ان الكلام عن التحليل النفسى للانسان والتركيب العاطفي ومدى تأثره ومدى انسياقه وراء العاطفة وقوة هذه العاطفة
وضعفها والكيفية التى تتحكم فيه وما الى ذلك من فروع ذات صلة بهذا البحث كثير وكثير جدا . . وفي اعتقادى ان التعمق فى هذه البحوث وتفصيلاتها وجزئياتها راجع الى العلماء والنفسيون منهم اكثر
صلة به وأغزر معرفة واكثر استقصاء وأحكم منطقا ، فيه . . ومن الممكن لنا ان نطلق على هذه البحوث " البحث الشخصى " اى العلامة بين شخصية الانسان وذلك الجانب
العاطفي . . وكما قلت فان ذلك متروك للعلماء النفسيين فهم المرجع الوحيد فيه انما مدار بحثنا هنا فنسميه " البحث الموضوعي اى العلاقة بين تصرفات الانسان والعاطفة وحقيقة من يتصور ان هناك تداخلا بينهما كما يبدو لأول وهلة . . ولكنا بالتمحيص
ومعرفة الحقيقة كاملة نجد فرقا يميز بينهما وهو ان " الجانب الشخصى " يتميز بكونه يتعلق بالاسباب ذات العلاقة بالانسان نفسه . . أما الموضوعي فهو يتميز بالاسباب التى تتعلق بالاسباب ذات العلاقة بالانسان
والغير ان العاطفة ذات اثر فعال وذات فوائد فى امور كثيرة ، واذا كانت موجودة لدى الحيوانات فى اكثر انواعها الكبير منها والصغير المتوحش والمستأنس فما احرى ان تتوافر في بني البشر وتنطبع بها بعض
معاملاتهم فيما بينهم . . ولا شك ان اى مجتمع يخلى من العاطفة لابد ان يكون مجتمعا قاسيا على بعضه ، صلبا فى معاملاته ، وحتى فى تفكيره وتصرفاته الاجتماعية ، لا يرحم قويه ضعيفه ، ولا يحنو موسره على معسره ، ولا تتوطد فيه الاواصر الاجتماعية ، بل هو مجتمع آلى او مادى . .
ان المفكرين يولون الجانب العاطفي في المجتمع اهمية ويعتبرونه من الوسائل التى يجب ان تتوافر لدى المجموعة او على الاقل معظمها . . لهذا انتقد كثير من الاقتصاديين الاقتصادى الانكليزى " روبرت مالتوس " الذي تشاءم من واقع مجتمعه " انكلترا " الذي كان يعيش وقتها فى شبه محنة
اقتصادية ، قانلا في نظريته ، عن تزايد السكان : " ان على الطبقات القوية ان لا ترحم الفقيرة " وكان يعتقد بنظرته تلك ان من اسباب الضعف الاقتصادى وتكاثر النسل هو ان هناك طبقات فقيرة تتلقى المعونات من الطبقات القوية باستمرار ويحدوها ذلك العطف الى التزواج وكثرة التناسل مصحوبا بخمول . . انتقدت هذه النظرية كما قلت لانها نشرت فى القرن التاسع عشر روح العزوف عن المساعدة لهؤلاء او بالاصح تضاؤل الجانب العاطفي لدى الطبقات القوية فى المجتمع وامتناعها عن مساعدة الطبقات الفقيرة واعتبرت تلك النظرة مأخذا
على " روبرت بالتوس " وقيل انها عقيمة ولن تحقق رغبة فى معالجة الواقع الذي كان يعيش فيه مجتمع المذكور . . اذن فالعاطفة مطلوبة بين الافراد وبين الاخوة وبين الاسرة فى البيت الواحد وبين الشعب فى مجموعه حتى يكون هناك انسجام بين تلك الحقيقات المتنافرة تنتظم فى سلسلة واحدة مترابطة متشابكة يجمع بينها تماسك الحلقات ويقوى هذا التماسك استمرار قوة هذه الحلقات وقوة ارتباطها ببعضها . . ونستدل على اهمية العاطفة بانتقاد الاقتصاديين لنظرية " مالتوس " آخذين من هذا ضمنا ان المجتمع لابد ان يكون بينه تعاطف وترابط حتى يتوافر الانسجام بين المجموعة . . ان الاسرة قد لا يجمعها ويقوى صلاتها ببعضها الا وجود الجانب العاطفي . . فلولا عاطفة الامومة لما تكبدت الام الآلام المضنية والمصاعب المتتالية والعنت الكثير فى سبيل تربية اولادها الصغار