توطئة
راق لي فى جملة ما يروق المتطلع والمنقب عن التراث الاسلامي المجيد ما تعنى به بعض المجلات العربية وخاصة التى تصطغ بالطابع الديني - راقنى ما تعنى به من تخصيص صفحات خاصة للمباحث العلمية الدينية المستقاة من القرآن أو السنة تحت عناوين جذابة تعالج مشاكل الانسانية وتوجهها التوجيه الصالح الرشيد . ولقد رغبت رغبة صادقة فى أن تنحو مجلتنا ( المنهل ) هذا المنحى وتجول جولة فى هذا المضمار وتستبق هذه الحلبة اذ كانت مجلة العلوم والآداب تصدر من مهبط الوحى أول لد شع فيه نور العلم والعرفان والهداية - لتكون بذلك من خير من يهدى الى السبيل ولنضم الى جانب مواضيعها العلمية والادبية الطريفة ثروة ضخمة وكنزا من كنوز السنة المطهرة تتنوع فيه الاغراض ويلتمس منه التوجيه الكريم والحكمة الخالدة والاصلاح الروحى والنفسى فى أوسع النطق .
وهانذا أبدأ هذه المحاولة وأسهم فى هذا المشروع بتقديم الحديث التالى راجياً ان أوفق الى حد ما فى بسط موضوعه وشرح غامضه وتوجيه الانظار اليه وحفز الهمم لتأثره وانتهاج نهجه عملا بحديث : ( لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم )
الحديث
فى الصحيحين عن ابى سعيد الخدري . رضى الله عنه قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال : ( إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح من زهرة الدنيا وزينتها ) فقال رجل : أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله ؟ قال فسكت عنه رسول الله صلى عليه وسلم فقيل ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك ؟ قال : ورأينا أنه ينزل عليه فأفاق بمسح عنه الرحضاء وقال : ( أبن هذا السائل ؟ ) وكأنه حمده فقال : ( انه
لا يأتي الخير بالشر ) وفى رواية . فقال : ( أين السائل آنفا ؟ أو خير هو ؟ قالها ثلاثا ان الخير لا ياتي الا بالخير . وان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يليم إلا آكلة الخضر . فانها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقلبت عين الشمس فثلطت وبالت تم رتعت وإن هذا المال خضر حلو ، ونعم صاحب المسلم هو - لمن اعطى منه المسكين واليتم وابن السبيل . وانه من يأخذه بغير حقه كالذى يأكل ولا يشبع ويكون عليه شاهدا يوم القيامة
المعنى اللغوى
( زهرة الدنيا ) : غضارتها وحسنها ( ما شأنك ) : ما أمرك وما حالك . ( ينزل عليه ) بضم الياء وسكون النون يوحى اليه . ( الرحضاء ) : العرق الكثير يغسل الجلد . ( حمده ) بفتح الحاء وكسر الميم : أثنى عليه . ( آنفا ) : سابقا ومنذ ساعة قريبة ( الربيع ) : من معانيه المطر . ( حبطاً ) بفتح الحاء والباء : الحبط ألم يبطن البعير وانتفاخ من كثرة الرعى . ( يلم بضم الياء وكسر اللام : يقرب . ( الخضر ) بفتح الخاء وكسر الضاد : نوع من البقول ليس بالجيد . ( ثلطت ) بفتح الثاء واللام
والطاء : أخرجت فضلات بطنها سهلا لينا . ( خاصرتاها ) مثنى خاصرة وهى الجنب . ( ارتعت ) : زعت ما شاءت ( خضر حلو ) : ناضر ناعم منعش .
ان مما أخاف عليكم بعدى ما يفتح من زهرة الدنيا وزينتها - أى إن أخوف ما يخافه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته بعد لحاقه بربه ما يفتح الله به عليهم من المال فيلهيهم بريقه عما خلقوا له من العبادة ويصدهم عما أعده الله لهم من الحياة الناعمة فى الآخرة ويكون سبباً فى فصم الأواصر بينهم
المعنى الاجمالى
( أو يأتى الخير بالشر ؟ ) أى أيكون من وراء هذا المال شر نتجرع غصصه ؟ ورأينا انه ينزل عليه .، لاحظ الصحابة رضوان الله عليهم ان الرسول صلى الله عليه وسلم يوحى اليه بعد سؤال السائل فأفاق يمسح عنه الرحضاء - أى انتهت الحالة التى كانت تعترى الرسول صلى الله عليه وسلم حالة نزول الوحى واخذ يمسح عن نفسه العرق الذى كان يتصبب منه من جراء ما كان يعانى من شدة الوحى ، ولم يشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يجيب بشئ من عنديات نفسه إذ كان الجواب من قسم الغيب الذي استأثر الله بعلمه وبعد أن أوحي اليه سأل عن السائل وطرح عليه الاجابة فى قالب سؤال لتكون أوقع فى النفس وأشد رسوخا كما جاء فى الرواية الثانية قائلا ( أو خير هو ؟ ) أى أترى هذا المال خيراً كله لا مغمز فيه أو مطعن كما يبدو للرائى السطحي ؟ . . اما الرواية الاخرى فقد صرح فيها للسائل عقب الوحي قائلا : " انه لا يأتى الخير بالشر " أى لا يصح أن يكون هذا المال وهذه النعمة التي تنعمون بها جالبة ومدعاة للشر وكان لجواب يستدعى بيانا اكثر وتفصيلا أعم إذ إن الاجابة بالفقرة السابقة مقتضبة لا تقنع أو تكون باعث اطمئنان مما اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يضرب المثل التالى قائلا : ( ان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم ) إى أن بعض ما ينبته الربيع بتوالى امطاره من العشب والبقول يستهوي الماشية بنضرته وطعمه فتكثر منه فيقتلها بالانتفاخ وسد المنافذ وتنشق امعاؤها فتهلك أو تقارب درجة الخطر ( الا آكلة الخضر ) أى إلا
