النثر : لقد ذهبت بك رنة الاوزان ، الى الخروج عن الميدان ، حتى تجاوزت الحد ، وجئت احيانا بالضد ، فما قيمة هذا الانشاد الذى يحيد بصاحبه عن الرشاد ، فينقص ويزيد ، ويأتى بما يريد ، وهكذا اذا سبحت فى احدى بحارك ، بقيت فيه بغير اختيارك ، فلا تفارق الاعماق ، ولو بلغت الروح التلاق ، ولا يمسك من لغوب ، الا إذا نفدت الضروب ، فعندها ترفع رأسك ، وتصعد أنفاسك ، وتنظر فيما صنعت ، وتتمعن فيما اخترعت ، فنرى أنك قلت غير ما أردت ، وابتعدت عما قصدت ، فما يكون العمل وقد سبق السيف العذل . وتم صوغ القصيد ، واجاءك العقد الفريد ، فهل يسوغ ان تتخطى تلك الحدود ، وتضيع ما بذلت من الجهود ، وقد تم ذلك العمل الجسيم ، وبرز فى أجمل بزة وأحسن تقويم ، وهو في حلته الرائعة ، يحاكى الغادة المائعة ، وهي ترنو اليك بطرفها ، وترجوك ان لا تققدح فى ظرفها ، تقول لك بدلال ، يسيل معه السحر الحلال ، فما قيمة هذا المبدأ ، الذى صيرك عبدا ، فدع القول ، يريك للثرثار ، فانهم لبقاء احرار ، ولا تخش ملامة من الناس ، فليس بفاقد من غير ربة القول وامالة الراس ، فلا تعنيف ولا لوم ، فما أنت الا مرقص القوم ، تعاطيهم بكأس لاطلا بل طلاوه ، حتى تنزل على بصائرهم الغشاوة ، هذه نتيجة ابياتك ، وما اوحته اليك فتاتك ، لقد زعمت أن انجح طريقه ، هى الاعتماد على الموسيقى ، فضربت أوتادك واسبابك ، وتماديت في زهوك واعجابك .
الشعر : على رسلك يا صاحب الترسل ، ويا أبا المكرور المسترسل ، لعمرك قد ملأت الاسماع ، ولم تصل الى درجة الاقناع ، فكم بينت وفسرت ، وعممت وخصصت ، وكم طرقت سبيل الاسهاب ، وارهقت السادة الكتاب ، هذا بعد حشر الاقوال ، وضرب الامثال ، فإذا سلت أطلت الخطاب ، ولكن لم تصب به كبد المصاب ، وتماديت في تعذيبه ، حتى تمنى اللحاق بقريبه ، واذ هنأت اطنبت ، وتوسعت واستطردت ، واستخرجت ما فى أعماق المناجم ، وحشرت ما فى بطون المعاجم ،
النتر : اما انا فإنى اراك ان اثبت برشيق ، فذلك بدون قصد بل يدفعك اليه المضيق ، فتنهبه الى اقتدارك ، وليس هو حق كدك واستدراك
الشعر : هلا دفعك ما دفعني ، ونفعك ما نفمعنى ، ودخلت من هذا المضيق ، واتيت بالحسن الرشيق .
النثر : حاشا أنكرمنته ، واجحد نعمته ، فقد مهد لي السبيل ووسائل التحليل . وافسح لى فسلكته على مقتضى الحال ، فلا تجاوزت الحد ، ولا استوجبت قطع اليد .
الشعر : ما معنى قطع اليد ، وما دخلها فى هذا الصدد ، ولسنا فى مقام تشريع ، بل نحن فى تشطير وتصريع وعهدى بك مكثار ، لامهذار ولا ثرثار ، فهل بك مرض ، أو أعمك الغرض ، فإذا تماديت على هذا المنوال فإنى مفارقك فى الحال .
النثر : هل يستوى الذى يستخدم بيانه ، والذي يعتمد على شيطانه ، فيناول له من أزهاره ، وينفث من اسحاره واذا بخلل الاختصار ، يستلفت الانظار ، ومصيبة الاقتضاب ، قد خلبت الالباب ، والحذف والاكتفاء ، فيه منافع وشفاء ، والتلويح والتلميح ، اغنيا عن التصريح ، وقامت الاشارة مقام العبارة ، واعلم يا أبا الشطور ، انى ما ذكرت الا ما هو مشهور ، فقضية الاختلاس ، لاتجهلها الناس ، فقد شملها الانتقاد ، وكتب فيها النقاد ، ورتبوها أقساما وأبوابا فقضوا بالقطع على من بلغت نصابا . واكتفوا بالتعزير والملام ، فيما بقى من الاقتسام .
