فى الثانى عشر من شهر ربيع الاول ولد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وولدت معه رسالة وحضارة وتحفزت للوثوب دولة وانطلاقة . . لقد كان هذا الكون الارضى يعيش فى قمة تعاسته وذروة نزواته وقوة طغيانه على بعضه . . أمم تتداعى على بعضها وتفترس صغارها وتلغ فى دماء بعضها متجردة من القيم الخلقية النبيلة ومن الفضائل الحميدة الا من عصم منها وهو من القلة بمكان . . أما الكثرة الكاثرة فتعيش بعقلية عمياء وتنظر الى الحياة بمنظار قاتم وتفكير تعيس بذىء وكأن الفئة المعصومة تريد الخلاص من ذلك الوضع المتردى المتهالك او هى تريد العدم النهائى لينتهى معه ذلك الشقاء والعذب كما ان الفئة الطاغية المتسلطة لا تريد الا ذلك الوضع الذى تعيش فيه ، لانها بغيره ستخسر مركز القوة العاتية . .
ولد محمد بن عبد الله ليكون للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا وباطلالته على هذا الكون الارضى تميل شمس الطغاة للغروب وتذبل ورقات الضلال كما تذبل الزهرة الملقاة فى الشمس المحرقة وتتهادى متحطمة بالتدريج معاول الهدم والطغيان وبمقدمه السعيد تسطع شمس وضاءة مشرقة على هذا الكون وكأنها تنبئه بمولد رسالة خالدة وحضارة عظيمة يتساوى فيها البشر الا بما يتفاوتون فيه من عمل صالح يقدمونه . . ويمتد نور ذلك الرجل العظيم مثل امتداد نور الشمس فى بداية اشراقها ويتحقق للبشرية انتصار عظيم . . انتصار الروح على المادة وانتصار القيم الخلقية على التحلل والابتذال وانتصار الحق على الباطل أنى كان ، وانتصار شريعة العدل على الظلم والارهاب وبالتالى انتصار الجانب المضئ
من الحياة على الجانب المعتم منها تلك سنة الله ولن نجد لسنة الله تبديلا . . .
فما أعظم قدرك ايها البشير لامته بسعادتها وما اجل ذكراك ايها النذير لامته من وحل شقاوتها وما ابهى طلعتك ايها السراج المضئ لامته دروب الفضيلة والتقى . . فبرسالتك يا ابن عبد الله أراد الله لامتك النصر على من استعبدها والانعتاق من القيود المصفدة بها . لقد سرت رسالتك العظيمة سريان الترياق فى الجسم العليل تضرب فى انحاء المعمورة لتجدد تلك الحياة العفنة المندرسة ولتعيد للانسان كرامته التى أرادها الله له وأراده لها . . هذه الامة لم تغلب فى وقت كانت تلتزم فيه بمبادئك وتطبقها كما بنيتها لها ولم تهزم يوم كانت تسير خلف الضوء الذى حملته منيرا به دروبها ولكنها غلبت وانهزمت فى المنعطف الذى كانت تنأى فيه عن رسالتك وتبتعد فيه عن تعاليمك التى شرفك الله بحملها . .
لقد نبذنا الروح وجمالها وعدنا الى المادة التعيسة وشقائها وكأننا نعود الى ما قد حاربته وحذرتنا منه . لقد انتصرت رسالتك على اليهود حين دكت حصونهم وتهاوت قلاعهم وأصابهم الرعب فى نفوسهم وانتصرت واصحابك على من هو أقوى واعتى منهم . . أما اليهود اليوم - وهم القلة القليلة والعصابة الشريدة - فيحكمون بالحراب أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ويدنسون أرض الطهر والرسالات دون خجل أو مبالاة ، لم يكن ذلك الا لأنا ابتعدنا عن رسالتك ونأينا عن تعاليمك المضيئة فابتعد نصر الله عنا ، ثم تهاوت علينا حراب الإعداء من كل جانب . . ولقد قلت يا رسول الله لنا : انك تخشى ان تداعى علينا
الامم كما يتداعى الآكلون الجياع على مائدة الطعام ، وقلت : ان ذلك ليس من قلتنا ولكنا غثاء كغثاء السيل . .
أجل برسالتك العظيمة انتصر اولئك الابطال من أمتك حين طووا السهول وتسلقوا الجبال وامتطوا البحار واجتازوا الانهار وتعلموا أعنف فنون القتال وانتصروا فى كل معركة وكونوا دولة عظيمة اعطت للبشرية ما تحتاجه من تعاليم
أما اليوم فنحن كثيرو العدد والعدة ومع ذلك انهزمنا فى لحظات امام أجبن جنس فى الكون الارضى لاننا ضعاف فى الالتزام بالعقيدة وستظل الهزيمة قائمة والنصر سيظل بعيدا ما لم نعد الى تعاليمك السمحة وهديك القويم . .
ليت أمتك تذكر فى هذه المناسبة قصة سعد بن أبى وقاص الذى جلس يتفقد جيشه قبل عبوره نهر دجلة دون ان يكون هناك جسور أو ممرات واستطاع بذلك انهاء دولة فارس . . مع فقدان التماثل فى العدد والعدة بين جيشه وجيش فارس وفى اليوم الذى تذكر هذه الامة هذا اليوم الذى اطلت فيه على هذا الكون يتمنى كل مؤمن من أعماقه أن تكون ذكرى ميلادك مناسبة حافزة لعودة امتك الى التعاليم الطاهرة ومنطلقا يعطيها القوة الدافعة للانعتاق من الركود الروحى كما يعطيها قوة الالتزام بالمبادئ الخلقية التى ناديت بها منذ قرابة اربعة عشر قرنا من الزمن وحينئذ يتهيأ لها نصر يعيد علم الاسلام وينشر لواء التوحيد هن جديد على أرض الرسالات . . ولك يا رسول الله - فى ذكرى ميلادك - من امتك عظيم الاحترام واكمل الصلاة والتسليم .