والحنو عليهم والتعلق بهم فى كبرهم . . ولولا عاطفة الابوة لما حنا الاب على اولاده ، ولما تكبد الكثير من المشاق في سبيل راحتهم وتربيتهم واخراجهم الى حيز القوة وطور الاكتمال . . ولولا عاطفة الاخوة ما عطف الاخ الاكبر على اخوته الصغار فى حالة فقد رئيس الاسرة او فى حالة عجزه عن تحمل مشاق الحياة المعاشية . . وهلم جرا . . ويجد الإنسان الباحث ان المجتمع الذي تتوافر فيه هذه الجوانب العاطفية . . لابد ان يكون له ظروفه التى اوجدت هذه الجوانب . . واحرى بهذه الظروف ان تكون دينية ، لان المجتمع كلما كان ذا تعلق باهداب الدين لا سيما الديانات والمذاهب التى تتميز بوجود الجانب العاطفي ، كأساس من اسسها او تعليم من تعاليمها ، كلما نجده منطقا بها ونجد إلى جانب هذا
العكس فكلما كانت العاطفة فى شعب من الشعوب ضئيلة التكوين والوجود نجد هذا الشعب أقل من الاول بالنسبة لتعلقه باهداب الدين او ان الدين والمذهب الذي يؤمن به لا يولى هذا الجانب عناية . . وفى اعتقادى اننا لو فاضلنا بينهما من حيث اهميتهما الاجتماعية لوجدنا ان وجود هذا الجانب فى شعب من الشعوب يرجح بالجانب العكسى ومهما كانت مضار وجود هذا الجانب - اذا قلنا ان له بعض مضار في بعض الاحيان كما يقول البعض - فانه من حيث المفاضلة يرجح بالآخرين دون شك . . ولكن الى جانب هذا هل تعتبر ذات ضرر ؟ . .
ان توافرها اى العاطفة كما قلت ليس بذى ضرر لكن هذا التوافر المطلوب لابد ان يكون محدودا من جوانب يستحسن او يجب توافرها فيه . . ولكن هناك جوانب اخرى فى الحياة سواء بالنسبة للفرد او الجماعة يعتبر توافر هذا الجانب فيها ضررا لايتناهى . . والسؤال هو : كيف يتكون هذا الضرر الفردى او الاجتماعى ؟ والجواب بسيط جدا وهو ارتباط هذه العاطفة بكل تصرفات الانسان التى تجعله عبارة عن اطار مصنوع من آلة رقيقة تديرها الرياح كيف شاءت تبعا لاتجاهاتها ويبنى هذا الفرد اليوم ما نقضه بالامس وينقض اليوم ما بناه بالامس . . وهكذا حياته بناء ونقض لا نتيجة اقتناع بان هذا البناء الذى بناه بالامس يجب ان ينقض اليوم لانه لا فائدة له من بقائه او ان ذلك البناء اليوم لذلك النقض بالامس عن قناعة بان هذا البناء لابد منه وفي بنائه صلاحه وفى تركه منقوضا مضرته . . لم يفعل هذا كله عن اقتناع عقلي ولكن فعله جريا مع العاطفة التى قالت له : ( انقض اليوم وابن غدا ، وابن اليوم وانقض غدا )
. هذه هى المصيبة وهذا هو البلاء بعينه فارتباط الفرد ومن ثم ارتباط اعماله وتصرفاته الناتجة عن هذا التفكير بعاطفة ، كارثة كبيرة لا بالنسبة لنفس الفرد حيث ان اعماله تلك او بعضها ستكون وبالا عليه لانه لم يبنها على اساس عقلي علمي مدروس من جميع نواحيها الايجابية والسلبية ، ولا بالنسبة للمجموعة التى يكونها الافراد . . ولو تساءلنا ما هو السبب فى ارتباط تفكير الفرد واعماله بحالة عاطفية تسبب له كارثة ؟ لوجدنا الاجابة تتلخص فى ان اى عمل عدى العمل الانسانى الذى اتفقنا على ان العاطفة فيه مستحبة اذا لم تصاحبه دراسة علمية مجردة من شوائب العاطفة الشعبية المتقلبة فلا بد ان ينهار ، واذا نجح فنجاحه انما جاء نتيجة مصادفة محضة لا اثر للسبب فيها وبالتالى سيكون استمراره مرتبطا باستمرار هذه المصادفة التى غالبا ما يكون العمل الذى جاء نتيجتها معرضا لانهيار . . ويشابه هذا حكاية الطالب الذى اراد اكمال دراسته الجامعية واراد ان يتخصص فى كلية معينة من الكليات الجامعية خارج بلاده ولما وصل الجامعة وجد ( ابن جارهم ( يدرس الطب فالتحق بكلية الطب ، ولما فشل فى السنة الاولى فى دراسته ونجح زميله ( ابن الجيران ) غضب على الجامعة واحتج لماذا لم ينجح مع ان صديقه نجح ؟ قائلا : اليس هذا اجحافا ؟ ان هذا الطالب لم يلتحق بالكلية بناء على ميوله النفسية او تركيبه الذهنى وانما جاء اليها كمقلد وتابع . . ان هذا سيبقى فى كليته فاشلا ولو نجح بمحض المصادفة فانتاجه سيكون اقل بكثير من انتاج الآخر الذي بنى تخصصه فى تلك الكلية على اساس الميول والتركيب العقلي ، وليس من الصعب ادراك اسباب فشله كما قلت فالفشل جاء نتيجة ان هذا الطالب
التحق بهذه الكلية لا على اساس رغبته هو لان رغبته او تكوينه الذهنى قد يتوافق اكثر مع الدراسة الزراعية مثلا ، فلو اتجه الى تلك الدراسة وبتلك الميول وبذلك التركيب لكان انتاجه من العام الزراعي اضعاف انتاجه من دراسة الطب التى التحق بها علي اساس العاطفة وحدها . .
هل شعبنا العربي عاطفى ؟
بعد هذه الفذلكة التى اعتبرتها مدخلا البحث هذا أصل الى البحث الاصلى منه وهو : هل شعبنا العربي عاطفى ؟ استطيع فى اجابتى على هذا السؤال ان اقول : ان شعبنا العربي عاطفى فتراه يمشى فى عاطفته على عقل وميزان وسنن مرسومة ولشعبنا العربى عاطفتان . .
الاولى : من الناحية الاسرية والانسانية ولعل هذا الترابط العاطفي الحميد ناشئ من العقيدة الدينية . . عقيدتنا الاسلامية الخالدة التى جاء من تعاليمها الحث على الترابط والتعاطف بين الاخوة المسلمين أليس الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه يقول : " مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " وصلات المؤمنين وتوادهم وتراحمهم في المجتمع الاسلامي الاول وآثارها فى المجتمع الاسلامى الحديث تعطينا اكبر دلالة على تغلغل العاطفة المتزنة الواعية الحميدة فى نفوس المسلمين مما يثبت للعالم مدى ما بلغوه من الانسانية الممتازة الرفيعة الشأن والعماد . . هذا بالنسبة للصلات الاسرية . . أما بالنسبة للعلاقة الانسانية فلعل مجتمعنا العربى مجتمع الاسلام الاول طبق هذا بحذافيره مما برهن للعالم انه المجتمع الانساني الارفع . . الامر الذي جعل
ابناء الدنيا يقبلون على الاسلام من تلقاء انفسهم زرافات ووحدانا . وفي الفتوحات التى قام بها القواد العرب المسلمون من ذلك الوقت اكبر دليل على ما ذكر فقد كان القائد ينهى جنوده عن القسوة على المحاربين الاعداء ، وينهى عن حرقهم او تعذيب الاسرى او الخروج عن القوانين الحربية المألوفة التى تقتضيها طبيعة المعركة وطبيعة الاهداف التى جاء بها الفاتح العربي المسلم لا يملك ولا يسيطر وانما لينشر رسالة سلام ويخلص تلك المجتمعات من المحنة الخلقية والحيوية التى كانت تعاني تلك المجتمعات منها المرارة والقسوة ، وينتشلها من الاساليب البالية التى كانت من اسباب عبوديتها واعتبارها آلة تسير كيف شاء حكامها بدون عاطفة وتسامح . . وليس غريبا عنا عمر بن الخطاب الذى امر بعدم المساس بالكنيسة المسيحية فى القدس حين فتحتها جيوش الاسلام ، وقد حفظها العرب والمسلمون الى اليوم . . اليس هذا نتيجة عطف وتسامح من القائد الكبير عمر بن الخطاب رضى الله عنه ؟ ! وان المفكر سواء كان عربيا او غير عربي ليدرك من هذا أن طبيعة الفتح العربي ليست طبيعة استعمارية او ذات مطامع سياسية او اقتصادية .