الشعر : ان كان مجلسك الحكم ، فليس ذلك بالامر المهم ، فلا قيمة لهذا القضاء ، ولا يشمله منا الرضى ، ولا نعد هذه الدعاوى الغريبة ، الا من باب الحسد والغيبه ، والا قل لي يا ابا الترسل ، هل تحسن ان تصف وتتغزل ،
النثر : كيف لا يا أبا العلل ، ، وانا رب المال والخول : وكيف ترتاب يا عبد الخليل ، فى مقدرتى وباعى الطويل . انه اطول من طويلك ، وامد من مديدك ، واخف من خفيفك ، وأسرع من سريعك ، وأوفر من وافرك واكمل من كاملك ، قسما لولا نفخ شيطانك فى العقد ، لما اصغى اليك أحد ، فكثير ما وضعت الحال فى موضع الاستقبال ، وحشوت الكلام بما عليه تلام ، مساقا اليه بسياط الأوزان ، ومغازلة القوافى الحسان ، وانك ما ارتضيت ذلك الحشو الفضيع ، الا من بعد ان تراءت القافية بمحياها البديع . فذهلت عن الحسن والاحسن ، وسودت الفراغ بما امكن ، ، وحدت عن منهج الاصابة لتصل الى تلك الخلابة ، ولربما توافيك اخرى بوجه
دميم ، وقوام غير مستقيم ، لاوجه لقبولها ولا محل ، بل مكره أخاك لابطل .
الشعر . ان ما جعلته اضطر ارا ، ارتكبته انت اختيارا ، قسما انك لشىء عجب ، ترى القذى فى عين غيرك ولا ترى فى عينك الخشب ، ولقد أكثرت من تعداد عبوبى ، ومس كرامة أعريضي وضروبى ، ولم تقم عليه أى دليل بل كل ضلال وتضليل .
النثر : وهل يا أبا العلة تحتاج الى أدلة وقد ملأت الاسفار بمثل هذه الاشعار ، الست انت القائل :
نصحتك فالتمس ياليث غيري طعا ما ان لحمى كان مرا
اتجهل زيادة كان ، فى هذا المكان ، فلولاك لما وجد لها أثر ، بل يكون خبران كلمة مر ، وليس فى الامكان ، العدول عما كان ، ثم قلت :
سلى ان جهلت الناس عنا وعنهم فليس سواء عالم وجهول
اليس مراد القائل عالم وجاهل ، اذ لاوجه للمبالغة فى احدهما دون الآخر . وهذا لعمرى واضح ظاهر . ثم قلت :
هل غادر الشعراء من متردد ام هل عرفت الدار بعد توهم
فما هذه الاضاليل ، يا أبا التفاعل ، فما أقدرك على الضبط ، وما احكمك للربط ولله در هذه الاوزان ، فكم سترت من عيب وبهتان ، ولعمرى ان هذا البيت من الاعاجيب ، وما أشبهه بحديث المجاذيب ، أتزايد بهناتك ام جن شيطانك ، حتى صرت تعرف بما لاتهرف ، ثم استبلهت القوم ، فلم تعد تخشى اللوم ، والآن يا أبا الاضطرار . قد اتضح النهار ، فلنقتصر على ما جرى ، وتعود الى نزلة أخرى ، وتكون فاتحتنا اجراء التحقيق ، على هذا البيت العتيق .
القسم الثاني
الشعر : قسما لو أعانك شيطانى ، لنفحك بشيء من بياني ، ولكنه أبي واستكبر أن يمدحك وأنت تحشر وتستكثر ، وقال لاأرتضى الدخول في الغوغاء ولا أطيق استماع الضوضاء ، أتزعم انك تسخر من هذا الشيطان ، ولكنه
ليس الحقيقة بل مكر وبهتان ، قسما لو وجدت اليه سبيلا ، لاتخذته صفيا وخليلا .
النثر : ها رجعت يا أبا العروض ، لما هو عليك مفروض ، أو لست فرعى وقسما من نتاج زرعى ، ولي عليك اكبر النعم ، وهو ايجادك من عدم ، فدع العقوق ، واعتبر ما بيننا من الفروق ، ولعمرك قد صيرت الجو عدلا ، والاسراف جودا وبذلا ، وصعدت بالدنى ، ونزلت بالسرى ، ورغت مع الزمان ، فكنت حيث كان ألست فى الذكر الحكيم مذموما ، ونقيصة لمن كان معصوما ، ألم يشهد عليك المنزل ، فأنك تقول ما لا تفعل ، وتهيم في كل واد ، ورجالك يتبعهم الغاوون من العباد .
