الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

حديث وصراحة, حديث الروح

Share

الفكر الذى يباع في المزاد

من يصدق ان الفكر يباع كما تباع الأشياء التالفة فى الاسواق ؟ بل من يصدق انه يباع بأقل الإثمان كما هو الحال في سقط المتاع الذي هان على أهله ؟ . سماسرة البيع كثيرون والباعة اكثر والمبتاعون ينتقون ما وسعهم الانتقاء . وقلة هم الذين لا يبيعون الا على القراء الخلص وهؤلاء من حيث الثمن المادى لفكرهم اتعس الناس ربحا وما حيلتهم اذا كان المبتاع - القارئ - كاسد القراءة قليل الاخذ ، لا يهوى من الفكر الا ما كان براقا لماعا تستهويه صورته ويبهره شكله ومظهره ، وتصور النتيجة يعرفه العقل المدرك .

وكثرة هم الذين يبيعون غثاءهم الفكرى ان لم يجروا وراء ماء الحياة فهو يجرى وراءهم يطلبهم . . يلاحقهم ليس بضنين ولا شحيح بل معطاء مدرار . . ولا يعنينا الممول ففعله قد يكون فيه له ضرورة يطلب به . . يمنع به . . يتقصد به شيئا لا يدركه الا به . . يتفيأ شيئا ويلتمس مطلبا ، ولا جرم فى ذلك إذا عرف أن الوصوليين يعتنقون مبدأ " ان الغاية وان تدنت تبرؤها الوسيلة " واذا كان المصب الذي يفرغ فيه هذا الفكر يعنينا ولو بقدر معين فينبغي ان نعرف انه من حيث القابلية على نوعين : فهو ان كان

حديث النشأة ، فالغالب انه سئ الاستيعاب . والعذر له أنه حديث عهد يأخذ علمه بالمحاكاة والتلقى على سنن الطفولة . .

وان كان لا مباليا بحيث لا يعلل ما قيل له ولا يتعلل برفض ما يضره فى الوقت الذى يستطيعه فهنا زاوية الخطورة .. والفارق بين النوعين أن الاول هو الجاهل بالعلم لا يدركه . . والثاني هو المتخاذل عن وماني كو أهميتدل ص الرفض يعرفه فيتغافل عنه ، فعذر الاول واضح وان كان على غير اطلاق ، ولا عذر للثانى الا انهزام النفس أمام رهبة الغزاة .

فمن هو يا ترى المسؤول الاول الملوم أو المعذور ؟ انه الفكر مرتبط برجاله فهم ليسوا أهل غفلة فينبهون ، ولا أهل جهالة فيعذرون . وهم ان تعاموا عن الحقيقة ، تذكروا وتغافلوا عن الكلمة المخلصة تدون ، وتسجل ، صاروا من وصف الذين ضلوا فأضلوا . وفي ذلك بداية النهاية لامتهم . . ولا غرابة فى ذلك إذا أدركنا أنهم بمثابة حملة المشاعل

الزيتية ان احسنوا حملها صار الطريق سالكا وجميلا ، وان لم يكونوا كذلك سقطت من أيديهم فاحترقت وأحرقت من كان بقربها . . انهم الموجهون ، يقولون فيصدقون ويأمرون فيطاعون . فحين يخلصون يعمر كون وتبنى أمم وترقى .

وبضدهم تهدم وتذل . وناهيك بها مسؤولية أن لا تؤدى على وجهها . وأعيذك من حامل لها لا يقدرها حق قدرها .

ومدار التساؤل يفرض القول بأنه اذا كان المفكر بهذه المسؤولية والمكانة فما قوامه وعماده ؟

هل هو القول يدون ويقرأ ؟ الم هو الحديث البارع ينمق فيشغف النفوس ببريقه ، ويستحوذ الالياب بسحره ؟ أم هو الاسلوب المرن يتمدد وينكمش تبعا للاحوال والظروف أم ماذا ؟

فى رأيى انه لا ذا ولا ذاك بل هو " القول المخلص الامين " يسجل التاريخ كما هو واقعا محسوسا ، أو مأضيأ مشهودا . .

هو الكلمة الموجهة الهادئة الهادفة تخلب اللب لا لجمالها بل لعظمتها وصدقها . .

