؤنا ألا تحسن بنا الظن فتشركنا فيما أنت فيه لقد علمتنا أن الحياة الثقيلة تخف وطأتها بالمشاركة ، ويزول عبوسها بالتأسى ، وتنقلب وحشتها الى أنس حين تحمل أعباءها نفوس كبيرة ، أو نفوس كثيرة . إننا لم نرك بمثل ما ألت عليه الآن
قال بوذا : أنتم تعرفون من أمرى ما أعرفه من نفسي ، وقد علمتم أنى لا احزن لسوء يلم بى ، ولا ابتهج بخير يأتيني ، ولكنى أحزن حين أحزن للناس ، وأسر حين أسر لهم أيضا . جاءنى اليوم رجل لا أعرفه فسأل سؤالا غريبا . سألني إن كنت أعرف من مصيره الشقاء أم النعيم التوفيق أم الاخفاق ؛ ماذا كتب له على صفحة الوجود ، وماذا كتب عليه ؟
قال أحد التلاميذ : وهل يسوؤك ذلك ؟ إنى لا أرى فيما استوضحك فيه الرجل سببا يدعوك الى ما أنت فيه من الأسى وما أنت عليه من المرارة ؟
قال بوذا : أحزنني أن الناس ما يزالون يسيئون فهم رسالتى ، فأنا لم أت لأخبرهم يمصائرهم ، وإنما جئت أعلمهم كيف يدبرون مصائرهم والفراغ وحده هو الذي يخلق أمام أذهانهم مشاكل موهومة ، إن الناس لم يتعلموا بعد كيف يغرقون فى العمل الذى يصرفهم عن الاغراق فى التأمل .
قال أحد الاتباع : كيف يصنع الناس مصائرهم وقد كبلوا ؟
كبلت أيديهم وأرجلهم ، فهم يرثون العجز ، ويرثون طبيعتهم في - ىالفشل ، هم يولدون أرضا خصبة للعناء والألم
إن كل ما حولهم ينطق بقانون الضرورة ، وإن الحياة آلة عمياء تدور وتدور ، غايتها أن تدور ، ولقد شاء حظ الانسان أن يكون حبا لهذه الطاحونة الملعونة
ليس هناك - فيما يبدو لنا - إلا آلية طاغية باغية ، علل ومعولات متسلسلة ، لا تملك الاشياء فيها إلا الخضوع والاستسلام ، لا ينشأ شيء فيها بالاختيار ، ولا ينتهى - حين ينتهى - بالاختيار ، حياة فموت ، وذهاب وإياب ، ليس هناك مصير ، لأن المصير نهاية يستقر عندها الانسان ، ولم نر الانسان استقر عند نهاية منذ وجوده الى اليوم : هو يتوالد ، ويفني ،ثم بتوالد ويفنى ، وهكذا . لا نرى من أعماله غاية إلا أن يلبى رغبة الحياة فيه . فيسعى مستجيبا لغريزة الجوع ، ويتسلح ملبيا نداء الخوف ، ويتزوج طاعة للجنس ، وهو فى هذا كله يصارع ويصارع حتى تعد حياته أن تكون سلسلة من الصراع ، ولقد طبع هذا الصراع تاريخه بالعنف ، وصبغة بالدماء . فاى مصير يصنعه الناس بعد هذا ؟ وما أرى صاحبنا الذى سألك فيما ساالك إلا ذاهلا عن حقيقة هذا الوجود الذى نعيشه ، ولقد تحدث الناس مند القديم بمثل ما تحدثت بله إليك . فليس هناك مصر ، وانما هناك تقدير ، وإن بعض الناس يحملهم الغرور ، ويحملهم التفكير في اللحظة التى يعيشونها فيظنون أنهم يملكون لأنفسهم حرية ، وإرادة فيما يصنع بهم ولو فتحوا اعينهم على نهر الحياة الخالد المضطرب ، لعرفوا أنهم تبنة تحملها مياه هذا النهر الى حيث لا تريد .
أطرق بوذا طويلا بعد أن فرغ صاحبه من هذا الحديث .
