الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

حديث في زمن لايركد عجاجه،

Share

حين يعسعس الليل ويجمعنا السهر وتتصاعد أحلام أمي مع أبخرة الشاى على طقطقة البراد ، أسأل أبي الغارق فى كنشه يعد ويعيد بقايا راتب الشهر المولود :

- هل مات جدى ؟

يرفع عينين ضيقتين من تحت نظارة سميكة الطوق والزجاج ويقول :

لا

يعود الى كنشه يطرح أكثر مما يجمع والقلم يرتجف بين اصابعه ثم يضيف دون أن يرفع رأسه :

- جدك لم يمت . جدك لا يموت .

تباغتني الاجابة ، يرتسم سؤال ضخم على وجهى ، انظر إلى امي استشف خفاياها أغوص في عينيها الزائغتين من أثر البخار أبحث عن الحقيقة ولكن لا أثر للحقيقة فى عينى أمي ،

أعود الى والدى أسأله

- اين هو اذن ؟

فيلوذ بالصمت ، ترتفع الطقطقة توقع نغمات يتمايل لها رأس آمي طربا ، يرفع أبي رأسه ، يضع كنشه ، يخلع نظارته ويقول :

- جدك بين يديك ، ان سعيت إليه جاءك . ان توانيت مر أمامك مر السحاب تراه ولا تدركه

جدك يا ولدى شمخت بطول أصوله الاغصان

يحدثني جدى يقول :

     حين يتنفس الصبح ينتصب شيوخ القبائل بقصر السلطان . يتعجب السلطان فموسم رفع التهانى لم يحن بعد ، يطوقهم بنظره ، وجوه مهمومة وأعين تدور فى محاجر حزينة

يسألهم :

- ما حاجتكم ؟

يتنحنح أحد الشيوخ ، يفتح فمه قائلا

- مولاى السلطان ، ان الوالي ، ،

فيقاطعه ثان ، ويتدخل ثالث ويرتفع صوت رابع ، ويتكلم الجميع تتعالى أصواتهم ، يعم الضجيج ، يقع عليهم صوت السلطان كالصاعقة فتخمد نارهم وتسكن حركتهم ،

وحين يأمر السلطان ،

- ليبدأ خيركم بالكلام

يخنسون ، ، يتبادلون نظرات ورهاء ، ، وتظل عيونهم تدور في محاجرها بسرعة ووجل .

يخيم على المجلس صمت ثقيل ، ، فجأة يعلو صوت ،

      - أنا أولى من غيري بالكلام يا مولاى ، أنا من قوم هم الجبال الرواسي عزا والنجوم الزواهر شرفا : لا يموتون تخمة وانما يموتون قتلا بالرماح وقعصا تحت ظلال السيوف

يرتفع صوت ثان

- مولاى السلطان ، ديارنا نجمة السارى ومنارة الملاح ، يأمن فيها التائه من خوف ويطعم من جوع ويلتمس فيها مالا يجده فى غيرها من الدعة والسعة

ويقول ثالث

      - نحن خير القبائل جميعا لنا بيان هو السحر يلعب بالآلباب ويأخذ    بمجامع القلوب .

    ويتحدث رابع وخامس وسادس ، ، كلهم الى الفضل منسوب وبالشرف والسؤدد موصوف ، ما من احد الا ادعى ان قومه رجحوا على غيرهم برا وفضلا وكرما وعقلا ومجدا ونبلا ، والسلطان يقلب الفكر تمتد أصابع يده تتحسس لحيته الكثا ثم ترتفع طلبا للسكون .

- ليتكلم واحد ممن هم عن يسارى ثم يليه واحد ممن هم عن يميني . يتقدم شيخ ، يتحدث يقول :

      - يا مولاى ، مضي علينا حين من الدهر تحت سماء ضنت علينا بمائها فعشنا فى فقر وعوز بين صخور تسفعها الهاجرة ورمال تغلى الدم وتصهر العظم ، تقتل أولادنا من الفاقة ويأكل بعضنا بعضا من الحاجة جعلنا مهادنا الأرض فالتصقنا بها والتصقت بنا فتوحدت نبضاتنا وتماسكت أحشاؤنا واتصلت أرحامنا فأغدقت علينا بفيض خيراتها فتدفقت ينابيعها تبعث الحياة في شراييننا الهامدة

وصدفنا الانغماس في ما حرمنا منه - حياتنا عن التطلع . إلى ما ينفع ، فانقدنا لرجل يسوسنا ، أكل الحقد قلبه فعز عليه أن يرانا في نعيم فاستأثر بما تدره الارض يغترف ولا يرتوى كأنه كثيب أهيم

        يتوقف الشيخ قليلا ، يبدو عليه التأثر ، يرسل زفرة طويلة وقبل أن يستأنف يسأله أحد الحاضرين

- واليكم هذا مأفون الرأى تسيره جواريه؟

يلتفت إليه الشيخ ويرد :

أي نعم

يسأله ثان :

- ولسانه أنطق من فعاله ؟

وينفغر فم الشيخ . يتمتم :

أى نعم

ويسأله ثالث :

- أهو قمي يتسامى لا يعرف الا لنفسه فضلا؟

تعلو الدهشة الشيخ ، وترتسم على زوايا شفتيه وفي حملقة عينيه ، ويبدو عليه الوجوم

يسأله رابع وخامس وسادس ،

      - أعهد نقض وتسويف ؟ -آله رجال حين تهوى سيوفهم على الرؤوس لا تفكر الا فى وفرة الحصاد ؟

- أيقطع لسانا يلهج بغير كلامه؟

والشيخ فاقد صوته يرد بهز رأسه ويلتفت ذات اليمين وذات الشمال يندهش السلطان ، يندهش الحاضرون ويصمت الشيخ

وحين يقول السلطان :

-من يليه؟

يهتف أحد بالشيخ :

- تكلم ، تكلم فأنت لساننا

ويسكت جدى ، لم ينل منه الاعياء ، فجدى لا يفتر ولا يني ، وحين اطلب منه ان يستمر فى حديثه يتلكأ ، يتلعثم ، يخجل ، نعم يخجل جدى ويصمت ، تبهت ملامحه وترتج فأرتد حتى لا يتوارى

اشترك في نشرتنا البريدية