الانسان العالي الخلق والفكر بمعنى الكلمة هو الذي يدعو ويعمل لتخليص الانسانية من ظلام العبودية والاستعمار ليعيش فى عالم الحرية واننا لنزدهى كل الازدهاء بالروح العاطفية الواعية الهادفة التى يتحلى بها شعبنا العربي من ذلك الوقت الذهبى الاول الى هذا العصر . . ويذكرني بهذا قصة واقعية حدثت للمحاربين العرب في القدس القديمة سنة ١٩٤٨ م في حرب فلسطين فقد كانت احدى المعابد اليهودية الاثرية الكبرى في القدس تتخذ
للعصابات اليهودية المحاربة مركزا حربية ذا استراتيجية ممتازة وحصنت ذلك المركز باكياس الرمال وتجمعت فيه تلك العصابات ومنه اخذت تشرف على القدس وتقتل وتفتك بدون مراعاة لرسالة الاماكن الدينية واخذ المحاربون العرب يفكرون مليا ويترددون كثيرا . . وكان فى مقدرتهم هدم الوكر على من فيه ولكنه صعب عليهم جدا ان يهدموا كنيسا دينيا ولم يقدموا على هدمه الا بعد مشاورات طويلة وانذارات وبعدها اصبح يهدد القدس كلها . . وقصة اخرى اطرف من هذه قراتها في كتب كثيرة ولا اعرف بالضبط اسماءها . . والمهم فيها انه كان بين المحاربين العرب واليهود دور تسليم للاسرى اليهود وبعد ما اجمع الاسرى اليهود وهم من اليهود العرب الذين عاشوا في فلسطين وقف احد اليهود يصبح باعلى صوته وهو بين المجموعة التي تنتظر اجراءات التسليم وقال : " حرام عليكم لقد ضاع طربوشى ! من اخذه ؟ كيف ضاع ؟ " يستغرب هذا اليهود ان يضيع طربوشه فى بلاد العرب لانه لم يألف يوما منهم القسوة وهو على كل حال لو رأى مذبحة ديرياسين والآثار الاجرامية التى صنعها حزب حيروت ومناحم بيجن ، لرأى الفرق بين طبيعة العرب الانسانيين وطبيعة بني قومه اللا انسانين . وللعنهم كما لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، وقد يقول قائل : لماذا يتردد المحاربون العرب في هدم الكنيس على من فيه ولو للتشفي ؟ ولماذا يقوم العرب بتسليم اولئك اليهود ليكونوا قوة للعصابات اليهودية ؟ لماذا لم ينزلوا بهم اشد انواع العذاب وهم من قوم محاربين اعداء اشداء لنا ؟ . . قد يقال هذا
بدهيا ولكن طبيعة ذلك العربي المسلم وانسانيته وعاطفته الرحيمة تأبي عليه في كثير من الاحيان ذلك اللهم الا اذا اقتضت المصلحة العامة وخشى من غدر مبيت ومميت من اليهود العرب فان العقل والعدل والرحمة الانسانية تقتضى اجتياح افسادهم واجتثاثه من الارض كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم باليهود لماغدروا العهود وارادوها حملة شعواء قاضية على الاسلام
ولو نظرنا إلى هذا القول نظرة تحليلية علمية منطقية موضوعية راينا حكمنا عليه
يختلف عن حكم آخر لنا مصدره العاطفة فقط ومن تلك النظرة العلمية التحليلة على ضوء الحقيقة سوف يبدو لنا ان الاسلام يقف من الماركسية موقف المعادى الصلب لأنها مذهب مادي بحث يخالف الاديان السماوية والاخلاق والقيم الانسانية ونعرف الى جانب ذلك ان الايمان بالماركسية يناقض الايمان بالاسلام وبالعروبة ، لان الماركسية لا تعترف بدين ولا بقومية او جنس كما لا تعترف بالتجزئة بل تعزو كل وقائع الحياة الى وسائل الانتاج