الماشية التى تأكل النوع الردىء من البقول والعشب فلا تستمرئه وترعى منه بقدر حاجتها إذ ان هذا النوع تضطر اليه الماشية بعد ان يذوى نبت الربيع ويتصوح ( فانها أكلت حتى اذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت ) أى انها إذا رعت ذلك البقل وأحست بامتلا معدتها تركت الرعى وتعرضت للشمس واسترخت واستسلمت للراحة وأخذت تجتر ما أكلته وتستمرئه حتى خرج منها فضلاته سهلا هينا وعندئذ يزول عنها خطر الامتلاء والانتفاخ بعد الهضم فانتفعت بما رعته ثم عاودت الرعى ( ونعم صاحب المسلم هو ) أي حبذا المال يؤخذ من حله ويكون فى قبضة المسلم يعينه على وجوه البر وانفاقه فى سبيل الخير التى وضحها بقوله : ( لمن اعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل ) ومن هذا المثل الذى ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر بجلاء معنى قوله : ( انه لا يأتى الخير بالشر ) إذ هو مثل حسي أبرز به حال المفرط والمقتصد فى مجالات المادة . فمن أخذ منها بقدر وحيطة
فهو المقتصد ، ومن شره عليها ونهم فيها فهو المفرط ، وهو من عناه بقوله : ( وانه من يأخذه بغير حقه كالذي ياأكل ولا يشبع ويكون عليه يوم القيامة )
الشرح
هذا الحديث هو بحق كنز من كنوز السنة تتفجر البلاغة من ينبوعه الثر ، ويتجه بنا الى امكانيات رفيعة وهدف فى المعاملة رصين ومنحى فى المثالية قد يعتبره الماديون غلوا فى المجان وتطرفا فى النافلة والعرف ، وهو علم من أعلام النبوة إذ قد لمح من طرف خفي بما يكون فى الاجيال بعد عصر النبوة من فتنة بالمال وتكالب عليه وحرص فى جمعه واكتسابه ومنع حق الله فيه وهى الحالقة والشر المستطير والوباء الفتاك الذى يعصف بالامة ويذهب ريحها ويحدث فيها التصدع والفرقة .
ومن أجل ذلك كان المال زهرة الدنيا أخوف ما يخافه رسول صلى الله عليه وسلم على امته من بعده . وقد جمع له بين وصفين يثقفان عن اغراء ومتعة وثمان عن بهاء ورواؤ وجمال رونق ونضارة حيث قال : ( وإن هذا المال
خضر حلو ) ففى الخضرة معنى الانعاش والبهاء والنضارة مما يفسر خفض العيش وناعم الحياة وكمال السعادة . . وفى مزج الخضرة بالحلاوة معنى آخر لتذوق برد الراحة والهناء والركون الى هذا العيش الرخي الناعم ومن وراء ذلك تكون الفتنة ويتغلب حب المال وجمعه والتلذذ به والحرص عليه على كل المقدرات والقيم المعنوية فينشأ فى النفوس الطمع والجشع والأنانية ويكون تطرف الناس على المادة ويعظم سلطانها فيكون التناكر والتقاطع والتدابر وقطع الاواصر وما الى ذلك من النقائص والتدهور الخلقي والافلاس الديني والأدبى بكل معانيه وهو مصداق قول الرسول الاكرم صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول : ( والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى ان تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) ومن ثم كان تساؤل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المال ثلاثا قائلا : ( أو خير هو ؟ ) . لان ما كان هذا وضعه وتلك ملابسته يكون خيرا بحال الا اذا استوفى الشر مكان
كسباً حلالا ويعرق الجبين والكدح لا بالطرق الملتوية والمخادعات والرشوة لو كان انفاقه كما يريد الله تعالى فى النفقة العادلة المشروعة دون البذخ والاسراف وعلى الاقارب والمعوزين وفى جوه البر وعندئذ يكون نعم الصاحب للمسلم كما جاء ملحوظاً ، والعاقبة به محمودة ... أما إذا انعكست الآية ، فكان الكسب حراما أي لون من الألوان الكسب الحرام ، وكيفما كانت طرقه ودوافعه وبلغ به النهم مبلغ النزق والطيش المادى وقصر إنفاقه على المتع الرخيصة
والملذات الطائشة والشهوات البهيمية الحقيرة . فبئس القرين وبئس الصاحب وبئس الجامع وما جمع والكاسب وما كسب وما اكتسب إذ هو الموصوف فى الحديث الشريف بانه كالذى يأكل ولا يشبع والذى أخبر عنه الصادق المصدوق أن ما جمعه واكتسبه يكون شاهداً عليه ببواره وسوء حاله .
نعوذ بالله من شرور النفس وسيئات الاعمال .