الشعر . اقصر من بذائك ، وخفف من غلوائك ، فما اجتماعنا اليوم ، للتعنيف واللوم ، بل للنظر والتحقيق ، فى البيت الذى تدعوه بالبيت العتيق . وهو
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
وقلت انها من الاعاجيب ، او من كلام المجاذيب ، أتظن يا ذا الرأى الفاتر ، أنه وصل لكم بالتواتر ، ام نزل من السماء ، أم أجمعت عليه العلماء ، أم تزعم أنه قديم ، ملحق بالذكر الحكيم ، تولى حفظه الرحمان ، فلا زيادة ولا نقصان ، الم تفكر بأن لهذا العجز صدرا دثر ، ولذلك الصدر عجز قبر ، فضمتها الحفاظ ، من الاحتراز والامتعاظ ، ومع ذلك فلازال الى الدوم من يعتبر ان معناه صححه ، ولكن لم تتوصل اليها القريحة ، أما أنت فما فعل صوابك ، وما انتج خطابك ، فقد فقتك بالخطاء والصواب ، وان فى ذلك لعبرة لاولي الالباب
النثر : الم تنطلع على رسائلي الفتانة ، وخطبى الرنانه ، مما ليس فى تعداده فائدة ، بل يكفيك قول قس بن ساعده
الشعر : لا أجهل رسائلك الفحيمة ، ولا خطبك الحكيمة ، ولا تأثيرك على السامعين ، ولا ارشادك للضالين ، ولا انكر ثروتك الطائلة ، وصورتها الحائلة ، و لكن بعد كل هذا اذا انقلبت شعرا ، زادت نفاسة وغلت سعرا وارتسمت في الاذهان ، ولا يردده لسان ، فكم قلت فى بقاء الله ، وفناء ما عداه ، فلو وزنت كل ما قلته من قديم وجديد ، لرجحت به كفة لبيد حيث يقول :
الاكل شىء مما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وهل جئت فى سيل مديحك بفائده ، تعادل ما قيل فى معن بن زائده . وهو
أيا جود معن ناج معنا بجوده فليس الى معن سواك سبيل .
يقولون معن لازكاة لما له وكيف يزكى المال من هو باذله
اذا حال حول لم تجد في دياره من (1) إلا ذكره وشمائله
ولو لم يجد في كفه غير روحه لجاد بها . فليتق الله سائله
لقد سألتك من أمد قريب ، هل تحسن الوصف والتشبيب ، فلم احض بجواب ، بل بتفريع وسباب وعجب وافتحار ، وعتو واستكبار ، فهل انت الآن أحسن حال . وأهدأ نفسا وأنعم بال ، فتشنيف السامع ، يبنبوع غزلك الهامع ، فقل ان شئت فى وصف روضة فائقة ، وزهور وساقية ، وغادة ساقية
النثر : اليك روضة فيحاء ، وحديقة غناء ، قد ذكرتنا بنعيم الجنان ، مما وعد الرحمان ، عيون النرجس بها ناظره ، ووجنات الورود فيها ناظره . سيول لؤلؤيه ، تنحدر من ساقية مرمرية وغانية تطوف بكأس ، عصرت فيها من خدرها للناس .
الشعر : ليس هذا من قولك ، ولا من قدرتك وحولك ، بل قطعة مني وقدح من دنى ، فلا يكون حجة ضدي ، لانه يتألف من نصف ما عندى ، ان فيه سلاف القافية ، وان كانت غير كافية فهات من الترسل ، ودع عنك التنصل .
النتر : اتزعم ان السجع من بعضك ، وانه رشفة من حوضك ، اتجهل أنه من بعض اجزائى ، بل هو اول أبنائى ، ولولاه لما ذكر ، ولما وجد له اثر ، فإذا تبين أن السجع من أبنائى فأنت ولا شك من أحفادى ولكن المروق ، والعجب والعقوق ، ورنة الاوزان ، لقنتك الغواية والعصيان فتعاليت كثيرا ، وعتوت عتوا كبيرا .