هو النتاج الصافي يبدعه العقل الراشد الثابت وما اخال ذلك المفكر الا عاملا فاعلا ، به تبنى الحضارات وتشاد الامم وتطلب به الانتصارات ، وما عداه كغثاء السيل ، يبقى كنفاية تافهة . وللحديث شاهد ودلالة عابرة تلقى بها المناسبة في

معنى الذكرى . . فمرة جمعتنا ندوة فى أحد منتزهات الروشة فى بيروت ، تعرفنا فيها على رجل كان يسمى نفسه بالمفكر . . كتب صحفا وألف كتبا وصال وجال في ميادين الفكر عنها الفترة السابقة لمأساة حزيران ، وسميتها ب " فترة التمدد الفكرى الشاطح " . وكانت ندوتنا متنوعة بأحاديث المفكر العربي ، يحلل ويستنتج .. يتخيل ويتوقع . . يصنف ذلك البلد العربى مغوارا بطلا ، وذاك جبانا رعديدا . وللسفن الفضائية والصواريخ الموجهة مكانة فى الحديث . وكنت بصحبة فضلاء من الناس لم يكونوا الا أدباء نفس ، وأصحاب عفة عن اللغو والرفث فكانوا ازاءه كذلك ، وان كانوا معه على خلاف ، وما كنت الا مقلدا لهم فى طبعهم ذاك . . تمالكت نفسى

وسكت على مضض ، ومرت الايام تترى وسقطت أقنعة ذلك الفكر الشاطح . . وتقصدنا ان نرى هذا الذى كان له فى هزيمة فكرنا أثر كبير ، لم يكن ذلك للشماتة به أو للتطاول عليه ، ولكن لنذكره يتفاهة ما قال ، ولنقول له : أنت مدخول فى فكرك غير سليم في منطقك وخيالك . وها نحن وأنت نقتطف ثمار عبثك وعبث أمثالك ممن أماتوا فى الفكر العربى جذوة الحقيقة ، وسلامة الغاية . ولكنه أدرك ذلك فى نظراتنا فقال بالحرف الواحد : " حقا لقد ساهمت وأمثالى في الهزيمة الا تعتقدون ان من أهم اثبات الجريمة الاعتراف بها . وحسبي أن تقولوا شيئا يبعث المرارة ، ويوجد الخصومة واللجاجة " .

وفي نهاية هذا الحديث أقول : ما أكثر ما قيل لاولئك : اتقوا الله في أمتكم . . اكتبوا لها الحقيقة كما هي . . تعودوا على الصدق وعفاف الكلمة . . قولوا الحقيقة وان كانت مرة وقاسية . . ألبسوا القول لباس الطهر والايمان ، فالدعاوة الكاذبة ما كانت في يوم من الايام ، الا وسيلة الضلالة وبداية النهاية . .

العجل القديس

مالوا ركعا وخروا له سجدا ، فتعاظم فى نفسه ونظر اليهم بازدراء . . اذا مر في الطريق وقفوا له احتراما ، وان عبث تركوه اجلالا . . نسوا انه ما خلق الا أداة استخدام نافعة يجر محراث الارص و يرويها . . يؤكل لحمه ويستفاد من جلده . . تلك مهمة وجوده وكفى . . لكنهم لطفوا

الواقع فقالوا : ان العلة فى احترامه ان يطول بقاؤه لحرث الارض وقيل و قيل : لعله كان معقولا فى البداية لكنه في النهاية تحول إلى تأليه تافه . . هو الانسان فى علاقته الحيوية يخضع لضوابط خيالية ، في التزامها واستهدائها قيمة وجودة ، وفى عكسها تفاهة ذلك الوجود . ومن أجل هذا وجدت الشرائع السماوية والوضعية تبين الضوابط والسلوك على أساس من تصور ذهنى يدركه العقل ويقبله . . العبادات لها علة والعمل له جزاء ، وهكذا يكون للعقل دوره فى ادراك الضوابط والسلوك . وما كنا نتصور ابدا أن يكون في تقديس العجل مناط للعقل يدافع عنه . .

ان تكن كبرياء الصمود جلباب النفس يتضاءل الفشل أنى كان ، وان تكن النفس تلك الخائفة الباكية فللموت اليها سبيل . الحزن والنواح من تفاهة الانسان ، وقيمة الرجل فى صموده ، وان كان فى معرض البكاء ، وعظمته تكمن فى شموخه أمام نوازل الحياة مهما تعظم . .

وما أروع ما قاله شاعر المهجر الكبير ايليا ابو ماضى :

وتأبى كبريائى أن يرانى

      فتى مغرورقا بالدمع جفني

فأستر عبرتى عنه لئلا

      يضيق بها وان هي احرقتني

أقول لكل نواح : رويدا

      فان الحزن لا يغني ويضنى

وجدت الدمع بالاحرار يزري

      فليت الدمع لم يخلق بجفني

اشترك في نشرتنا البريدية