أطرق حتى ظن الجالسون انه لن يعود الى الكلام ، ثم قال في صوت تملأه الكآبة ، ويقطر منه الأسى
إنى أحس بحيبة مرة وأذى عظيم ، إنها خيبة الفاشل ، استراح إلى عمله رهما طويلا حتى إذا جاء ينظر ما صنع وجد السراب الخادع ، والبرق الخلب " قد لبثت فيم دهرا أعينكم على الحياة ، وأمدكم بالأمل ، وأوسع لكم
فى الوجود ، فأجعلكم تجولون فى مكان لا ترون له حدودا ، وتعيشون زمنا لا تجدون له بداية أو نهاية ، ولكن يبدو أنكم مشدودون الى الطين شدا قويا . إن حقيقة أمركم أتكم تفكرون فى الطعام والمال وتجدون من ذلك ضيقا فتفلسفون ، وتتحدثون عن المصير ، وعن جبرية الحياة والوجود والخير والشر ، وإن بلاءكم ليس فى أنكم لا تجدون كفايتكم من الطعام والمال ، ولكنكم لا تجدون من ذلك ما تحبون ، إن نفوسكم تتلظى بلهيب الرغبة التى لا تشبع ، والمطامع التى لا ترتوى ، فاذا ضجرت منكم الحياة وقد استطلتم عليها ، وتطاولتم على نواميسها ، تشاءمتهم وحزنتم ، ثم بكيتم وصرختم كالأطفال
اعلموا أيها الاتباع : إنى رسول إليكم ، حق على ألا أكذبكم . إن جشعكم هو مصدر الشر الذى حاق بكم . نعم ! هو مصدر كل ألم تعانونه نستوى فى ذلك أوجاع أرواحكم ، وأجسادكم ، بعضكم يجوع لأن بعضكم الآخر شبع واستمر يأكل . أما علمتم بعد ، أن بعض الحيوان يفضلكم فأنا لم أر الى اليوم حيوانا أكل بعد شبع ، وما رأيت حيوانا قط امتلك انثى ، لا يملها ولا تمله طوال عقود من السنين ، إنه أحيانا يقنع بارضاء نمريزة الجنس فيه مرة فى العمر . لقد كانت لى هرة ولدت مرة واحدة فأرضت طبيعة الجسد ، وغريزة الامومة ، أما غرائزكم فما تعرف الارتواء ابدا . والغريب أنكم تسمون هذه الغرائز - بهيمية - فتنسبون الى الحيوان ما يصنعه مرة أو مرتين ما تظلون أنتم تصنعونه ما عشتم ، ولا تقنعون منه بيسير قط .
إنكم فى حاجة الى أن تتعلموا عن الحيوان أشياء كثيرة ، يأتي فى أولها تنظيم غرائزكم ، فاذا ما ظفرتم بذلك فقد ظفرتم بما ظفر به الحيوان من قناعة ، ومساواة ، وتعقل ، وسلام
إني أقول لكم أني ما وجدت عند هذا الكائن الاجتماعى الذى يسمونه الانسان إلا العدوان . ولم يتعلم عدوانه من أحد ، ولكنه عدوان نبع من نفسه . إنه جشع ، وهذا سر بلائه ، ومنتبع أوصابه .
قال أنندا : فهل ترى إذن لهذا الضيق من مخرج ؟ أم ترى أن الانسان سيظل فى صراع مع قوى الطغيان فى نفسه ؟ وهل من نهاية لهذا الصراع ؟
قال بوذا : سبيل الانسان الى الانتصار والسلام أن يعتدل ، أن يتعامل مع نفسه ، ومع الوجود بحكمة ، وإن طيش الانسان وتهوره وإسرافه ، وتعامله مع الاشياء بحساسية مفرطة هو الذي سينهى وجوده بمأساة مرة .
قال أحد الاتباع : أو تدعونا الى الزهد ؟ لقد كنا زاهدين فحببت إلينا الحياة ، واخرجتنا من الوجوم والذهول ، وعلمتنا أن حب الحياة عبادة ايضا ، وأن العمل تقوى ، فما بالك بت تنكر اليوم ما عرفت بالامس
قال بوذا : أنا ما زلت أدعوكم الى ما دعوتكم إليه ، ولكن التصوف الذي أعرفه هو أن تنكروا ذواتكم ، وليس مصير الانسان ، أو حريته بقضية إنما القضية هى سلوكه ، وسلوكه هو الذي يحدد حريته ، وسني مصيره .