الشعر : وهل تجديك الابوه ، إذا أعوزتك القوة وهب أني من الاحفاد ،
وانت من الاجداد ، فقد نبت النرجس من بصل ، وافترق عنه وانفصل ، والآن ارغب منك أن تقول الجد ، وتتغزل بلغة الجد ، من قبل العقد والبناء ، وقبل أن ترزق بالابناء ، ودع دعوى الابوه ، فهى لا تكسبك فخرا ولا مروه ، فقد يفوق الفرع الاصل ، كما فاق الحديد النصل
النثر : انا لا اعترف ان بينى وبين السجع فرقا ، وان بعضا من كلى أسمى وارقي ، فانبذ فكرة التفريق ، واعتزل هذه الطريق ، فالمجموع منها ومنك هو ثروتى ونصيبى ، والوصف وصفى والنسيب نسيبى ، فقل أنت يا أبا القافية كيف تقول في الساقية :
الشعر : هاك ما أقول يا أبا التطويل ، تحت سيطرة الضروب وحكم الخليل :
نديمتي جارية ساقية ونزهتى ساقية جارية
جارية أعينها جنة وجنة أعينها جارية
قسما لو افعمت الصحائف ، وحليتها باللطائف والطرائف ، وأجريت البراع فوق المستطاع ، حتى استلقى من تعب ، وشكا من نصب ، لما بلغت ما بهذين البيتين ، ولا بلغت قاب قوسين ، والآن هل قلت في السلافة ، يا أبا الصحافة .
النثر : وهل تركت ثمالة فى كأس ، وصاحبك أبونواس ، كلا بل شرفتها نخبا واغتصبتها غصبا ، فإن أقول أكون مقتفيا لما رسمته ، وناثرا لما نظمته ، امتزج بالراح ، وأطل من الاقداح ، وطفا بين الحباب ، ليغوى عزة والرباب ، فلا حاجة الى أن أقول ، فقولي ما له من قبول ، ولا يغرنك هذا الاقرار ، فليس لك فيه فضل ولافخار ، فما عملك الا خداع وبهتان ، ورجس من عمل الشيطان .
الشعر : اراك تقول إنى ان قلت في الخمر اقتفيت آثارك ، فهل نثرت أشعارك أتحسب أنه من الممكن اقتفاء اثرى بتلك الخطى ، وهى على ما أعهده من التوانى والابطاء ، ثم تزعم أنك تنثر شعرى ، وتشاركنى فى أمرى ، وهبك بذلت الجهود فهل تأتي بالمقصود ، قسما لا تنال منه الارب ، بل ان جنيت فما جنيت الا الشهد لا الضرب ، أو ينقلب الدر عقيقا ، والورد شقيقا ، فحذار من هذا الطريق الخطير ، فلا يوصلك الا لزيادة التحبير ، وسر على هينك والا سعيت الى حينك ، فإن احرزت على نثرى ، وعمدت الى هصرى
فإنك على هذه الحالة ، هالك لا محالة ، والان قد عسعس الظلام ، وتضاءلت الاجرام ، وضاق المجال ، ووجب الترحال ، وسآتيك بنبإ جديد ، وليس ذلك ببعيد .
الحديث الثالث
النثر : لقد رميتنى بالابطاء ، يا أبا الابطاء ، وزعمت أن لن أبلغ المقصود ، ولو بذلت الجهود ، ثم حذرتني من محاولة نثرك ، والمداخلة في أمرك ، فشكرا لك على هذا الانذار فلقد وقيتني من أعظم الاخطار ، وشكرا على ما ابديت من نصيحة وأوجه صحيحة أما الابطاء وقصر الخطى ، هو ممدوح مع الاصابة وانسب ممن اضاع بالاضراع صوابه ، لان كثيرا من الاشعار، تقام على شفا جرف هار ، معتمدة على الفهم السقيم ، واعانة قرينها الرجيم ، واليك هذا :
نظر العيون الى العيون هو الذى جعل الهلاك الى الفؤاد سبيلا
إن هذا البيت له بعض تأثير ، على ذى النظر الحسير ، اما الذى لا يعشو عن الصواب ، ولا يقع الا على اللباب ، يعلم ما بالبيت من اخلال ، رغما على الرشاقة والجمال ، اذ ينبغي هذا البيت على اربعة عمد ، سبب وطريق ومتطرق وحد ، ولم اجد له الا ثلاثة فقط فكيف قام على هذا النمط.
الشعر : قسما لم أفهم تصريحك ، ولا ادركت تلويحك ، ولاى سبب إدخال هذه الاعمدة قائمة وممدة ، فما شأننا والصروح ، يا أبا الشروح ، فزدنى بربك بيانا ، واقم لى على دعواك برهانا ، على أبلغ الاسباب ، أساب العبقرية فأطلع الى سماء الصواب ،.
النثر : هذا البيت مشيد المبنى ، متهدم المعنى ، لا أنكر أنه كاد أن يكون رشيقا ، لو أوجدت للهلاك طريقا ، أما والهلاك هو السبيل ، فقد فضحت العربية يا أبا الترفيل ، وعبثت بالمعنى السديد ، وعوضته بالترنم والترديد ، ولعمرى ان تأثيرك لشديد ، ولكن على الثمل العميد ، ذاك الذي يرى كل وجه جميلا وكل كلام تنزيلا ، يردده فيزيده تحريفاويمزجه طويلا وخفيفا .
الشعر : هذا البيت مضت عليه القرون ، وترنمت به الشعراء وتبعهم الغاوون
وارتاحت له الافكار ، وخلدته الاسفار ، ولازال الى اليوم موضع الاعجاب ، يردده ذووا الالباب ، ولا حدجته أعين الانتقاد ، ولامسته أيدى النقاد .
النثر : الم اقل لك ان عمل فيهم السحر ، وقبض منهم على النحر ، فلا يشعرون بزيادة أو نقص ، بل دأبهم اذا قيل الترنم والرقص ، والأكيف سلم من الانتقاد ، مثل هذا الانشاد قسما لو تلمسه الاعمى بيديه ، لانكره وانتقد عليه .
الشعر : الى متى هذا الاسهاب ، وحتى م هذا السباب ، الم يئن لك أن تتبين الزلل ، وتعين موضع الخلل ،
النثر : ان الامر بسيط ، يا أبا التسميط ، اجعل طريقا للاهلاك ، ليمر عليه الى الفؤاد الهلاك ، واما ان تجعل الهلاك طريق وهو المتطرق ، فهذا مما لا يعقل ولا يصدق ، وارى انك تكتفى أن تشير ، ولاتلتفت الى مطابقة النظير ، فلو تأملت في البيت مليا ، لبان لك الخطا جليا ، ولكنك اكتفيت باقتناع الناس ، وتحريك الاحساس ، وسواء ان كان هذا الاقناع ، عندك حقيقة او غشا ، او عين الخداع .
الشعر . لقد ضللت الطريق ، أيها الرفيق ، وتوسعت فى التحليل والتفسير ، بغير علم ولا كتاب منير ، لقد عشوت على رابع العمد ، وطفقت تفتش عليه بجد وكد ، والحال انه أمامك ، لو ارتطمت به لاقيمت حمامك ، ان النظر هو السبب وهو الغائل الفتاك ، القادم على طريق الهلاك ، فالهلاك حينئذ هو للنظر مهاد ، يتمشى عليه الى الفؤاد ، والآن وقد وحدنا رابع العمد ، فلم يبق لك فى البيت منتقد .
النثر : ما هذا الحل السخيف ، يا أبا التفويف ، لعمرك اذا فارقك شيطانك ، طار تأثيرك وبيانك ، فإذا أردت اقناع القوم بعد هذه الفضيحة ، فإليك مني هذه النصيحة ، انظم هذه التآويل وادخلها في مضايق الخليل ، وقيض لها شيطانك ، ليزين لهم أعمالك ، أما بغير الشعر واعانة المارد ، فإنك تضرب في حديد بارد ، قسما لايفهم واحد ولو أقل من النبيه ، ان النظر فى وقت واحد يحمل الهلاك ويسير عليه ، ولكن دعنا من هذا المجال ، فلا فائدة في الجدال ، ولا يجديني هذا الادعاء ، فلست بمسمع الصم الدعاء وهاك بيتا اراه غريبا خصيبا وجديا .
وكم ليلة قد بت انعم جنحها بمخصبة الارداف مجدبة الخصر
فيال الله ما اثقل كلمة الجدب ، على مسامع الصب فإلى أى حد يصل هذا الخصب ، والى أى غاية يقف ذاك الجدب ، فإذا بلغا حديهما ، فلا خير في كليهما ، وان وقفا عندما تريد ، فهذا شىء جديد ، من بدع الافانين ، يختص بالشياطين .
الشعر : انا ما قلت الا المعتاد ، عند من عليهم الاعتماد ، اذ الحد عندهم معروف والتغزل فيه مكرر مألوف فلا حاجة لهم بالحد . لانهم لا يخشون جزرا ولا مد ، وأما كون الجدب لايتحمله الصب ، ولا يطيق استماعه ، بل يسبب ارتياعه ، فهذا ضلال مبين ، وبعدا عن علم اليقين ، الم تعلم يا مفعم الفراغ ، أن هذا الصب قبل عقارب الاصداغ ، ولم يخش على الصدغ ، من غائلة اللدغ ، الم تعلم بأنه يشعر بأذى خطر ، عند التواء حية الشعر ، ثم بعد ذاك يا أبا الأطلاق ، أراك غفلت عن حسن الطباق ،.
النثر : انا لا أنكر جمال البديع ، يا ابا التشريع، ولكن بعد متانة المبنى ، وصحة المعنى ، وإلا فهو كالثوب الجميل ، على الجسد العليل ، واعلم يا أبا الاجازه ، ان لي صفة ممتازة . ليس لها شبه أو نظير ، فالحمد لله الذى فضلنا على كثير ، فالذكر والحديث منى ، فان لم يكفك هذا فإليك عني ، واني لاأطيق الحوار ، مع جاحد كفار ، فهل بقى لك غير قد مياس ، ونديم وساقية وكأس ، ولحظ ادعج ، وجبين أبلج .
الشعر : اهذا كل ما بقى يا آخا الخطب ، من كل مواضيع العرب ، أنسيت الاخلاق ، وكم لي فيها من خلاق أتصاممت عن الحماس ، وقوة تأثيره على الناس ، أتعاميت على التأبين ، وتعداد شمائل الدفين ، ألست المضرم نار الكفاح ، وناشر أجنحة السلام والاصلاح ، أما قمت بما قامت به الصحافة قبل انتشار الثقافة ، وليس هناك الا نوق ونخيل ، وانا تحت سلطاني لاسلطان الخليل والآن وقد ظللني بحمايته ، ونظرني بعين عنايته ، فزدت بفضله نشاطا ، وتجنبت اخلالا واغلاطا .
النثر : ما هذا التطويح ، يا أبا التوشيح ، أعازم على سرد تاريخ حياتك ، وتطورك فى حضارتك وفلاتك وهل عندنا من الاوقات ، ما يكفى لهذه الترهات ، فدعنى من حريتك بين عبرك ونخيلك ، وحضارتك واسترقاقك
لخليلك ، فلست اليها تواقا ، ولا لسماعها مشتاقا ، وعج بنا الى اقوالك فهو مرآة خذلانك ، ومنها ترى صور غانياتك ، تسرى فى اجواء أبياتك .
الشعر : الم تعلم يا صاحب الغواية ، انه لولا غانيتى ما نجحت لك رواية ، فقد التجأت اليها ، وعولت فى النجاح عليها ، ولعمرك لولاها ، لما حمدت عقباها ، أنا أقول اذا نظرت اليها ، وأنت تستقدمها لتفترى عليها ، فمن اعظم منا جرما ، وأحط منا مقاما وعلما ، ولولاى ما سهلت فنونك ، ولا ساغ حفظ متونك ، ولا كان تلميذك للفهم أهلا ، الا اذا صار المسكين كهلا ، وإنى لما تجرعت من حشرك ، عصرت شهدى فوق صبرك ، فساغ شرابه ، وتقلص عذابه ، وأقبل عليه من كل الفجاج ، من تجرعوا منك الملح الاجاج .
النثر : ان شهدك المسكوب ، قولك يا أبا العيوب :
إن المكارم أخلاق مطهرة بالعقل اولها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والصبر رابعها والجود خامسها والعرف ساديها
والبر سابعها ، والحلم ثامنها والشكر تاسعها واللين عاشيها
فمن أجازك هذا اللعب : يا أبا المقتضب
الشعر : لو علمت لمن تنسب هذه السطور ، لا انتفضت انتفاض العصفور ، ورجمت وجوم البعثان أمام العقبان
النثر : انا لا شأن لي مع القائلين ، تعالوا ام كانوا من الصاغرين ، وانماشأنى معك ، عسى ان ارشدك وانفعك ، ان هذا النظم ، عسير الهضم ، وقد ذهب زمان الرقص ، واقبل زمان الفحص ، وفج ذلك الذوق ، وشبت عن الطوق وفى هذا القدر كفاية وان لم تبلغ النهاية فإذا التقينا مرة اخرى فسيكون حديثنا عبرة وذكرى .
